دلالات نهاية "العراق المفبرك":*

Submitted on Sun, 05/12/2019 - 01:55

عبد الأمير الركابي
تزداد الحاحا بقوة اليوم، ضرورة انعتاق العراق، وخروجه من وطأة" الفبركة" الكيانية والمفهومية التي كان الغرب الاستعماري قد اسقطها عليه منذ عشرينات القرن المنصرم.
وكان وصول الإنكليز الى العراق وقتها، قد اوجب بقوة مثل هذا النوع من "الاستعمارعن طريق الفبركة"، تحت وطاة مابدا من استحالة الحلم من دونها، ببسط النفوذ والهيمنة، وان بحدودها الدنيا، ماقد جعل مثل هذا السلوك من قبيل مايرقى لمستوى "النموذج"، او " الصيغة" الاستعمارية الخاصة، والنادرة ضمن الممارسة الاستعمارية على مستوى المعمورة. 
ولايبدو مثل هذا التصرف وماترتب عليه وقتها ولاحقا الى الان، مستغربا اذا ماتعرفنا على الاشتراطات الاستثنائية التي حكمت في حينه العلاقة الغربية بالعراق، الكيان الازدواجي الامبراطوري، الذي لم يتجسد مطلقا في التاريخ، سوى بناء على ماتفرضه بنيته واليات تاريخه كموضع ازدواج مجتمعي. ومع غياب هذه الناحية الأساسية عن وعي المستعمرين الإنكليز، وحاملي مشروعهم ونموذجه، فلقد كان من البديهي توقع ماقد اقدموا عليه من محاولة اكراة كيان، مغاير كينونة، على الرضوخ لاشتراطات الغرب الحديث المفهومية والكيانية، وماهو معروف منها، من اشكال الوطنية والكيانية، مع جملة المؤسسات التي تشكل النموذج الشائع من الدولة الحديثة. 
هذا وقد ساهم عجز العقل العراقي وقتها عن وعي ذاته، او الخوض في خاصياته الحضارية الكيانية، في جعل الخيار الاستعماري ممكنا، ان لم يكن عززه، ووطد اركانه، فالنخبة العراقية آنذاك مالت من جهتها لصياغة شكل من "الفبركة من اسفل"، كان وجهها الظاهر مضادا للاستعمار، انما بوسائله، وبما يكرس مشروعه، ويعزز استمراره مفهوميا. وهذا ماقد فعلته واستمرت "الوطنية الحزبية" تمارسه بفروعها الأكبر، القومية، والماركسية، والليبرالية الشعبوية الى الوقت الحاضر.
وبعد محاولة قصيرة فاشلة(1) اتسمت بالحزبية أصلا هدفت للتاسيس لوطنية عراقية في العشرينات، اخذت الوطنية الحزبية تتصدر المشهد ابتداء من الثلاثينات، ماقد كرس حالة من الاستلاب شبه التام، مظهره التضارب بين الاليات الفعلية المتحكمة بالعملية التاريخية الحديثة العراقية، بمقابل المنهجيات المستعملة في النظر اليها وتفسيرها. ولم يكن ليطرح من أي جهة الى اليوم التساؤل حول مدى قدرة الغرب ومايمثله، على تعطيل الاليات الرافدينية التاريخية او محوها، ذلك لان تلك الاليات لم تكن متاحة على مستوى الادراك أصلا، ولاجرى السعي لمقاربتها، او التعرف على مكوناتها البنيوية والدينامية.
وتقع المسؤولية هنا ليس على عاتق المستعمرين، بقدر ماتنصب على كاهل أولئك الذين بادروا من دون أي تريث، او محاولة تعرف،لابل بحماس غير عادي، لتكريس الاستلاب والتضارب، بتلقفهم واعتمادهم ماهو جاهز من منهجيات الغرب والحداثة، بغض النظر عن تفرعاتها، ويكمن هنا جانب حيوي له بعد كوني، يتمثل في المفارقة الموضوعية بين طاقة العقل البشري والظاهرة المجتمعية، حيث العقل محكوم عليه، بالطبيعة والتكوين،بالتاخر عن استكناه خفايا الظاهرة المجتمعية وصيرورتها، وبما ان الكيانية الرافيدينية تنتمي لمستوى اعلى بين الانماط االمجتمعية،هو نمط " الازدواج المجتمعي"، فلقد كان من المتوقع ان يقصر دونها العقل الغربي الحديث، ومعه وقبلة منظورات نخب البلاد البدائية والاولية التكوين، الموجودة وقتها تحت وطاة الظاهرة الحديثة الغربية، في موضع تاريخي مايزال يعيش مفاعيل حال الانقطاع الحضاري التاريخي الثاني، بعد الانقطاع الأول الذي اعقب انهيار بابل، والمستمر من 1258 مع سقوط بغداد على يد المغول.
