الإسلام.. صناعة العراق ام الجزيرة؟

Submitted on Mon, 05/27/2019 - 21:56

عبدالاميرالركابي 
الإسلام نشا في الجزيرة العربية، في مكة، هناك بدات عملية تشكل دولة اللادولة الأحادية الجزيرية على يد زعيمها النبي محمد كما هو طبيعي ومتوافق مع خاصيات مجتمعات اللادولة المفارقة السماوية، التفاصيل المتصلة ببدء الحدث، ونزول القرآن تطابق الاليات الخاصة بنوع اللحظة كما اسلفنا، وهي تردد اليوم وكانها حقائق ثابته موثقة، جاءت مع الدعوة نفسها، ذلك مع ان اهل الجزيرة شفاهيين لايكتبون، ولم يدونوا، وأصحاب النبي محمد، والخلفاء الراشدون لم يبادر احد منهم ويكتب حرفا، العمل الوحيد التوثيقي الذي تمكنوا من إنجازه هو جمع القران، او توحيده في نسخة واحدة، الاغلب هي "قران حفصة"، فالتدوين حصل بعد اكثر من قرنين في مكان اخر، في العراق، حيث وضع التاريخ، والسيرة، والحديث، وقعدت اللغة، والشعر، وجرى ترتيب الحوادث، وبظل الإمبراطورية العباسية القرمطية، اصبح الإسلام "واقعا" له سردية، في الغالب لايوجد مايدلل عليها على مستوى الاثباتات والوثيقة، مما قد يدفع ببعض المرضى بالوثائقية من الغربيين أحيانا، للقول بان "الإمبراطورية صنعت الدين لأغراض امبراطورية"، وهي فكرة خرقاء، واكثر خراقة من تلك التي يمكن ان تفكر بان الابراهيمية يمكن ان توجد خارج المجتمع الازدواجي الرافديني.
الثورة المحمدية لم تكن لتقع لولا المبنى الابراهيمي التوراتي، أي مبتنيات دولة اللادولة الرافدينية الازدواجية التاسيسية والبدئية، وكون القرآن هو الطبعة الأخيرة التوراتية، امر لاجدال فيه، وهو دليل على وحدة اليات التاريخ الشرق المتوسطي، هذا في حال نظرنا الى الفعل الذي ادته الثورة المحمدية، بطابعها الرئيسي "الفتح"،مع ازالتها ثقل الاحتلال الفارسي، ومانتج عن ذلك من ايقاظ للاليات التاريخية الحضارية المعطلة في ارض الرافدين، بعد دورتها الأولى البدئية الاستهلالية المنتهية ببابل. وهذه الناحية ليست عرضية، فالاسلام هو دولة لادولة جزيرية أحادية، وفتح، وامبراطورية، أي دورة ثانية شرق متوسطية.
من المستحيل الفصل بين العناصر الثلاثة الانفه، فالاسلام التاريخي المعروف اليوم هو اسلام تلك المحطات متلازمة، وحين تقرا "الملل والنحل" او "مقالات الإسلاميين"، فانك لابد ان تفكر باسلام الدعوة، وإسلام الإمبراطورية الازدواجية، فاسلام العراق هو اسلام ابراهيمي، ازدواجي، لا احادي كما هي حالة الجزيرة العربية، هنا سيذهب الإسلام الى مابعد المحمدية، ومع ضخامة المنجز التاريخي، وصياغة صورة بداية الدعوة وماتبعها، ووسط الثراء الهائل للمنجز الفكري، والذي هو من خاصيات المكان الازدواجي، حلت الامامة مكان النبوة، وتالهت أحيانا، وفي موقع اللادولة وعاصمتية الكوفة والبصرة، ظهر التشيع بطبعاته المتعددة، والاسماعيلية والقرمطية، واخوان الصفا، والاعتزال، وإزاء الحنبيلة الجزيرية، ظهر مذهب اهل العراق السني الحنفي على يد النعمان، وهنا ظهر التصوف الحلاجي للإنسان المتاله، ياستعادة لصورة سومرية في العلاقة مع الوجود.
