الحداثة بوصفها تجاوزاً للأصوليّة

Submitted on Tue, 05/28/2019 - 11:04

يزن زريق

«الفيلسوف الحقيقي هو ذاك الشخص الذي يفكك التراث التقليدي بكل أحكامه الطائفية المسبقة، غير عابئ بما تقوله أغلبية الناس في عصره»، يقول الفيلسوف الفرنسي دونيس ديدرو . يؤكد الباحث الفرنسي المعروف فريدريك لونوار في كتابه الضخم «موسوعة الأديان» وبصبغة شبه احتفالية مبشّراً المؤمنين في العالم أجمع بأن الإيمان لم ينقرض إلى اليوم في الغرب. حتى بعد انتصار العلم والتكنولوجيا والتنوير خلافاً لما قد يتوهم به البعض، بل على العكس تماماً فواحدة من أهم ثوابت المجتمعات التي بلغت عتبة الحداثة اليوم هي التصالح مع الدين. 93% من الأميركيين اليوم هم من المؤمنين، و67% من الأوروبيين يؤمنون بفكرة وجود الإله. ولكن عن أيّ إيمان نتحدث؟ إنهُ الإيمان الحرّ المتنور والعقلاني والمتحرر من الإكراه الاجتماعي ونعرات التعصب نابعاً عن قناعات شخصية ولا يمثل أي انتماء سياسي أو تحزب دنيوي، Rational religion كما يسمّيه لونوار أي «إيمان فكري» إن صحَّ التعبير. في هذا الإيمان يحتفظ الفرد بإيمانه بوجود قوة عليا وهو إيمان متحرر حتى من الطقوس! 70% من الأوروبيين لا يذهبون إلى الكنيسة أبداً (رغم أنهم مؤمنون، دون أن يكونوا منتمين بالضرورة إلى أيّ كنسية أو حتى إلى دين بعينه أساساً) و30% الباقية ترددهم على دور العبادة مرتبط بالمناسبات العامة فقط. 

إن القفزة الحقيقية التي حققتها الحداثة الغربية في الوعي الديني هي تحريرها الفرد من مقاييس الجماعة أو الطائفة التي ولد فيها، وإحلال هيبة العقل محل هيبة رجال الدين لتصبح الكلمة العليا للفلسفة والعلم والمنطق بدلاً من اللاهوت كما كان الأمر لقرون خلت.
وطبعاً هذا الأمر لم يتم إلا بعد معارك ضارية انتصر فيها التنوير انتصاراً تاماً وقضى على الأصولية من دون أن يقضي على الإيمان. وبالأصولية المقصود التوظيف السياسي للدين وسيادة الخرافات على المعتقد الديني. 
عبر هيوم وديكارت وكوبرنيكوس، مروراً باسبينوزا وكونت وفولتير، وانتهاءً بهوغو وغيرهم... انتصرت الحداثة الأوروبية وكذلك مسيرة التنوير الضخمة. كوكبة من المفكرين والفلاسفة والأدباء ورجال الدين تمكّنوا من ترسيخ أفكار العلم والعقل والحداثة مرة وإلى الأبد، وليظهر هذا الشكل الجديد من الدين ومن اللاهوت الذي يسود اليوم في القسم المتمدّن من العالم. التديّن المتحرّر والمتسامح والمعقلن والمنقّى من الخرافات والشعوذة والمتسامي فوق الطقوس والتحزبات وكل أشكال التسيّس المقيتة. يقول هاشم صالح عن الحداثة باختصار: هي مجتمع انتصرت فيه العقلانية العلمية زائداً حكم القانون والمؤسسات زائداً الديموقراطية وانتشار الحريات. ليعود الدين فيه إلى حيث ينتمي كمسألة ضمير ورؤية شخصية وليس نظاماً للمجتمعات والدول كما كان عليه الأمر قبل بضعة قرون خلت.
اللافت في مسيرة الحداثة الأوروبية أن عملية التنوير قد مضت على محورين اثنين، من خارج الكنيسة بشكل رئيسي وأيضاً من داخلها. لم يتأخّر رجال الدين أنفسهم عن متابعة تلك الثورة الفكرية التي تقودها طلائع المفكرين والفلاسفة والمثقفين. لقد أدرك رجال الدين الأوروبيون أمام عظمة الثورة والنهضة الفكرية التحررية الجارية أن أمامهم خيارين: إما التجديد أو الانقراض. إما الإصلاح الجذري التحديثي وإعطاء وجه جديد حضاري عقلاني وعلماني للدين واللاهوت الحديث ككل أو أن الأشكال القروسطيّة الموروثة والغيبية القديمة للدين ستكون إلى اندثار حتمي ولن يبقى لها أي وزن لا شعبي ولا فكري. يعتبر هانز كونغ عالم اللاهوت الكاثوليكي الألماني الكبير أحد كبار المجددين في مجال اللاهوت والعلوم الدينية، ومن أهم قادة عملية «تطوير الدين» من الداخل والمضي به نحو عتبة الحداثة، أو بتعبير أدقّ تحقيق اختراقه عبر الحداثة وتغلغلها فيه. عبر أحدث النظريات العلمية والفلسفية لا يكتفي كونغ بقراءة تقليدية للدين، بل ومواجهاً كل الأجنحة الفكرية المحافظة والرجعية القديمة داخل الفاتيكان وخارجه يقدم «لاهوتاً يليق بالقرن الواحد العشرين».
الحركات الأصولية هي دوماً ابنة شرعية لمناهج التفكير الظلاميّة والقروسطيّة. وحركات الإسلام السياسي في عالمنا العربي خير دليل، فحيث يغيب النور والعلم يكثر العفن! وليس لنا إلا أن نلقي نظرة سريعة على منابعها الفكرية لنجد الإثبات والدليل. أين هو اللاهوت أو الفكر الديني العربي اليوم؟ مشغول بآلاف الفتاوى الصادرة يومياً حول السلوكيات الجنسية وتفاصيل العلاقات الزوجية والفتاوى الشرعية المتعلقة بأمور حياتية سطحية بعيداً عن كل عمق فكري وبعيداً عن كل قضايا العصر العلمية والفلسفية الحقيقية ومسائل القرن الواحد والعشرين ومجرداً من كل بعد إنساني جدي، بل وبتجرد إنساني مريع والموقف الديني من قضايا المرأة (كحكم الزانية وزواج القاصرات الخ) هو المثال الأبرز، يمضي الفكر الديني العربي المعاصر مفرزاً حركاته السياسية على شاكلته بالضبط ومن لونه، متأخرة فاشلة هشّة رجعية جرَّت وتجر الواقع العربي سياسياً وفكرياً واجتماعياً نحو الوراء أكثر فأكثر يوماً بعد يوم.
كيف تتجاوز الحركة الإسلامية العربية اليوم مطبها السياسي وانهزامها الاستراتيجي؟ عبر ثورة فكرية داخلية تتجاوز من خلالها أصوليتها بالذات ومكامن ضعفها بالذات، لتسمح لنفسها بدخول الحداثة أو بدخول الحداثة إليها فكرياً ومعرفياً وعقائدياً وعلى أعمق المستويات. ولدينا اليوم تجربة الأصولية الأوروبية خير دليل ونموذج للاقتداء.
* كاتب سوري / الأخبار