ومع إعادة النظر في اللحظة التاريخية مدار البحث هنا، قد يمكننا القول بان ماحصل في حينه قد تم ضمن سياق من التتابع المحكوم لسياقات كونية ذاهبة الى مابعد غرب، اخترنا ان نطلق عليها اسم "المفارقة التاريخية الرباعية"(2) يكون حضور الغرب ضمنها الى ارض مابين ا لنهرين بمثابة ضرورة موضوعية، وحافز لاغنى عنه لاجل توفير الأسباب والمتطلبات اللازمة، قبل ان يصبح بمقدور العراق الخروج من تحت وطاة الفبركة والاستلاب المفهومي والعملي، استكمالا لمسارات الكونية الراهنة، المبتدئة بالثورة الصناعية والحداثة الغربية، والمنتهية اليوم، مع تراجع المشروع الغربي، وتعطل دينامياته لصالح "قك الازدواج" (3) المجتمعي، ومابعد مجتمعية.
هل كان تاريخ هذا الموضع من المعمورة هو ذلك الذي رسمته لنا الكتابات الحزبية الايديلوجية، والكتاب الاستعماريون، والبحاث والاكاديميون من متبني المنهجية الغربية،على مدى يقارب القرن من الزمن، على ضحالتها، وهل يجوز قبول موضوعة الضابط الإنكليزي الملحق بالحملة البريطانية، فليب ويرلند، عن العراق المتشكل منذ 1831 كما يفعل اليساريون وكبار اقتصادييهم( مثال محمد سلمان الحسن في كتابه الضخم عن الاقتصاد العراقي) ناسبين ولادة العراق الى الالتحاق بالسوق الراسمالية العالمية، ليؤسسوا من يومها ( سردية) كاذبة، لاااساس لها، ولا دليل يثبتها، مقابل عودة الاليات التاريخية العراقية الى الانبعاث من موضع التشكل التقليدي في سومر الحديثة ارض "المنتفك" في القرنين السادس والسابع عشر.
وهل صحيح ان قيام الدولة "الحديثة " كما صممها الانكليز عام 1921 كان من قبيل الضرورة المواكبه لتشكل الكيانية المجتمعية المختلقة، ثم هل ان الأحزاب الحديثة نشات بناء لاسباب ومحفزات طبقية وحداثية، ام كملحق بالكيانية المفبركة القائمة، المقامة لاسباب لها علاقة وطيدة ومباشرة بممارسة الهيمنة الاستعمارية، بعد مابدا من استحالتها بناء لوقائع ثورة حزيران 1920. صحيح ان اشتراطات وضرورات استجدت وقتها، اوجبت تصرفات بعينها، او قيام مؤسسات ومشاريع بتسميات، واستنادا لنظريات مفترضة وجاهزة جرت استعارتها، لكن ذلك لم يكن باية حال متات من ضرورة تاريخية حداثية عراقية، فالعراق وقتها كان يمر بحقبة من التشكل التاريخي الجديد، هو الدورة الحضارية التاريخية الثالثة، بعد الدورة الأولى السومرية البابلية، والدورة الثانية العباسية القرمطية، وهذه كانت قد قطعت مع بداية القرن العشرين، وخلال مايقرب من الثلاثة قرون، طورا قبليا اول، وطورا دينيا تجديديا انتظاريا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• ملمح مستل من مقدمة كتابي قيد النشر"قران العراق".
(1) المقصود محاولة جعفر أبو التمن وحزبه "الحزب الوطني العراقي" المؤسس في 1922.
(2) بحسب راينا فان المفارقة الرباعية صارت ناظمة للوضع الكوكبي منذ القرنين السادس والسابع عشر، وانها تتضمن بدايات تصدع الدولة العثمانية اخر متبقيات الدورة الشرقية الثانية المستمرة من القرن السابع، والثورة الصناعية الاوربية وعودة مفاعيل التشكل العراقي، واكتشاف القارة الامريكية. حيث تولدت وحدة دينامية تاريخية مع تعاقب تفاعلي شامل، مآله الحالي الة "فك الازدواج المجتمعي" وهو ماسيضطلع به موضع الازدواج التاريخي الأكثر عراقة .
(3) تتمثل ازمة المشروع الغربي الراهنة في التضارب بين وسيلة الإنتاج المستجدة الناظمة للعملية الإنتاجية بعد الآلية التي أعقبت اليدوية، وبين البنية المجتمعية الاوربية الأحادية، فالتكنولوجيا والإنتاجية المعرفية العقلية، هي بالطبيعة والكينونة، غير مجتمعية، بعكس الوسيلتين السابقتين، ونافية للمجتمعية، وبالأخص الأحادية منها. وهو ماسيجري بحثة باستفاضة في الصفحات اللاحقة.