علم الاجتماع الابراهيمي؟/1

Submitted on Wed, 05/29/2019 - 11:26

عبد الامير الركابي

ظلت الحقيقة المجتمعية خافية على العقل البشري على مدى الاف السنين، ولم تبدا بالتكشف الا منذ قرن ونصف مع القرن التاسع عشر، ومع منجز الغرب ونهضته البرجوازية الحديثة واكتشاف كروية الأرض، وقانون الجاذبية، والنشوء والارتقاء، جرى التعرف أيضا على الظاهرة المجتمعية، وعلى الطبقات الاجتماعية، ومراحل التاريخ المجتمعي، ودخلت الظاهرة حيز الفحص والتحري بناء لقواعد وقوانين مفترضة جرى استحداثها تباعا، بما في ذلك احالتها للحتمية التاريخية على يد ماركس.
وعلم الاجتماع الغربي الأوربي المذكور هو "اخر العلوم"، ربما جرى التصور بانه نهائي او وجد مكتملا، او خال من النقص الأساسي، الذي قد يكون من شانه إعادة النظر في التاسيسات الموضوعة ضمن بنية العلم الجديد ناهيك عن إمكانية تجاوزه. ولاينبغي هنا نسيان، او التغافل عن نزوع الانسان الى الاعجاب المبالغ بمنجزه، ان لم يكن مثل هذا المظهر محسوبا في بعض الحالات تعزيزا للمكانه، او الدور بإزاء الاخرين، او المواضع الأخرى، كما لاينبغي نسيان نزعة السيادة العالمية، وهي من نواقص تكوين الكائن البشري السارية الى اليوم، ولازمت وماتزال بقوة الظاهرة الغربية الحداثية المعاشة.
ليست العلوم، ولا عمل العقل كما هو مصمم في الطبيعة، وبناء للتفاعلات المرسومة له وفق الصائر والمستمر، مقدر لها ان تتوقف عند عتبة بعينها، بالاخص بما يتعلق بالعلم البشري، واذا كانت كروية الأرض نهائية، وكذلك ربما الجاذبية، فان مايخص علم الاجتماع ليس، ولايمكن ان يكون نهائيا،بالأخص اذا تسنى لنا فحصه والنظر اليه من زاوية النقص الموضوعي المفترض، بالذات في مجتمع احادي برغم دينامية الفائقة، مثل المجتمع الأوربي، وهذه الناحية ظلت غير معروفة، وغير مكتشفة الى اليوم، والغرب لايفكر بها، لانها خارج نطاق الافتكار المتاح له، وهو من جهته يرى المجتمع/ واحدا من ناحية النوع، او النمط، وليس "مجتمعات" هي بنظر علم الاجتماع الابراهيمي اذا افترضنا وجود علم من هذا النوع، ثلاثة أنماط، وهذا التقسيم لم يوضع الان، فلقد سبق لي منذ اكثر من عشر سنوات، ان أوردت مثل هذا التنميط المجتمعي مقسما الى: احادي الدولة . واحادي اللادولة. والنمط الكياني المجتمعي الازدواجي(1).
واذا كان مثل هذا التنميط قد ظل الى الان خارج النقاش، فذلك لانه ولد مطرودا مثله مثل الابراهيمة نفسها، بناء على بنية الافتكار السائدة والمكرسة اوربيا في النظر ل"لمجتمع" بصفته مجتمعا واحدا فقط لاغير. وهذا التكريس قد تطول هيمنته، وقد تعز السبل المفضية لكسرمثل هذا النوع من الدكتاتورية المعرفية، من دون المزيد من حفر قنوات العلم اللاحق على العلم الاولي الأوربي، وصولا لبنية تبرر "علم الاجتماع الابراهيمي" المرتكز لثلاثة أنماط مجتمعية أولا، ومن حيث الأساس والمنطلق.
يترتب على مثل هذه المغادرة للاحادية المجتمعية، مواجهة جوانب من تمايزات ليست عرضية. بعضها يمس جوهر الظاهرة المجتمعية، لابل قد يصل الى نفيها، مقابل ميل الاجتماع الغربي لتابيدها واعتبارها نهائية، ومعها الكائن البشري الحالي، والمنتجية الجسدية اليدوية والالية، مع اغفال وطمس التفارق العقلي الجسدي.
وحين يكون هنالك "علم اجتماع ابراهيمي"، فانه سوف يستند الى الاليات المودعة فيه، والقائمة بالاصل والاساس على تفارق وصراع المجتمعية الازدواجية الرافدينية، حيث "مجتمع اللادولة التي لاتتحقق ارضيا" ومجتمع "الدولة القاهرة التمايزية"، ومايرتبه ذلك من خضوع التاريخ والعملية التاريخية في هذا المكان، لقانون الانقطاعات والدورات، كما حدث مع الدورة الأولى السومرية البابلية، والثانية العباسية القرمطية، ومابينهما وبين الدورة الحالية الثالثة المبتدئه من القرنين السادس والسابع عشر، من انقطاعات أعقبالاول سقوط بابل، ولحق الثاني سقوط بغداد.
