مستقبل مظلم للصناعات الوطنية والمستقلة للنفط والغاز العراقي

Submitted on Tue, 06/04/2019 - 23:56

منير الجلبي

      (هذا التحليل كنت قد اعددته في شهر تشرين الثاني 2018  قبل صدور قرار المحكمة الفدرالية العليا في كانون الثاني 2019 برفض والغاء معضم البنود الاساسية لقانون "شركة النفط الوطنية ", وكانت الدراسة بطلب من المرحوم الصديق العزيز باسل سيفي للمساهمة كوجهة نضر ودراسة للنشرفي مجلته "قضايا ستراتيجية" والذي كان سينشر في بداية عام 2019 , حيث كان العدد تحت عنوان "سياسات نفطية لخدمة الشعب العراقي حاضرا (الاجيال الحالية) ومستقبلا (الاجيال القادمة)". غير ان القدر لم يمهل العزيز باسل لنشرها. )                                                                      

 ان الهدف من هذا التحليل هو االقاء الضوء على العواقب الكارثية التي ترتبت بسبب المخططات و السياسات المتتالية لوزارات النفط الاتحادية العراقية واقليم كردستان منذ عام 2006 ولحد الان على حاضر ومستقبل تطور الثروات النفطية والغازيه وعلى الصناعات الوطنية العراقية وتاثيراتها السلبيية على مستقبل الاستقلال الاقتصادي والسياسي للبلد.

ان هذه السياسات جعلت الاقتصاد العراقي اقتصاد اكثر ريعيا من اي وقت مضى، وكسوق للاستهلاك للمنتجات والصناعات الاجنبية وتابعا بشكل متزايد لقررات البنك الدولي وسياسات السوق الحرة الممثلة للشكل الحقيقي للاستعمار العالمي الجديد.

فما هي الادلة المؤشرة لمثل هذا المستقبل المظلم:

1- لقد وضعت وزارات النفط الاتحادية في بغداد ووزارة نفط الاقليم كل اهدافها القصيرة والمتوسطة والطويلة الامد في زيادة الطاقة الانتاجية للنفط الخام فقط. لقد كان من الواضح ان هذه المخططات لم تكن جزء من سياسات تنظيم وطنية جيدة توضح اين يتجه هذا القطاع او الكيفية التي يجب ان يعمل بها، وما هي العواقب المترتبة من السياسات الوحيدة الجانب على مستقبل الصناعات النفطية الوطنية. ان رسم سياسات هدفها "زيادة انتاج النفط الخام فقط" لم تكن قرارات حكيمة ووطنية على الاطلاق حيث ان جميع جولات التراخيص المتتالية لم تكن جزء من مخططات مدروسة للربط ما بين جميع العناصر ضمن مخطط لتطوير مستقل للصناعات البتروكيميائية الوطنية بمعزل عن الشركات الاحتكارية العالمية.

2- عدم ربط اتفاقيات "جولات التراخيص الهجينة" بتكوين الصناعات البتروكيمياوية العراقية الوطنية. كنت قد بينت بشكل واضح منذ عقد هذه الاتفاقيات قبل حوالي عشر سنوات، ان استراتيجية وزارة النفط الاتحادية يجب ان تتركز على بناء صناعات نفطية وغازية وطنية سواء في مرحلة الانتاج او مرحلة التصنيع النفطي، وان تكون "سياسة زيادة الانتاج" جزء من الاستراتيجية لتنمية صناعة الطاقة الوطنية  وان لا يكون زيادة الانتاج هو "الاولوية الوحيدة" في مثل هذه المخططات.

وقد بينت ان السياسات التي لا تربط عمليات رفع الانتاج ببناء سياسة تطوير الصناعات الوطنية البتروكيمياوية بدا بتطوير صناعة التكرير، سيجعل من سياسة الانتاج كاولوية وحيدة ستؤدي فقط الى خدمة مصالح الاقتصادات الغربية وسياسات الادارة الامريكية  وارباح شركات النفط العالمية، وهذا ما اثبتته السنين العشرة الماضية منذ عقد هذه الاتفاقات السيئة.

