"البدء الثاني"والعماء الحداثي الغربوي/2

Submitted on Fri, 04/12/2019 - 15:46

عبدالاميرالركابي

في الخلاصة فان الوجود المجتمعي محكوم لانقلابية ماوراء مجتمعية، تظل خافية على العقل لصالح رؤية مجتمعية أحادية، تظل غالبة لقرون وهي تتوسل شتى الاعتقادات والحلول المتوهمة، دفعا لمعضلة المجتمعية القائمة على التناقض والتمايز الضروري، الذي لاحل له سوى بانتفاء المجتمعية نفسها، وصولا لفرضية حل الانشطار الافقي "الطبقي" لصالح أحادية "مساواتية" من داخل، ولاجل تكريس مجتمعية أحادية مساواتية، كما تقول شتى اليوتوبيات وابرزها النظرية الماركسية، المكتوب عليها التوقف عند أحادية مجتمعية قاتلة للوجود بحكم ايقافها لاسباب التناقض الابدي البنيوي والتكويني، اللازم والضروري لانهاء المجتمعية، الهدف الماثل في مجتمع الازدواج التاريخي الانقطاعي الرافديني، وفي مجمل بنية وحركة الاحتشادية النمطية الشرق متوسطية.
لكن وعي الانسايوان بذاته وبالوجود والمجتمعية، محكوم عليه بالتاخر عن الحقيقة المجتمعية، وهو خاضع بنية لما يحول دون ادراكه واقعه التحولي ويظل كذلك لالاف السنين من الصيرورة الناقصة عقليا، ووعيا بالحقيقة المجتمعية، وبالتحولية اللامجتمعيية، الى ان تحل في وقت متأخرة لحظة بداية مقاربة الوعي المفقود، وهو ماحصل عند منتصف القرن التاسع عشر، مع نهضة الغرب وثورته الانشطارية الأخيرة البرجوازية، بظهور مايعرف ب "علم الاجتماع"، اخر العلوم السببي العلّي، وهو نمط من التفكر يكرس الأحادية المجتمعية استنادا لقوة السببية، بقدر ما يوفر في الوقت نفسه، المحفز الضروري لادراك ماهو غائب من مقاربة عقلية ابعد للظاهرة المجتمعية، ولنمطها الأعلى الازدواجي، ان علم اجتماع الغرب الحديث، هو علم اجتماع الأحادية، الناقص، والابتدائي السابق والممهد المفضي لعلم اجتماع الازدواج المجتمعي والتحولية.
مع ان مثل هذا التتابع والانتقال في الوعي لايحدث من دون طور انتقالي، تظل المجتمعية الازدواجية خلالها تعاني من نفس ماقد بقيت تعيشه على مدى قرون، من غمط ناتج عن الجهل ان لم تتعاظم أسباب ومظاهر هذا الاجحاف المعرفي، تحت وطاة الوثوقية الغربية المتعاظمة بعد ظاهرة الحداثة ومايعرف بالعقلانية. وكمثال فان التجلي الامبراطوري الازدواجي الرافيديني التاريخي، المزاح من قائمة الموضوعات الحرية بالنظر، يزداد اليوم الايغال في نفيه لابل وامتناع تناوله كليا. والعلم الاجتماعي والتاريخي الأحادي، لايساعد اطلاقا بل يوغل يفعل العكس تماما، وفي حالة مميزة، حدث ان قام الغرب الاستعماري والمفهومي، بفبركة كيان على وفق المقاسات الغربية، من جهة لقوة القناعة الغربية، وبالتلازم مع نزوع ومقتضيات السيطرة والاستعمار، فوضع العراق، او ارض الرافدين الازدواجية التكوين، تحت مسميات الغرب الحديث، بنقض خاصيته الإمبراطورية الازدواجية التاريخية، مايمكن اعتباره من بين احدى اكبر السقطات الدالة على الأولية والبدائية القاصرة، امام نمط مجتمعي اعلى من ذلك الأحادي الأوربي، بغض النظر عن علو دينامياته قياسا لاشباهه ضمن نمطه.
وكان مما يستبعد على الاطلاق وكليا، تساؤل من قبيل هل التجلي الامبراطوري ثابته ملازمه للكيان الازدواجي الرافيديني، وهل مثل هذا التجلي قائم راهنا، حتى وان لم يكن بلغ درجة التجسد ، او يمكن ان يكون حاضرا باي شكل برغم الاشتراطات الحديثة، وبغض النظر عن ثورة الغرب وظاهرة الاستعمار الملازمة لها، ناهيك عن الهيمنة التفكرية المفهومية والنموذجية، وعلى الرغم منها، والاهم من ذلك، وبعيدا عن الغرب وحضوره، ماقد نجم عنه وتسبب فيه من سقوط العقل العراقي "الحداثي"، وما انطوت عليه تجربة التاريخ الحديثة الرافدينية العراقية، مع نشوء حالة خاصة وفريدة من انتساب العقل "الوطني" المحلي، الى مايضاده، وماهو بحالة تصادم قصوى معه في الجوهر، لدرجه كونه قوة عاملة على محوه، ماقد ميز تاريخ الحضور الغربي الحديث منذ عشرينات القرن المنصرم، بمختلف تجلياته، وبكل البدائل المرتكزة لترسانته المفهومية الحديثة، وبمقدمها ماشاع من تمثلات : القومية، والماركسية، والليبرالية. المؤسسة على افتراضية غربية مفبركة، مركبة على افتراضية كيانية "وطنية"، تتمثل كقاعدة النموذج الغربي الحديث للكيانات والدول، وهو مالا وجود له، ولاشيء يؤيد حضورة في حالة العراق وتشكله الحديث، الامبراطوري تكرارا بغض النظر عن تحورة بناء لحكم اللحظة والمسار الخاص، وهو ما قد ظهر خلال، وعلى مدى الدورة التاريخية الرافدينية الراهنة الثالثة، المستمرة من القرنين السادس والسابع عشر، وصولاالى اللحظة الراهنة.
والحديث جار هنا عما لايمكن افتكاره، وماهو خارج الطاقة العقلية، مما يشمل العراقيين انفسهم والمنشغلين بالشان العام منهم، ممن استعاضوا بحماس عما لايملكون القدرة على ادراكه فيهم، وضمن بنيتهم التاريخية، بجاهز متحقق ومؤطر فكريا ونموذجا، بحسب الوقائع الغربية الحديثة، ليعيشوا حالة من الاستبدال الغريب، بالضبط على مثال النكتة العراقية الشائعة التي تقول: بان احدهم أوقع نقوده على رصيف وهو سائر في الليل في احد شوارع بغداد، وتحديدا في شارع الرشيد، وراح يبحث عنها على الرصيف المقابل، وحين سئل لماذا يبحث هنا وليس في المكان المفترض ان يعثر فيه على النقود؟ أجاب: "هنا ثمة ضوء، اما الرصيف الاخر فمظلم"، والغريب الملفت سواء في العراق، او عموم العالم المعروف بالعربي، ان موجة الاستبدال قد مورست بحماس وثقة، وصلت حد التعصب الذي يرقى لمستوى المرض العضال، مع ماينطوي علية من إصرار على اكراه المجتمعات على قبول ماليس من طبيعتها، كممارسة اقرب الى مايمكن نعته بشكل من اشكال ازدراء تلك المجتمعات، او حتى الحقد عليها من قبل أهلها. 
والاغرب في الظاهرة مدار الملاحظة، انها قد استمرت على ماهي عليه الى الان، فلم يظهر في أي يوم من الأيام، أي دليل يمكن ان يلفت النظر الى احتمالية ظهور أي نية داله على بدء وقفة استدراكية، فضلا عن المراجعه، مايزيد من التدليل على مدى تدني قدرات هذا النفر من الأشخاص، ودرجة غربويتهم،وانعدام حساسيتهم التاريخية والمجتمعية، عدا عن تكلسهم الكلي، برغم تكرار وتوالي المصاعب والفشل والكوارث، والخروج المستمر المتوالي عن اية مظاهر تطابق مع الضرورة، او الحقيقة البنيوية المجتمعية، مايجعل هذا المظهر صالحا كعينة مثالية دالة على استمرار زمن التردي التاريخي المتصل الى اليوم، منذ سقوط بغداد 1258 على يد هولاكو، فمجيء الغرب او ظاهرته الحديثة، وانعكاسها على واقع المنطقة المنهار تاريخيا، لم يفعل سوى انه كرس التردي، والبس عناصره الموروثة ودلائله، نوعا او حالة فريدة من المرض الغريب، المستعصي على الوصف، فضلا عن العلاج.
واضح ان المسافة الفاصلة بين العقل المنبهر بالظاهرة الغربية الحديثة المستجدة، وبين الحقيقة المجتمعية التاريخية المتضمنه في البنية الشرق متوسطية، وفي العراق بؤرة التحولية المجتمعية، هائلة، وانها تبلغ من حيث البعد العقلي، مسافات لايجوز قياسها الا بالسنين الضوئية، وهذا العذر قد يكون الوحيد المنطقي الذي يمكن الركون اليه، عند محاولة الحكم على مرض الاستبدال الحداثي العراقي بالذات، من دون ان يصل المطروح هنا درجه توسل الاعذار للظاهرة المذكورة. 
فنحن لانستطيع الحكم على القرد بالغباء، اذا هو لم يعرف القراءة والكتابه، ولا النطق، فتلك كينونته، مع ان هذا ينطبق بالذات على الغرب الحديث، وموقفه الاطلاقي من غيره من المجتمعيات، لاعلى أبناء البلاد من العراقيين وغيرهم، ممن ذهبوا ليس الى مجرد تصديق منجز غيرهم وحسب، لابل وحتى تشاوفوا به، بينما هم يستخدمونه لمصلحته، ولكي يمكنوه من انفسهم، ومن تاريخهم، دون ان يخطر لهم احتمال ان يكون ماهم منتسبون له ولادة، قد يكون منطويا على مايتجاوزماقد قبلوا به بديلا، نافيا لوجودهم وكينونتهم، الضرورية ليس لهم لوحدهم، بل للعالم، وللغرب نفسه.
ـ يتبع ـ