إنجلز في مقالته "عبد القادر".. استشراق أم تحليل علمي؟

Submitted on Mon, 05/13/2019 - 17:20

محسن المحمد
الاستشراق هو تمييز على أساس تعميمات وتجريدات ثابتة، تقول بتفوق الغرب وانحطاط الشرق، وبعقلانية الأول وعاطفية الثاني، وبالانفتاح التطوري للأول والانغلاق والثبات للثاني، أي أن هناك طبائع ثابتة لا تتغير، وبالتالي يحوّل الفكر الاستشراقي الغرب إلى دوغما غير تاريخية، وكذلك الأمر مع الشرق الذي يتحوّل هو الآخر إلى دوغما مقابلة لا اختلاف فيها، فمنطق الفكر الاستشراقي قائم على التماثل لا على التناقض. فهل يندرج فكر فريدريك إنجلز، رفيق درب ماركس والمنظر للثورة الاشتراكية وللأممية الخالية من العنصرية، في النسق الغربي الاستشراقي؟. هذا ما نود أن نجيب عليه هنا من خلال مقاربة مقالة إنجلز المعنونة "عبد القادر (الجزائري)" عام 1848.
إن مقالة إنجلز "عبد القادر" هي من جملة مقالاته المنشورة في صحيفة "نورثون ستار" التي يعرض فيها ما جاء في الصحافة الباريسية أثناء إقامته في باريس (1846- 1848). وهذه النقطة مهمة لفهم سياق المقالة فهي عرض لما قدمته الصحافة الفرنسية عن استسلام الأمير عبد القادر الجزائري للجيش الفرنسي مع إضافة تعليقات عليها توضح رأي إنجلز في ذلك الوقت. لذلك سنقتصر هنا على ذكر التعليقات دون العرض ونخضعها للتحليل لنحاول الإجابة عن السؤال التالي: هل وقع إنجلز في فخ الخطاب الاستشراقي أم أنه يحلل الوضع وفقا لمقتضيات علمية؟.
يكتب إنجلز بعد عرضه لما قدمته بعض الصحف بخصوص ملابسات أسر الأمير عبد القادر: «إن رأينا، بالإجمال، هو أن من حسن التوفيق الكبير أن يكون الزعيم العربي قد أسر. فقد كان صراع البدو بلا أمل، وعلى الرغم من أن الكيفية التي أدار بها الحرب جنود أفظاظ من أمثال بوجو تستأهل الإدانة الشديدة، فإن فتح الجزائر واقعة مهمة وموائمة لتقدم الحضارة.»(1) إن إنجلز يرى هنا أن فشل مقاومة الأمير عبد القادر مسألة مهمة لأنها مقاومة تمثل انعكاساً لمجتمع وعقلية بدوية وبالتالي لا نتائج مرجوة سوى تقديم ضحايا مجانية في مواجهة همجية الاستعمار الفرنسي التي يدينها بوضوح، من هنا يتابع إنجلز القول ليقدم استذهاناً مقارناً مقتضباً بين المجتمع البدوي في شمال إفريقيا والمجتمع الرأسمالي الأوروبي ليحدد تقدمية الثاني بالدرجة رغم تشابه سماتهما القائمة على النهب (الإقرار بالتشابه يُسقط أي اتهام بالعنصرية أو بالاستشراق)، يكتب: «وإذا كان من الممكن أن نأسف على ما أصاب الحرية من دمار، فلا يجوز أن ننسى أن أولئك البدو أنفسهم هم شعب من اللصوص، وسائلهم الرئيسية للعيش هي غزو بعضهم بعضاً، أو غزو القرويين الحضر، ناهبين ما يجدونه [...] إن جميع شعوب البربر الأحرار هؤلاء يبدون للناظر من بعيد في غاية العزة والنبل والبهاء، ولكن ما عليك إلا أن تقترب منهم حتى تكتشف أن الشره إلى الكسب هو دافعهم ومحركهم، مثلهم مثل الأمم الأكثر تحضراً، كل ما في الأمر أنهم يلجؤون إلى وسائل أكثر فجاجة وفظاظة.»(2) رغم هذا التشابه الذي يقر به إنجلز إلا أنه بالنهاية يفضل الاستعمار البرجوازي الناهب وما يحمله من أنوار مزعومة وتفوق إنتاجي على وضعية اجتماعية يسيطر فيها المولى الاقطاعي أو البدوي الناهب.
