علم الاجتماع الابراهيمي؟/3

عبدالاميرالركابي
واليوم او حتى اللحظة الراهنة من تاريخ المجتمعية كظاهرة وطور ضمن صيرورة الكائن الحي، ماتزال المجتمعية غير مكتملة إدراكا، تعيش تحت وطاة النكوص والاحادية، نكوص إزاء مهمة "التحول" التي لم يتوفر الا اليوم العامل المادي الضروري لتحققها، مع سيادة نمطي الإنتاج اليدوي والالي، قبل التكنولوجي المعرفي، كما قبل ادراك او كشف النقاب عن "التحولية" باعتبارها القانون الناظم للوجود المجتمعي، والتحولية، او الإحاطة العقلية بها، تشترط الانتقال من "علم الاجتماع" بصفته مجالا معرفيا مستقلا ومكتفيا بذاته، الى النشوئية الارتقائية، على اعتبار الظاهرة المجتمعية محطة وطورا أخيرا ضمن عملية النشوء اللاحقة، او الثانية بعد العملية النشوئية الأولى الحيوانية، المنتهية الى انبثاق العقل في الحيوان وحلول الازدواجية ( الجسد/عقلية)، بدل الأحادية الجسدية السابقة.
لن يبقى ولن يكون الكائن البشري بعد اكتشاف "التحولية" باعتبارها قوة ضمان الصيرورة، مطلقا مثل ماكان، وهو مايشمل الطور الأول الابراهيمي / النبوي الالهامي، والعقلانية الغربية ومنها المادية الساذجة ، التي تذهب الى فصل الوجود البشري والمجتمعي عن حكم القوانين الكونية، ونفي اتفاقه مع ايقاع التجولية الكوني الأعظم، وكان مثل تلك الصلة ليست "عقلانية" ولا "مادية"، او انها كحقيقة مقترنه الزاما بعالم الوحي والصنمية السماوية، التي هي طور مؤقت،من الابراهيمية اني، وغير نهائي، موافق لاشتراطات الانتكاس التحولي، وضرورة حضور الحدسية، كطور ابراهيمي اول، قبل الانتقال الى (الادراكية الحدسية) حيث "كل قرآن مؤقت وموقوف لزمنه، بانتظار قرآن ارض مابين النهرين).
وهكذا تتداخل امامنا مجموعة من الموضوعات قد تبدو في الظاهر متباعدة، او متفارقة، مع انها وحدة يجملها تحقق الذاتية الازدواجية، أي ذاتية مجتمع الازدواج الرافديني، المستمرة بالامتناع على الادراك العقلي على مدى ثلاث دورات وانقطاعين تاريخيين، مع ما تتضمنه وتنطوي عليه من حقائق مجتمعية كونية، وهو ماياتي في اعقاب محاولة اشتملت على حقبة من حقب الدورة الحالية الثالثة من التشكل الازدواجي، المبتدء منذ القرنين السادس والسابع عشر، هي الأخيرة المتسيدة منذ عشرينات القرن العشرين، ضمن حالة من "الفبركة" الاستعمارية والحداثية المستعارة ل"وطنية" مختلقة ايديلوجيا، وكتعبير عن غلبة وهيمنة المفاهيم الغربية الحديثة الوطنية والطبيقة، ولو ضمن مجرى صراع بغاية الاحتدام بين المفهوم والنموذج الغربي، ومقابله الازدواجي الممتنع على التطويع والاخضاع، والسائر نحو مابعد لحظة الفبركة، والغرب ومايمثله. 
تتحقق في الأحادية، ذاتيات تعرف بالوطنية او القومية، وفي ( الدولة / الامة) كاعلى شكل من اشكال التجلي المجتمعي الكياني، بالمقابل يصل الازدواج المجتمعي لحظة تحققة في صيغة معاشة، فيمتنع على التحقق، ذلك لان الازدواج المجتمعي، ونهايته، وقمة تحققة الحاصلة اليوم، تتجسد بحالة " فك الازدواج"، وانتهاء المجتمعية الجسدية، وزمنها، لصالح المجتمعية العقلية، وهي اذ تصبح وشيكة، فان مجتمعيات الأحادية، والمجتمعية برمتها، تصير على اعتاب التحول الفاصل الأكبر على المستوى المادي، وعلى صعيد أداة الإنتاج وشكلها، وينشا آنذاك تناقض لاحل له، بين الإنتاجية التكنولوجية المعرفية، وبين طبيعة المجتمعات الغالب عليها تكوينها الأحادي، والموافقة بنية لنمطي الانتاجوية الالي واليدوي، ووقتها يظهر بان اخر اشكال، ومنتهى تطور الوسائل الإنتاجية، مناقض لاشكال المجتمعية والإنتاجية الأحادية التابيدية، مع اتفاقه مع خاصية التحولية والنشوئية المجتمعية الثانية/ العقلية، المودعة فقط في الكيانية الازدواجية الرافدينية، تكوينيا وبنيويا، منذ بدايات المجتمعية.