ومن المفيد ابتداء ملاحظة ان المجتمعية الابراهيمة هي مجتمعية نهرين مجافيين، لانهر واحد ملائم للدورة الزراعية، مثل حالة مصر، بينما دجله والفرات مخالفين للدورة الزراعية وعاتيين مدمرين، بالاخص من حيث انعكاس فعلهما على الدلتا في ارض السواد، مايترتب عليه نشوء حالة من العيش على حافة الفناء، وعلى نزوع الكائن البشري للبحث عن ممكنات وجوده خارج الأرض، وبما يتعدى الأرضي، ماانتج حالة موضوعية اسمها اللاتحقق الأرضي، وهو ماسيظل مرافقا لمجال اللادولة الجنوبي، ويبقية مستعصيا على الدولة الأرضية التمايزية التي تنشا شماله في العادة، وتقبع داخل مدن مسورة ومحصنة اشد تحصين ممكن، ومعسكرة من داخلها، تظل معزوله عن مجال اللادولة المنتج، تمارس الغزو الداخلي حين تريد حلب الريع الزراعي منه ان استطاعت ثم تعود الى داخل اسوار مدنها، بينما تظل تعاني من تمنعه وقوة مقاومته المسلحة، مايخلق اليات الإمبراطورية الازدواجية، انطلاقا من حاجة الدول القاهرة التمايزية للريع المتعذر، او العسير النوال داخليا، مع احتياجتا لاجل ديمومتها له، مايضطرها اجبارا، لان تنكفيء نحو الخارج وهو ماحصل مع بدايات الإمبراطورية الازدواجية مع سرجون الاكدي، اول من قال : "انا حاكم زوايا الدنيا الأربع"، أي ماترجمته اليوم " انا حاكم العالم"/ 2334 قبل الميلاد.
ولاتتوقف اليات الازدواج على الظاهرة الإمبراطورية، بل تتعداها الى البنية الداخلية، فحامورابي حكم وفي ذروة الإمبراطورية، بشريعة هي الارقى في تاريخ الحكومات ومقدمتها ماتزال تتفوق على مقدمة الدستور السويسري"انا حامورابي.. العبد الفقير الى الله.. اظهر على الناس السود الرؤوس.. لاقتص من الغني للفقير"كما ان سرجون الاكدي قبله وضع" اول قانون اصلاح زراعي في التاريخ يراعي مصلحة الزراع" فالدولة الإمبراطورية هنا ماتلبث ان تقتنع بان لاحل لعلاقتها بالمجتمع المساواتي المستقل والذي تتساوى في بنيته الحرية بالوجود، الا بتملقه(2)، ومحاولة مصادرة مفاهيمه وصولا للتماهي معه،املا في تجريده منها، ماقد اوجد نوعا من الإمبراطورية،خاصا، لاينتمي الى الامبراطوريات الغربية والشرقية المستندة للعبودية، سواء الرومانية منها، او الفارسية، او المغولية، ومثل هذه الخاصية تجعل من طاقة الإمبراطورية الازدواجية على مواجهة الامبراطوريات الأحادية، ضعيفة بسبب اختلاف قيمي وتكويني بنيوي جوهري،كما بسبب الانشطار المجتمعي وكون الدولة ليست نصابا مجتمعيا، فحامورابي يتبنى أخيرا الشرائع الثلاث التي جاءت قبله، واولها شريعة كوراجينا، صاحب اول ثورة مساواتية في التاريخ البشري، والالهة هنا تحظى بسعي الدولة لتوحيدها في اله واحد رسمي، غير ان ماتسعى له الامبراطورية الازدواجية، وماتبذله على هذا الصعيد من مجهود، لا يصل بها برغم، ذلك الى نوال السيطرة، وتظل هذه متعذرة، بعيدة المنال بفعل الممكنات المضادة لمجتمع الدولة التمايزي، الذي هو ظاهرة قائمة وغير مجسدة بذاتها، أي متعذرة على الممكنات من الوسائل المتاحة للإمبراطورية الاحادية.
