علم الاجتماع الابراهيمي ؟/2

عبدالاميرالركابي
لاتتلائم بنية الإمبراطورية الازدواجية مع قانون الغلبة المميز لكل اشكال الحكم الأحادي الشرقي والغربي، فالامبراطورية الازدواجية لاتقوم على القوة والقهر واحتلال الأمم الأخرى المعتاد، وهي حيث قامت خلال الدورتين السومرية البابلية، والعباسية القرمطية، قامت أولا بسبب اسبقية البنية الحضارية الرافدينية زمنيا على غيرها وعلى مايجاورها مثل ايران (عيلام" او ( الاناضول)، والساحل المتوسطي، التي كانت يوم احتلها سرجون الاكدي مواطن بدائية لم تعرف التبلور الذاتي، كذلك ماقد حدث ابان الإمبراطورية العباسية التي هيأ لها الأرضية والمدى، "الفتح الجزيري" الممتد الى الهند والصين.
وحين تتعرض امبراطورية الازدواج لضغط الامبراطوريات الغازية فانها في العادة تكون ضعيفة المقاومة، وعرضة للانهيار الشامل، والوقوع تحت طائلة "الانقطاع الحضاري"/ هذا ماتكرر شكل من اشكاله يذكر به راهنا، مع صدام حسين ابان الغزو الأمريكي 2003/ وبغض النظر عن التوهمات الناتجة عن غياب المنظور المطابق، مايدفع للتشبه بالسائد من مفاهيك العصبوية المحلية "الوطنية" و " القومية"،فان الدولة هنا والدولة الإمبراطورية، لاتقوم بصفتها نصابا اجتماعيا ( الدولة / الامة)، بل كنصاب ازدواجي هي فيه حاكمة محكومة ومنتقصة، ومعزولة عن الدولة الأخرى غير المجسدة في كيان، المتعايشة المتصارعة معها، ضمن كيانية موحدة، فالثنائية والازدواج في هذا الموضع، ليس من قبيل التجاور او مايمكن الفصل بين عنصريه الى دولتين مستقلتين، انه كيانية موحدة، مثلها مثل كيانية الانشطارية الطبقية، حيث لايمكن الفصل بين الاقطاعي والفلاح، او العامل والبرجوازي الراسمالي، وجعلهما عالمين منفصلين متجاورين. 
اذن فالدولة الإمبراطورية الازدواجية ليست دولة تغلبيه، في الحالتين، الهجومية والدفاعية، بالاخص وان حالات الغزو التي تتعرض وتعرضت لها في التاريخ كانت تترافق مع تازم العلاقة بين المكونين الامبراطوريين، مايسهم بقوة في اضعاف طاقة المقاومة الكيانية الازدواجية، لكن الامبراطوريات ليست واحدة، وقد تكون أهمها وأكثرها بقاء في الوجدان البشري، ومن حيث عدد المنتمين لها، والباقين تحت سلطتها، هي "الإمبراطورية الابراهيمة"، بدوائرها: الشرق متوسطية المنطلق، المحكومة لفعل البؤرة الرافدينية والاحتشاد النمطي المجتمعي، والدائرة الثانية الممتدة شرقا الى الهمد والصين، والدائرة الثالثة الاوربية، وهو ماينظر اليه، ويعرف زورا وتقصدا معلوم الدوافع،على انه " الدين" مفصولا عن قاعدته واصله "المجتمعي"، بما هو تعبير مادي عن تمخضات "دولة لادولة" حية، وقائمة على الأرض وعلى مر التاريخ المعروف في ارض مابين النهرين بحسب ممكنات تجليها اللاارضية واللاارضوية، المفارقة بالضبط كما هي موجودة، وكما تمارس وجودها وحياتها الخاصة مع وبحكم معايشها واصراعها معالنمط التمايزي القهري مكملها.
ونحن هنا بصدد الدخول الى الفارق الأهم بين مفهومين للمجتمعات، تلك التابيدية التي تحاكي طاقة العقل الأحادي على الاستيعاء، وآخرى ترهن المجتمعية الى العملية " النشوئية" والتصيّر،وتقصر وجودها على أدائها مهمتها قبل زوالها وانتهاء امد وجودها المقرر، ضمن سياق وسيرورة التحولية الملازمة للوجود الحياتي، منذ الخلية الأولى، الى الحيوان حامل العقل.