من اهم مناحي القصور العقلي الشائع، بالاخص في المجتمعية الأحادية باعلى تجلياتها، النظر الى التعبيرات والقراءات الابراهيمة على انها "دين" منفصل ومنفي عن الحقيقة المجتمعية، وهو ماقد تجلى في العصر الحديث في علم الاجتماع الأوربي الذي يفرد حقلا خاصل ب "علم الاجتماع الديني"، والعنوان الانف نفسه يكشف عن التمييز والاقصاء الدال على قصورالمنظور المجتمعي، او مفهوم المجتمعية الاوربي، وبقائة برغم ماتحقق من اكتشافافات، او التوصل الى ماعرف ب" علم الاجتماع"، ابعد من ان يقارب اللامجتمعية التحولية، التي هي أساس بنية المجتمعية، وشرط وجودها الحيوي، هي وكل مقدمات وجود الكائن الحيوان حامل العقل، فالانسايوان وحتى العصر الأحادي الأوربي الحديث، ومع كل ماحققه من منجزات قد فاته ان يحيط بناحية " التحولية" باعتبارها قوة الحياة والوجود، ودارون لم يتنبه لمثل هذه الخاصية، وظلت التحولات التي تابعها مغلقة عليه في اهم نواحيها الأساسية، مفترضا كفعالية تحولية جانبا وحيدا هو فعل الطبيعة الحيوي، من دون ان يتساءل عن قوة الدلالة الحياتية نفسها، وبماذا تتجسد، وكانه افترض بان الطبيعة والانتقاء الطبيعي كافيان لاحداث التحول في كان لاينطوي على طاقة تحولية.
ومثل هذه الغفلة لابتوقف فعلها او التاثير المتصل بها، والناجم عنها، على مجرد سوء القتدير العارض ومايترتب عليه، فنفي الخاصية التحولية المودعة في الكائن الحي، تستجر اغفالات تفرغ الكائن الحي من اهم خواصه، ومن العنصر الأساسي الذي يجعله موجودا وقادرا على الاستمرار كحالة مختلفة عن غيرها من الكائنات الجامدة او نصف الجمادية، مثل النبات الذي تعوزه خاصية التحول، او تنقص فيه الى الحد الأدنى، بما يجعل من اللازم القول بان الكائن الحي ينطوي على خاصية "التحولية"، التي هي الخاصية الرئيسية التي يصير مانعرفه ب " الحياة" ممكنا بمعنى اخر ادق ان ( الحياة = طاقة التحول) وهنا يكمن السر فيما ظل الانسايوان يتساءل عنه محاولا استكناه "حقيقة" الحياة، فالحيوان المتحول من الخلية الأولى الى الاشكال الأخرى التي طرات على هيئته، وصولا الى الكائن الحيواني الأخير الأحادي، قبل الازدواج ( الجسد/ عقلي)، حقق تنقلاته بين السمكية والعضية واللبون الى الشكل القردي قبل الانتصاب واستعمال اليدين، بقوة وتظافر ودفع فعل الطبيعة مع الخاصية الحيوية التحولية المودعة فيه أساسا وكينونة.