لم يكن لاللشام، او مصر ان تحققا مثل هذا الانفجار المعرفي، فساحل الشام لاينطوي على ديناميات بمستوى الكونية التي يمكن ان ينجزها الموضع الازدواجي، ومصر انتظرت متلقية الى ان حل عليها الإسلام العراقي / الفاطمي، فعربها واسلمها، مكملا مهمة لم تكن قد أنجزت حتى حينه، المنطقة من اليمن والبحرين، الى المغرب العربي وساحل الشام، عرفت بعد الفتح الأول العسكري، الفتح الثاني الإسماعيلي، القرمطي، أي اسلام العراق، مابعد اسلام الجزيرة الفتحي، بمايجعلنا نذهب للقول بان الإسلام اسلام فتح، وإسلام امبراطورية ازدواجية.
يصل اسلام الجزيرة الى ارض الرافدين، كانه عودة الوعد الابراهيمي الى ارضه بعد دورة من التيه واستحالة التحقق والقراءات غير المطابقة. ليحفز عملية تشكل تاريخي جديد، ويطلق طورا اخر بعد اسلام المنطلق الجزيري الأحادي. هذا يعني قطعا ان اجمال التاريخ الإسلامي بما فعله "المسلمون" وماقد انجزوه، قائم على قاعدة نفي وغمط العامل المجتمعي في الابراهيمية، بمختلف تجلياتها التاسيسيةالاولى، أوبعدها التطبيقي كما في القراءات الكبرى الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام.
وليس للجزيرة بحسب سياقات الدورة الثانية التي كانت هي شرارتها، ان تامل لذاتها كفعل باكثر من اسلام الدعوة والفتح، الااذاكانت تريد إيقاف التاريخ واللحظة عند حدود الجزيرة، مع انها انتهى حضورها الفعلي ودورها منذ نهاية الخلافة الراشدة، يوم انقلبت العملية التاريخية على يد معاوية بن ابي سفيان، الى حكم القبيلة المتغلبة التي توظف الدعوة، بعد ان كانت دعوة نبوية حولت المجتمع القبلي الجزيري الى مجتمع عقيدي، الامر الذي عاد وتكرر مع العباسيين ضمن سياقات أخرى ازدواجية مجتمعية امبراطورية، منذ ان هرب بنو العباس من الكوفة الى الرمادي أولا، والى الهاشمية لاحقا* قبل ان يذهبوا ابعد الى بغداد، مكررين بذلك قانون انفصال الدولة القاهرة عن المجتمع المساواتي المشاعي الجنوبي،* أي مجتمع ارض السواد، وانعزالها كما بابل، داخل مدن محصنة اشد تحصين، مع فارق ان المركز الامبراطوري الحالي في الدورة الثانية، أي بغداد، وجد وهو يتمتع بمنجز الفتح الجزيري، الواصل الى الهند والصين شرقا، واسبانيا غربا، وهو مالم يكن قد أتيح للامبراطورية البابلية الاولى.
الإسلام هو دورة تاريخية ثانية، مكونات مسارها ثلاثة، الدعوة، وظهور دولة اللادولة الأحادية المرتبط وجودها بالفتح ارتكازا لخاصيات مجتمع محارب استثنائي، ومن ثم الإمبراطورية، اسلام هذه الأخيرة غير الإسلام العقيدي الجزيري الأول، فهو لحظة ابراهيمة ثانية بعد اللحظة التاسيسية الأولى، مصيرها الانتكاس كما حدث للاولى، وكما فعل إبراهيم بان أحال الوعد خارج الأرض، وهو في حران في المنفى الداخلي، احيلت الدورة الثانية الى دورة ثالثة اتية، مع ظهور مفهوم الغيبة والمهدي المنتظر. وهو مفهوم يتناغم مع قانون ملازم للمجتمعية الازدواجية العراقية، المحكومة للدورات والانقطاعت، وقد تركت المهدوية الانتظارية هي الأخرى، رواية مسرحها الى الشمال من بغداد في سامراء، متظمنة الغيبة وإيقاف العمل بالإسلام، وإعلان فشله في تجاوز الانتكاس الملازم خلال الدورتين الأولى والثانية لمجتمع اللادولة الجنوبي، والممتنع في جينه لاسباب عضوية بنيوية.