إن هذا التوصيف السوسيولوجي من قبل إنجلز لا ينفي السقطة الوضعية التي توحي بها عبارته "إن فتح الجزائر واقعة مهمة وموائمة لتقدم الحضارة" وهذه السقطة سوف يتداركها إنجلز لاحقاً، حين يشير إلى أن الاستعمار الأوروبي المباشر هدفه استعباد الشعوب وإخضاعها. ورغم ذلك فإن إنجلز في مقالته هذه لا ينظر بمنظار عنصري غربي ولا بمنظار العاطفة والأخلاق وإنما من منظور التاريخ، حيث كان يعتقد أن الاستعمار الفرنسي سيعمل (من دون وعي) على تدمير البنيات الاجتماعية ما قبل رأسمالية ويدفع إلى ثورة حقيقية في الوضعية الاجتماعية السائدة في الجزائر. يكتب إنجلز في المقالة ذاتها موضحاً ظهور البذور الأولى للتفكير بضرورة تجاوز الطرائق النهبوية غير المنتجة التي كانت معتمدة من قبل قادة وزعماء البلدان "العربية" في ذلك الزمن، فيقول: «ولقد كان فتح الجزائر قد أرغم بايات تونس وطرابلس، وكذلك أمبراطور مراكش، على الانخراط في طريق الحضارة. فقد اضطروا إلى البحث عن شواغل أخرى لشعوبهم غير القرصنة، وعن وسائل أخرى لملء خزانتهم غير الأتاوات التي تدفعها دول أوروبا الأصغر شأنا.»(3) إن إنجلز هنا في عام 1848 يتحدث من منطلق فكري جاءت صياغته في بيان الحزب الشيوعي بشكل واضح، يكتب ماركس (وإنجلز): «تجبر البرجوازية كل الأمم، تحت طائلة الموت، أن تقبل الأسلوب البرجوازي في الإنتاج، وأن تدخل إليها المدنية المزعومة، أي أن تصبح برجوازية، فهي، باختصار، تخلق عالما على صورتها ومثالها»(4). أي أن البرجوازية الأوروبية بفعل تفوق قوتها الإنتاجية سوف تعمم نمط إنتاجها على كل الأمم ومنها الشرقية وتقودها نحو الحداثة والمدنية المزعومة، وكلمة مزعومة هنا مهمة لأنها توضح أن هذه المدنية البورجوازية هي خديعة من أجل استثمار بلدان الشرق وإلحاقها ببلدان المراكز الرأسمالية. فالبيان كان واضحاً في تحديده لسبب خضوع أمة لأمة أخرى وسبل الخلاص منه، يكتب ماركس: «ازيلوا استثمار الإنسان للإنسان، تزيلوا استثمار أمة لأخرى»(5).
وكما أشرنا سابقاً إن إنجلز تراجع عن فهمه السابق بخصوص الدور التمديني للاستعمار الأوروبي الغربي وذلك بعد أن أصبح واضحاً عمل الأمم الرأسمالية الغربية على تخليع الأمم الأخرى وتدميرها اقتصادياً واجتماعياً لتبقى تحت السيطرة. يكتب إنجلز في رسالته إلى كاوتسكي عام 1882: «تسألني عن رأي العمال الإنكليز في السياسة الاستعمارية. حسناً أنه على وجه الدقة نفس رأيهم في السياسة على العموم، نفس رأي البورجوازيين، فلا وجود هنا لأي حزب عمالي، بل كما ترى، لا يوجد سوى المحافظين والليبراليين الراديكاليين، والعمال يشاركون سعداء في وليمة الاحتكار الإنكليزي للسوق العالمية والمستعمرات»(6). هنا نلاحظ الملمح الأول لامتلاك إنجلز لفهم جديد للاستعمار الرأسمالي، لذلك يتابع إنجلز ليوضح المهام الاشتراكية الأممية الجديدة بخصوص المستعمرات ومنها الجزائر، يكتب: «وفي رأيي أن المستعمرات بالخاصة، يعني البلدان التي يحتلها سكان أوروبيون – كندا، والكاب، وأوستراليا – سوف تصبح مستقلة؛ ومن جهة أخرى، فإن البلدان التي يقطنها سكان مولدون، والتي هي مستعبدة بكل بساطة – الهند والجزائر والممتلكات الهولندية والبرتغالية والإسبانية – يجب أن يعهد بها بصورة مؤقتة إلى البروليتاريا وأن تقاد خطاها بأقصى سرعة ممكنة في اتجاه الاستقلال. أما كيف ستتطور هذه العملية، فإنه من العسير تقرير ذلك.»(7) إذاً مع مقاربة إنجلز الجديدة للاستعمار الأوروبي الغربي جاءت النتيجة مختلفة والتكتيكات مختلفة، ومفادها: ضرورة وصول البلدان المستعبدة من قبل الاستعمار إلى الاستقلال بقيادة البروليتاريا. هنا يبقي إنجلز الأمر معلقاً ومشروطاً بأشكال النضال الواقعية التي تقودها البروليتاريا وبالتاريخ ومكره المتمثل بالتطورات الخارجة عن إرادة الأفراد والأحزاب والدول. وأكثر من ذلك يذهب إنجلز إلى القول بوضوح أن هناك أهمية ثورية لنهضة الشعوب في المستعمرات في سبيل الاستقلال والقضاء على الاستعمار والاستعباد، والانطلاق نحو بنية اجتماعية اقتصادية تمهد الطريق نحو تخوم الاشتراكية، يكتب: «لعل الهند تستطيع، وهذا أمر مرجح كثيراً في الحقيقة، أن تصنع ثورة... ويمكن أن يحدث الأمر نفسه في مكان آخر، مثلاً في الجزائر ومصر، ومن المؤكد أنه سيكون أفضل الأشياء بالنسبة لنا.»(8). والمهم في هذا السياق أن نوضح أن الانتقال من رأسمالية التنافس إلى رأسمالية الاحتكار لم يتضح على أرض الواقع إلا في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مع هوبسون وهلفردنغ ولينين في كتابه "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية". يكتب لينين موضحاً ماهية الإمبريالية: « إن الاحتكارات والطغمة المالية والنزوع إلى السيطرة بدلاً من النزوع إلى الحرية، واستثمار عدد متزايد من الأمم الصغيرة أو الضعيفة من قبل حفنة صغيرة من الأمم الغنية أو القوية وكل ذلك قد خلق السمات المميزة للإمبريالية»(9) فمع لينين اكتملت الرؤية الماركسية للرأسمالية في طورها الإمبريالي فقد أضاف لينين إلى شعار إنجلز وماركس في بيان الحزب الشيوعي: "يا عمال العالم اتحدوا" شعار "يا أيتها الأمم المضّطهدة اتحدي".
