تداعيات تصريحات هيفاء الأمين ومغزاها

إضفاء القداسة على جرار قديم

نصير المهدي

ليس القصد أن أسجل حضورا في هذه المناسبة ولم أفعل في الكثيرات من قبيلها لسبب مهم هو أن هناك يدا خفية تحاول نقل العراقيين من انشغال واهتمام الى آخر بعيدا عن أمور حيوية ومصيرية كثيرة وفي هذه الموضوعة تحديدا كان هناك رأي يمثلني سطره الأخ العزيز والكبير علاء اللامي وما كتبه الأخ الغالي زياد العاني ولست لأضيف شيئا اليهما إنما وقد تجاوزت الأمور حدودها الاعتيادية الى الاعتداء والتهديد واستغلال العواطف والمشاعر من أجل رص الصفوف أو تسجيل المكاسب السياسية فعندها سيكون من الواجب أن نشهر صوت الاستنكار والاحتجاج ضد ممارسة عدوانية دفع العراقيون أثمانا باهظة لمثيلاتها في التاريخ المعاصر وأعني حادثة الاعتداء على مقر الحزب الشيوعي في الناصرية وتجييش الأطفال في مسيرة يفترض أنها سياسية وتعبر عن رأي وموقف فما علاقة طفل غر صغير لا يفهم من شؤون الحياة شيئا بمثل هذه الأمور اللهم الا تدريبه على الحقد والكراهية خاصة وأن هؤلاء الأطفال يرون مشاهد التكسير والتخريب والعصبية والانفعال والاعتداء الجسدي وغيرها . 
مما لا شك فيه بأن النائبة وهي في قائمة الأصدقاء وتقبلها لهذا الرأي ميزان لطريقة تفكيرها أقول مما لا شك فيه أنها قد خانها التعبير أو قصر فهمها عن تقديم صورة مفيدة وتساعد في أي جهد يصب في خانة حل مشاكل العراقيين وقد أثبتت في كلامها حدود تفكيرها وأقول أيضا سطحية رؤيتها . 
ولن يحتاج المرء الى جهد كبير الى اكتشاف معنى قصدها بالتخلف فهي تعني الممارسات والاهتمامات ذات الصبغة الدينية أي أن اهتمامها منصب على أمور مظهرية شكلية لا تمس مشكلات حقيقية أهم وأعمق في حياة الانسان العراقي خاصة في الحيز الجغرافي الذي قصدته وهو جنوب العراق وهذا القصور في فهم مشكلات العراق وأولها الاحتلال ومخلفات ديكتاتورية صدام وآل المجيد سمة عامة لمن يصنفون أنفسهم بأنهم تيار مدني والتسمية مبهمة غامضة وهي إذ تناولت هذا الأمر كانت ستحظى بالتأييد بدل النقمة لو أنها قدمت الجنوب العراقي كضحية لممارسات تسلطية استعلائية واهمال كبير يدفع ثمنه المواطن البسيط ويفرض نمط حياة وعيش تراكمي يساهم في تراجع مستويات المعيشة ومن ذلك مثلا ارتفاع معدلات البطالة وسعة الشرائح الاجتماعية التي تعيش في مستويات الفقر والكفاف وهذه تقود الى تسرب الأطفال من المدارس وتشغيلهم في سن الطفولة وما يترتب على هذا من مشكلات إجتماعية كبيرة تتفاقم مع مرور الزمن ويمكن أن يكتشف من يريد الحديث عن الجنوب العراقي الكثير من المشاكل والأزمات وسيعثر على جذورها وأسبابها بدلا من صب الاهتمام في جانب معين له أسبابه الموضوعية والذاتية وأعني نمو المظاهر والممارسات الدينية مع أن النائبة التي لا تجد تخلفا في المجتمع غير هذا ما كانت لتحظى بمقعدها النيابي مع زعيم حزبها لولا رافعة تيار المتخلفين بحسب مقاييسها وقد فشل الحزب فشلا ذريعا في نيل مقعد واحد في دورات متتالية الا بعون الآخرين وآخرهم المتخلفين بمقاييسها 