ويمكن لابل من اللازم تصور مدى ونوع مايترتب على حضور المفهومين من مترتبات خلافية نوعية، ومنها على سبيل المثال، ولقوة الدلالة، الفارق بين الهدف الأدنى الأصغر للانشطار المجتمعي بحالته الطبقية الاوربية، مقابل الغرضية المضمرة المودعة في الانشطارية المجتمعية العمودية، من "الاشتراكية" والشيوعية كما يقررها ماركس والمادية التاريخية، مقابل مابعد مجتمعية واللامجتمعية المنتهية اليها التحولية المجتمعية الرافدينية، وبالامكان تصور الاشتراكية كمآل نهائي وردي، يحاكي التفارقات الاجتماعية للكائن البشري وحاجاته الحيوية وتوزيعها، كما يمكن تسويغ وتبرير تبنيها كحل وصيرورة مجتمعية، ضمن الانغلاق الأحادي المرتكز للجسدية الانتاجوية، لكن مثل هذا الاعتقاد، او الرغبة في التحقق، لايجب ان يكون نهائيا، او فاصلا وابديا مثل الظاهرة المجتمعية كما ينظر لها من قبل العقل الأحادي،
وتدخل هنا مسالة جوهرية تحيلنا باتجاه مظاهر النقص والقصور في المنجز الغربي الحديث الهام للغاية، والعتبة الضرورية قبل التوفر على المنظور مابعد الأحادي الكوني، وكشف النقاب عن مضمراته، وهنا تحضر نظرية "النشوء والارتقاء" الدارونية، لتغدو معطى أساسيا في المجتمعية، محاذية ومتداخله مع المنجز من "علم الاجتماع الغربي"، والى جانب بتلهايم وماكس فيبر وماركس، يصطف دارون والنشوئيين، ليظهروا نوعا اخر أساسيا من أنواع النقص العائدة للحدود العقلية الأحادية، فدارون الذي أوقف عملية النشوء عند عتبة انبثاق العقل، واكتمال العضو البشري، ليقرر موافقا على ان الكائن المتولد من ( العقل / الجسد) هو قمة منطويات النشوء الممكن، وغاية الطبيعة، ليظهر من ناحيته انتكاسا امام ماقد اكتشفه، وما انجزه من جهد استثنائي خارق من دون شك.
وهكذا يستمر شاخصا، ملمح استحالة النهائية في العلوم الإنسانية، مثلماتحضر العوامل الانتقالية، الأحادية ووطاة طغيانها لتمنع على اهم العقول الأحادية تجاوز حدودها، بحيث يعجز دارون مثلا عن الذهاب للبحث في ديناميات استمرار النشوئية، وهل طرأ عليها تغيير يوجب تغيير مقاصدها، من نوع " العقل" العنصر الاستثنائي، المستجد على الكائن الحيواني، ومايرتبه حضوره، وصولا الى النظر في احتمالية ان يكون المسار النشوئي والصيرورة الحياتية قد انتقلا وقتها من النشوئية الحيوانية، الى النشوئية العقلية، الامر الذي كان سيوجب التوقف وراء ظاهرة العقل، واذا كانت مجرد نطق باسم طبيعة ذاهبة الى "وعي ذاتها"، ام ان ماحدث هو بداية ومفتتح وعي الطبيعة لذاتها فقط لاغير، بما يعني ان ظهور الكائن الحيواني حامل العقل، هو مجرد مؤشر وحادثة بداية لظهور الانسان/ العقل، المتخلص من الحيوانية. فتاريخ الكائن الحي عبر مئات الاف السنين، هو تاريخ التحول وليس الثبات، وليس هنالك مايبرر ان يكون الحيوان حامل العقل، منتهى المسيره الطولى الغائرة في قلب الزمن، الا اذا كانت العضايا، او اللبونات، او القرود مثلا، هي وكل منها في لحظته، هي نهايات كما يمكن ان يفترض كل منها ذلك، بحكم مامتوفر من وعي للعضية او اللبون او القرد، علما بان حقيقة التحولية ماتزال وكانت دائما خارج الوعي المتاح لمن يتحولون تباعا، الامر الذي يستمر قائما مع "الانسايوان" راهنا.