والرؤية المعتمدة هنا،لن تستقيم من دون اجتياز زمن ماقبل علم الاجتماع الابراهيمي، وهو علم مايزال في طور التبلور، يأتي في اعقاب علم الاجتماع الأوربي المكتشف في القرن التاسع عشر، ان تاريخ العقل البشري هو تاريخ التاخر عن ادراك الظاهرة المجتمعية، الامر الذي استمر طيلة عمر المجتمعات الى ماقبل قرن ونصف لااكثر. ولحين ان حصلت الثورة البرجوازية الحداثية الغربية، يوم بدات الظاهرة المجتمعية تصبح قابلة للفحص والادراك التحليلي، وهو مالم يكن سوى مقدمة حصلت في الموضع الاوربي الأكثر يسرا، والاقرب الى الادراك من ذلك الابراهيمي الشديد التعقيد، والذي يشترط أولا وقبل كل شيء تغيير النظر للظاهرة المجتمعية بداية،وتخليصها من الأحادية التي تسبغها عليها الرؤية الغربية الحديثة جاعلة من المجتمعات نمطا واحدا.
هذا بينما المجتمعات اما أحادية الدولة، او أحادية اللادولة، او ازدواجية مجتمعية، مع بعض التمايزات داخل كل نمط ،مثل امتياز نمط أحادية الدولة الاوربي داخل نمطه، بالدينامية الفائقة المتاتية عن الانشطار الافقي الطبقي، او امتياز مجتمع اللادولة الأحادي الجزيري ضمن نمطه بكونه خاضعا لاقتصاد الغزو والتوسط التجاري القاري، مايمنحة عند التجسد بعدا كونيا بالارتكاز لطاقة احترابية استثنائية*، وهذا المجتمع كان يوم ظهرت الدعوة المحمدية، قد تجسد في " دولة لادولة" تمثلت بالراشدية، انتكست على يد معاوية بن ابي سفيان الذي تمكن من قلب القاعدة التي نشات ظاهرة اللادولة المحمدية بناء عليها، أي تحويل المجتمع القبلي الى عقيدي، باعادتة القبيلة كاساس للحكم تخضع له العقيدة، ومن يومها بدات عملية تحقق مجتمع اللادولة الرافديني في الكوفة وارض السواد، متخذة شكل سلسلة غير منقطعة من الانتفاضات ( عدد احد الباحثين 32 انتفاضة ضد الامويين) والتيارات المذهبية الابراهيمية مابعد الجزيرية، الى ان ظهرت الدعوة العباسية، وكررت هي الأخرى بهروبها من الكوفة تحت وطاة الانتفاضات، واخرها انتفاضة الراوندية.
تمثل الاسماعلية والتشيع والحلاجية والقرمطية وثورة الزنج، والاعتزال واخوان الصفا، الموجة الثانية من تحقق اللادولة، بصيغتها الأعلى الازدواجية، المنتكسة هي الأخرى على يد العباسيين، والتي تنتهي بالغيبة والانتظار، أي الإحالة الى زمن اخر، وطور ثالث من اطوار تحقق مجتمع اللادولة المستحيل ابان زمن الافتقار الى وسيلة الإنتاج المطابقة، أي التكنولوجيا والإنتاج المعرفي المتحقق اليوم والمنذر بالانقلاب الأكبر.
ذلك هو الإسلام بحسب منظور علم الاجتماع الابراهيمي، الباقي منه، هو ماتبقى من وثبة مجتمع اللادولة الرافديني في ارض السواد، مع ماتحقق هنا وفي السياق من فعل امبراطوري بالإمكان ان نتخيل مايمكن ان يظل من الإسلام لو انه لم يوجد، ويظل شاخصا على مدى يقرب من خمسة قرون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• يراجع بخصوص الدوافع وراء هرب العباسيين من الكوفة/ ( بغداد) من كتب دائرة المعارف الإسلامية، بقلم عبدالرزاق الحسني وعبدالعزيز الدوري ص ص 21/22.
• من الطريف الذي يؤكد الإيقاع المتواتر للبنى، ان تكون بغداد قد كررت الى حد بعيد نفس اشكال التحصينات والاسوار البابلية عفوا وباللاوعي/ يراجع عدد مجلة "المورد" رقم "4" المخصص ل"بغداد"سنة 1979، ب 694 صفحه من القطع الكبير / خصوصا مقال عبدالله عبدالرحيم السوداني/ اسوار بغداد/.
• اول مجتمعات أحادية الدولة نشا في منطقة الشرق المتوسطي حيث احتشاد الأنماط
الثلاثة وظهر في وادي النيل، في حين وجدت مجتمعات اللادولة الأحادية في أمريكا قبل الغزو الأوربي وفي أمريكا اللاتينية في المايا والازتيك، وفي بعض افريقيا، وأجزاء من اسيا، بينما اختصت ارض مابين النهرين من دون غيرها، بالازدواج المجتمعي والانشطار العمودي.