كما ان المجتمعية مزدوجة، فان تاريخ تشكلها يكون مزدوجا، الامبراطوري التمايزي منها هو مايظهر ويظل باقيا لانه مجسد في كيان ارضي يشبه وان مع اختلاف في البنية النمطية المتعارف عليها امثاله في الدولة والمجتمعات، وان يكن منتقصا، والأخر سماوي يتعذر على التجسيد الأرضي، رغم حضوره القوي الماثل والمضاد للدولة القاهرة، ومع ان هذه تعرف بعض التجسدات المنتمية لها والعارضة، وغير المستقرة، أي اللاثباتية، الا انها لاتلاحظ من قبل الباحثين واولهم بالطبع، من هم من ترسانه الدولة والمجتمعية الأحادية الغربية مع علم المجتمع الحديث الأوربي، فالدولة بالنسبة لهولاء معطى ماثل ومتحقق، بينما الدولة اللادولة التي لاتتجسد ارضيا، كيان غير قابل للتجسد في صيغة ثابته، وتظل مايعرف ب "دول المدن" الرافدينية التي تنهض وتنهار تاركة خلفها مقبرة المدن النائمة تحت التراب، وهي و "شاوراتها" الأنبياء، وصولا للحظة النضج التجسيدي السماوي، بينما باحثوا الغرب يطلقون عليها تعابير من عدتهم المفهومية، من نوع "الديمقراطية البدائية"(3)التي يعرفونها، او بإمكانهم تصورها، خلافا لتعبير من نوع"الدول المتعذرة التجسد ارضيا" وصولا الى الابراهيمة التي تواكب التبلور الامبراطوري البابلي الأخيرزمنيا، وتقف منشقة عنه ومفارقة موازية له، بعد تكريس الخطوة التوحيدية الأولى، ومبدأ الوعد خارج ارضه.
يظل بناء دولة او "مملكة الله" المفارقة للدولة الأرضية، مستمرا على مراحل من ماقبل الابراهيمية، الى النبوية التطبيقية بقراءاتها الثلاث، الى الختام، وهي تمتد شاملة العالم باغلب مكوناته واصقاعه، شرقا وصولا الى الهند والصين، وغربا الى اوربا وامريكا الحاضرة اليوم، وغيرها من الاصقاع، وكل هذا من دون ان تجد من يعثر لها على موطئ بصفتها التي هي عليها كدولة غير قابلة للتجسيد الأرضي، تتجلى سماوية مفارقة. بقوة عبقرية فوق أرضية، ان "علم الاجتماع الابراهيمي" هو علم مالايتجسد ارضيا، من أنماط مجتمعية لادولة، وجددت في ارض الرافدين وفي كيان طبيعته مزدوجة بصفته بؤرة التحقق السماوي ضمن محيط شرق متوسطي ثلاثي الأنماط المجتمعية.
نمطان متصارعان في كيان ازدواجي واحد، منشطر عموديا، يعني حكما وحتما، دولتان مجسدتان بصيغة دولة ارضوية قاهرة منتقصة، و"دولة سماوية" مفارقة، مضادة للاولى ترفع الحكم والسلطة من يد الارضوي، الى القوة العليا المطلقة. وتلك عملية لها ايقاعها الخاص بها وقانونها واشكال ومحطات تجليها.
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يراجع " ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ" / دار الانتشار العربي / بيروت في 460 ص/ عبدالامير الركابي ـ 2008 .
(2) لنقرأ اللمحة التالية :"كان الملك يلعب في الاحتفالات الدينية اللاحقة دورا مهما حيث يدور في ارجاء المعبد يلقي كافة شارات حكمه امام الاله. ثم يقدم تقريرا عن اعماله في السنة المنصرمة، ويغترف بذنوبه وعليه ان يعلن براءته عن وقوع بعض الاحداث التعسو والمصائب، وبعد ذلك يتلقى الملك صفعة على وجهه من رئيس الكهنة مع جز الاذنين منبها إياه بتادية كل الواجبات الدينية على اكمل وجه وبعد ذلك يسمح له بحمل شاراته الملكية" ولنقارن هذه اللوحة على سبيل النثال بحال الفراعنة او أي حاكم عرف في التاريخ القديم والحديث، مايجعل الحكم هنا نتتقصا او شبه معلق، يمارسعلى هذا الأساس، مايجعل المعادلة الازدواجية محكومه الى الدولة الإمبراطورية المنتقصة المعلقة، والدولة المتنعة على التحقق الأرضي. والنص ماخوذ من: رحلة الى بابل القديمة، للدكتورة الألمانية/ ايفلين كينكل/ ترجمة الدكتور زهدي الداوودي// دار الجيل/ ص 156.
(3) هذا النمط البدائي هو مايعتمده المشاركون في "ماقبل الفلسفة الانسان في مغامرته الفكرية الأولى" وهم ( هـ .فرانكفورت، جون . أ .ولسون، هـ .ا. فرانكفورت، توركيلد جاكبسون) راجع، المذكور اسمه علاه، ترجمة / جبرا إبراهيم جبرا/ المؤسسه العربية للدراسات والنشر/ 1980 .