وليس يعني ذلك ان دور الطبيعة في التحولية ثانوي، او يمكن اعتباره غير أساسي، لكن مفهوم الانتقاء، او الاصطفاء الطبيعي العنصري، ليس هو مايتطابق مع الحقيقة التحولية التي هي نتاج اعلى اشكال وصيغ التطابق، بين اشتراطات طبيعية متحققه ضمن ظروف بعينها، وخاصية التحول المودعة في الكائن التحولي الحي، وهذا الجانب من الازمان التحولية ومايطرا ضمنها، يفتح الباب امام عالم من النظر في الحياة بمختلف تمخضاتها بحسب تغيرالزمن، فالزمن التحولي الحيواني انتهى اليوم، ولم تعد الطبيعة بما هي الأرض ومايحيط بها، ملائمة لحصول مثل هذا النوع من التحولات، بعد ان صار الكوكب الأرضي في حال مواكب للتحولية المجتمعية، وهذا الجانب يفتح لنا بان السردية الأرضية التحولية، ومسارها، فثمة تواكب وتوافق أساسي حاسم، بين حياة الأرض وتحولاتها هي من جهة، ومقتضيات التحولية الحيوية المقابلة والمتفاعلة معها، من جانب الكائن الحي، وهذا مايجعل من المستحيل اليوم تحول الكائنات الحيوانية التي نعيش معها، حتى لو هي انطوت على خاصية التحول المشكوك فيها. فالتاريخ التحولي هو تاريخ ارض تحولية مواكبة ومطابقة، وكائن حي منطو على التحولية، متفاعلان ومتداخلان، والأرض التي عرفت أخيرا الكائن الحيواني حامل العقل، انتقلت لكي تهيىء بمتغيراتها، الأسباب الضرورية لانتاج ووجود حالة "مجتمعية تحولية"، وهكذا تم توزيع الأرض وجغرافيتها ومناخها المناسب والمطابق لاشتراطات التحولية المجتمعية، وبؤرتها الأساس على ضفتي المتوسط.
الأرض كائن حي وهو جزء حيوي من عملية كونية، يسري عليه خلالها التحول والانتهاء، ويعرف الشباب، وتصيبه الشيخوخة، البادية اعراضها اليوم. وصولا الى انقضاء الدور والمهمه ضمن العملية التحولية الكونية الكبرى، وهو مايشمل المجموعة الشمسية، الموجودة ضمن مقتضيات غائية كونية عليا، ليس "الله" المتعارف عليه اليوم سوى ادنى تجلياتها، بحكم تطابقها مع ضرورات الانتقالية، من التحولية البنيوية الى التحولية المادية، والذهاب المقرر للمجتمعية بالاصل الى مابعدها ( 1).
بهذا نكون قد وصلنا الزمن الأخير، وصار المعاش اليوم من اشكال المجتمعيات والحياة وتنظيمها ومقاصدها، من الماضي، واذا كانت وثبة الغرب الحديثة قد تضمنت وبقوة، تفارقا بين ماقبلها باعتباره ماضيا، وما تمثله هي من مستجد مختلف نوعا، فان زمن التحولية وعصر الانتقال التحولي التكنولوجي، وزمن بدء الانتاجوية العقلية، سيحمل نوعا من الاختلاف عما قبله، بما يجعل منه منفصلا عنه، وليس امتدادا فالمجتمعية وعلم الاجتماع الابراهيمي، هو علم دال على مالاسابق له، الا اذا قيس نسبيا بلحظة الانتقال من زمن الصيد واللقاط، الى الاجتماع وإنتاج الغذاء المنطوي على "التحولية"، الخارجة عن الإحاطة العقلية، والباقية خارج الادراك، حتى لحظة قرب انتهاء المجتمعية الأحادية والازدواجية، وكل صنوف المجتمعات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لفت مقال الأستاذ علاء اللامي في جريدة "الاخبار" اللبنانية، انتباهي لعمل ملفت صادر أخيرا للكاتب "خزعل الماجدي" بعنوان "انبياء سومريون .. كيف تحول عشرة ملوك سومريين الى انبياء توراتيين" المنشور في عدد يوم السبت 11 أيار، وقد تفضل مشكورا بارسال نسخة pdf من الكتاب، اتاحت لي الاطلاع عليه، لاقع على نموذج مكرر من الأبحاث المغرقة في القصور المتولد عن طغيان النظرة المسبقة الأحادية التي تستعمل عادة بدون تدقيق، وتصر على اكراه الواقع التاريخي الازدواجي الرافيديني،على الخضوع لنظرات مسبقة وجاهزة، لاتنطبق عليه، ولا على بنيته، مااستوجب التفكير بعودة تخصص للكتاب لاحقا.