ومع ان هذا قد تميز بالكثير من الافضليات التي لاتقارن بما سبقه من كائنات مر بها الى ان وصل ماقد وصل اليه، الا ان هذه كلها لم تساعده، ولادفعته لان يعي تحوليته، وظل العقل خاضعا لحدود الجسدية الحيوانية الى اليوم، واستمرت المجتمعية خارج نطاق الاستيعاب العقلي، ماقد كرس التابيدية والاعتقاد بان "الانسايوان" هو غاية الوجود الحي ومبتغاه النهائي، والاهم من ذلك ان الكائن البشري، لم يتبين من الحقيقة المفصلية الكبرى ممثلة بانبثاق العقل، ماقد حصل من ازدواج ( عقلي / جسدي)، مع الارجحية الجسدية، بما ان المنتجية الناظمة للطور التحولي الثاني، الأخير المعاش حتى اليوم، موكولة الى الى الحاجة الجسدية الحيوية للادامة والاستمرار.
وبالنظر لتاريخ النشوئية الثانية التي نشير اليها، وحقبها، وصولا لطور اللقاط والصيد السابق على ظهور المجتمعية، يأتي الطور المجتمعي المنتج للغذاء، ليحتل موقع الحلقة الأخيرة، المفضية الى مابعد هيمنة الجسدية انتاجيا، وعلى حدود العقل وممكناته، لتغدو العملية الإنتاجية والوجودية" عقلية" بالدرجة الأولى، ماسيرتب أسبابا تحولية مابعد مجتمعية، ويفتح الباب امام انتقال "الانسايوان" الذي يطلق عليه اسم الانسان اعتباطا،الى "الانسان"، وهكذا يصبح سد النقص في نظرية الارتقاء، وذلك الذي يعتور تاسيسات علم الاجتماع الغربي الحديث، مع الربط بينهما، مما يكمل ضرورة، لابل ولزوما، النقص الأساسي في مايعرف بعلم الاجتماع، الى جانب النقص الأساسي في بنية النظرية الدارونية معا. 
وهكذا نكون قد وصلنا الخط الأخير للاحادية المجتمعية كما تتجلى باعلى اشكالها اوربيا، حيث المجتمع الأكثر دينامية ضمن نمطه، عقليا. أي معرفيا، لنقف امام "علم الاجتماع الابراهيمي النشوئي التحولي"، ليس بالتناوب، فالمجتمعية الرافدينية، وجدت بالاصل كمجتمعية تحولية بنيويا، وظلت خلال ثلاثة دورات وانقطاعين، تنتظر توفر الأسباب المادية، او سيلة الإنتاج المطابقة لكينونتها وبنيتها، بعد محاولات تحول صدرت عنها اعتمادا على البنية المفتقرة للوسيلة المادية، التي هي غير قادرة تكوينيا على انتاجها، بصفتها مجتمعية تحولية بنيويا، بينما مجتمع الانشطار الافقي الأوربي، وجد كمجتمع تحول تقني، مؤهل لانتاج الوسيلة المادية الملائمة، واللازمة للتحول، وعند هذه الناحية نقف مرة أخرى امام ناحية غائبه من نواحي حركة وتفاعل المجتمعات، ونشاتها، فالمجتمعات على مستوى الكوكب، أصبحت كذلك، يوم توفرت أسباب التحولية داخل بنيتها، كما داخل البنيتين المتقابلتين، الشرق متوسطية الرافدينيه من طرف، والاوربية من طرف مقابل، مع الطويل، اثر البدء الشرق متوسطي.
قبل ذلك لم تكن المجتمعات مجتمعات بالمعنى التحولي بقدر ماهي "تجمعات" * .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) في المؤلفات التي تتخذ لنفسها مهمة قراءة "تاريخ العالم"، يجري تعداد شبه تقليدي لما يعرف بالحضارات، حيث يعود النقص الأحادي ليظهر هنا بصيغة عجز عن التفريق بين المجتمعيات التحولية، ولحظة ظهورها في وادي الرافيدين، وبين ماقبلها من طور انتقال تمهيدي فاصل، بين طوراللقاط والصيد، وحقبة المجتمعية التحولية، و"وتوينبي" يعدد كمثال قرابة 26 حضارة بضمنها الحضارة الرافيدينية اعتباطا، ومع الخلط المعتاد بين الصنفين المجتمعيين/ راجع : " تاريخ البشرية"/ ارنولد توينبي/ ترجمة الدكتور نقولا زيادة/ الاهلية للنشر والتوزيع.