لقد اختارت أن تقارن بين لبنان والعراق وهي لا تعلم بأن منطقة الهرمل شهدت منذ أشهر قتالا بين عشيرتين استخدمت فيه الأسلحة الثقيلة تماما مثل القتال العشائري الذي شهدته البصرة مؤخرا وأن مناطق واسعة من لبنان مازالت تمارس القتل غسلا للعار وأن مناطق أخرى شهدت قطع الأعضاء الذكورية لأن صاحبها تزوج زواجا مدنيا بدون رضا أهل الزوجة .. نعم بيروت متقدمة وبغداد متخلفة بمقاييسها المحدودة والسطحية ولكن دعونا من معاييرها للأمور ولنراها من زاوية أخرى خاصة وأنها اعترفت بخطئها واعتذرت ولا أدري إن كانت ستفعل لولا أن عينيها على مقعدها النيابي والمهم في هذا أن الرأي العام بات يفرض حضوره ودوره على المتعاطين بالعمل السياسي وهذا إنجاز ومكسب .
بعيدا عن هذا التناول السطحي الاستعلائي لمفهوم التخلف وخص أهل الجنوب العراقي به بطريقة تذكر بما كتبه صدام نفسه في مقالات جريدة الثورة سيئة الصيت عقب انتفاضة أوائل التسعينات فعلينا أن نعترف بأن العراق بلد متخلف حتى عن نفسه وأن مرحلة التراجع والنكوص التي بدأت مع إعتلاء صدام لموقع رئاسة الدولة وواصلت أثرها التراكمي لتصل الى وضع العراق الحالي وهناك آلاف الأمثلة التي يمكن أن تضرب لبيان وضع التخلف الكارثي الذي يعيشه العراق .
هل نضرب مثلا من مدينة هيفاء الأمين الناصرية نفسها ليذهب من يريد الاطلاع على نماذج حية للتخلف الى مستشفى الناصرية الذي يحتل بناية تضاهي مثيلاتها في أرقى بلدان العالم تطورا ثم لينظر يسارا ودائما يسارا الى قاعة الانتظار الكبيرة في مدخل المستشفى ثم الحمامات والمرافق الصحية وأخيرا قسم الإنعاش وهو من أهم أقسام أي مستشفى وسيرى التخلف في أوضح صوره مجسما .
وعلى أية حال إن كانت جذور التراجع والتخلف الراهن تمتد الى عقود مضت فهل غاب عن ذهن النائبة أن العملية السياسية التي أقامها المحتلون الأميركان في العراق قد ساهمت في تكريس التخلف وادامته وأن حزبها قد لعب دورا مهما وبحماس وهمة في هذا العمل الذي أدام التخلف ومد في جذ وره ليعيش زمنا أطول وأبعد .
وباستثناء المواقف والآراء العفوية التي أيدت أو عارضت فما يلفت الانتباه هذا الاصطفاف والتجيييش الحزبي لحزبين شريكين في مآسي العراق الراهنة وكلاهما يحاول استغلال عواطف الناس واستثمار الواقعة لحشد التأييد لمراميه وغاياته البعيدة غيرة المناوئين كانت نائمة عندما أشادت النائبة " اليسارية " بدور أميركا في تحقيق استقلال العراق وحولت المحتل الى محرر أو أثنت على حكام مملكة آل سعود والمنحازون لها وضعوا لها عناوين وعبارات أكبر بكثير من مقاساتها ونتناولها هنا كشخصية عامة بل وتمادى بعضهم الى حد القول بأنها حملت السلاح دفاعا عن شعب العراق متناسين بأن حمل حزبها للسلاح كان في مناطق لا وجود لشعب عراقي فيها ولسنا بصدد تقييم التجربة مالها وما عليها وغياب أي أثر مهما كان ضئيلا لها على وضع العراق سابقا ولاحقا ولكن لا فضل لأحد إطلاقا على العراق وأهله وقد كابدوا وعانوا وتحملوا وقاسوا وعرفوا ما لم يعرفه شعب آخر .
ملهاة جديدة من الملهيات التي تضخ كل يوم لتشغل الناس عن واقع مرير ولا بأس فسينسى الناس غدا هيفاء الأمين وما قالت لينشغلوا بأمر آخر وحري بهؤلاء الذين يريدون توريط الناس بصراعاتهم غير النزيهة أن يذهبوا الى مجلسهم ومنتدياتهم ومحاكمهم ليحلوا مشاكلهم ويحسموا صراعاتهم فيها أما نقلها الى الشارع فجريمة مؤكدة وتوظيف المقدسات في سوق المساومة جريمة أكبر واشراك الأطفال في صراعات الكبار جريمة أعظم اللهم الا أن يثبتوا أن زج هؤلاء في تظاهرات حزبية سيثبت أهليتهم لغرض آخر يبيته الذي أخرجهم ووضعهم في صدر مسيرة ليست مكانا لطفولتهم على أية حال .