خلاصة القول إن نصوص إنجلز التي يكون فيها الشرق مادة للتفكير بما فيها نصوصه عن العرب لا يمكن أن تعدّ داخل النسق الفكري الغربي الاستشراقي وذلك لعدة أسباب يمكن حصرها بسببين:
أولاً: إن الكثير من الألفاظ والتعابير التي استخدمها إنجلز (والتي نجدها في المكتوب الاستشراقي) في إدانة المجتمعات الشرقية نجدها وبالشدة نفسها عندما يتناول المجتمعات الأوروبية ما قبل الرأسمالية بالتحليل. فإنجلز مثلاً يصف أوروبا المسيحية بالهمجية لأنها دمرت قوى إنتاجية متطورة على المستوى الري والزراعة في إسبانيا العربية، يكتب في هذا الخصوص: «يقضي الغزاة الأكثر همجية على سكان البلد أو يطردونهم فيسحقون قوى إنتاجية لا يعرفون كيف يستخدمونها أو يتركونها نهباً للخراب. وهذا ما فعله المسيحيون في إسبانيا العربية بالقسم الأكبر من أعمال الري التي كانت زراعة العرب وبستنتهم المتطورتان جداً تقومان عليها»(10).
ثانياً: تمجيد إنجلز الواضح للحضارة العربية الإسلامية يُسقط أي اتهام بالاستشراق أو الوقوع في فخه، ففي مقدمة كتابه ديالكتيك الطبيعة، يكتب: «بينما كان الفكر الحر، المتفائل والمفعم حباً بالحياة، الذي انتقل من العرب وتغذى بالفلسفة اليونانية المكتشفة حديثاً، يضرب جذوره أعمق فأعمق عند الشعوب اللاتينية ممهداً لمادية القرن الثامن عشر»(11). وفي المقدمة ذاتها يضيف: «كان العرب قد خلفوا نظام العد العشري، ومبادئ الجبر، والكتابة الحديثة للأعداد (الأرقام)، والخيمياء، في حين لم تترك القرون الوسطى المسيحية شيئاً وراءها»(12). 
فلا يوجد في نصوص إنجلز تعميمات وتوصيفات وفقاً لقوالب جاهزة ولا يستخدم مصطلحات ومفاهيم مستندة على أنوية عنصرية غربية، إنما نحن مع نصوصه أمام تحليل علمي تاريخي غايته الوصول إلى وعي مقارب للوقائع بهدف أممي مفاده تحقيق الاشتراكية الشيوعية على نطاق جميع الأمم، والتي لا يمكن الوصول إليها إلا على أرضية انتقال المجتمعات إلى النمط الرأسمالي المتخلص من كل البنيات ما قبل الرأسمالية. وهذا لا يعني أن إنجلز لا يقع في أخطاء أثناء تحليله (ولا سيما في المقالات والرسائل) ولكنها أخطاء علمية لا أكثر لذا وجب التمييز.
________________________
1- ماركس؛ إنجلز، الماركسية والجزائر، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ص 14.
2- المرجع السابق، ص 14.
3- المرجع السابق، ص 14.
4- ماركس؛ إنجلز، مختارات –ج1، دار التقدم، موسكو، ص 55.
5- المرجع السابق، ص 75.
6- ماركس؛ إنجلز، في الاستعمار، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق، دمشق، ص 359.
7- المرجع السابق، ص 359.
8- المرجع السابق، 359.
9- لينين، الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية، دار التقدم ، موسكو، ص 168.
10- ماركس؛ إنجلز؛ لينين، في المجتمعات قبل الرأسمالية، نصوص مختارة، ترجمة فؤاد أيوب، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ص 166.
11- إنجلز، فريدريك، ديالكتيك الطبيعة، ترجمة توفيق سلوم، دار الفارابي، بيروت، ص 26.
12- المرجع السابق، ص 28.