3- ان جميع جولات التراخيص للحكومة الاتحادية واتفاقيات المشاركة في الانتاج لاقليم كردستان لم تؤدي الى اعادة بناء وتنمية مستقلة لصناعات النفط والغاز الوطنية العراقية، بل على العكس من ذلك ادت الى تفكيك ما كان في طورالتطوير او البناء من هذه الصناعات الوطنية واعطت السيطرة الحقيقية على هذه الصناعات لشركات النفط والغاز العالمية الكبرى وللمرة الاولى منذ عمليات التاميم الوطنية لهذه الثروات في سبعينيات القرن الماضي.

لقد كان بدعة خلق ما اطلق عليه في اتفاقيات جولات التراخيص وما سمي باسم "مؤسسات التشغيل الميدانية FODs" ما هو الا عملية تسليم الدور الاكبر لشركات النفط العالمية الكبرى لصناعة القرار وفي السيطرة على الانتاج في جميع الحقول المنتجة العملاقة وادارتها وتشغيلها، وصولا الى اعطائها السيطرة على عمليات الاستكشاف والتطوير والانتاج للحقول المستكشفة والتي لم تكن قد بدأت عمليات الانتاج فيها في وقت منح العقود.

4- ان الاستمرار بسياسة الاعتماد في تقييم "ستراتيجي ووطني" لما اطلق عليه "بعقود الخدمة الفنية" في جولات التراخيص لا يصح ان يتم بمحاولة الاكتفاء والاستمرار بمقارنتها باتفاقيات "المشاركة في الانتاج" التي وقعها اقليم كردستان للخروج باستنتاج صلاحية ووطنية هذه الاتفاقيات.

غير ان التقييم الاستراتيجي الحقيقي الوطني والعلمي لجولات التراخيص يجب ان يتم ويعتمد اساسا من خلال مقارنة ايجابياتها وسلبياتها بالسياسة الوطنية النفطية التي كانت سائدة في الفترة التي بدات بقانون 80 لعام 1961، ثم قانون تاسيس شركة النفط الوطنية عام 1967، لتليها تاميم شركة نفط العراق عام 1972 وانتهاءا بتاميم شركة نفط البصرة عام 1975 والتي حولت الصناعات النفطية الى صناعات وطنية عراقية بجميع مراحلها بدء بالاستكشاف مرورا بالاستخراج والنقل والتسويق وصولا الى البدا بخطى ثابتة بتكوين صناعات بتروكيمياوية.

فاين سياستنا النفطية الحالية مقارنة بما كانت عليه عام 1979 ؟

5- ان جولات التراخيص الخمس لوزارة النفط الاتحادية واكثر من 70 اتفاقية في "المشاركة في الانتاج" سيئة الصيت لحكومة اقليم كردستان قد انهت اي امكانية لقيام صناعة وطنية عراقية في الوقت الحالي او في المستقبل، وحولت دور اي مؤسسة عراقية وطنية لا يتجاوز دور مراقب لتطور العمل في حقول النفط العملاقة التي اصبحت ادارتها كاملة بايدي شركات النفط العالمية الكبرى. لقد كنت قد تطرقت بالتفصيل عن سيئات هذه السياسات في تحاليل مختلفة منذ عام 2008 وقد اثبتت السنوات العشرة الماضية صحة هذه التحاليل.(2)

6- كان المطلوب من وزارة النفط الاتحادية ان تخطط للمدى المتوسط والطويل لسياسة ستراتيجية "عراقية وطنية" سواء لبناء الصناعات الاستخراجية او التصنيعات البتروكيمياوية تربط تطوير الصناعات الاستخراجية للثروات النفطية والغاز كجزء متكامل مع بناء الصناعات البتروكيمياوية المرتبطة بهذه الثروات وان لا تجعل زيادت انتاج النفط الخام هي "الاولوية الوحيدة" .

ان ما جرى في السنوات العشرة الماضية والذي جعل من العراق واحدة من اكثر الدول الفاشلة في تطوير صناعاتها النفطية حيث لم يتم انهاء تشيد حتى اي مصفى جديد ناهيك عن اي صناعات بتروكيمياوية جديدة على الرغم من ثبات وجود هذه الثروات الهائلة في باطن الارض منذ عشرينيات القرن الماضي حيث اصبح الاحتياطي المثبت للنفط في الحقول المكتشفة في السنوات الاخيرة يتجاوز 154 مليار برميل، وهناك توقعات ذات مصداقية من بعض المؤسسات العاملة في هذا الحقل تتكلم عن ارقام تصل الى 300 مليار برميل.

7- ان الاعتقاد السائد لدى البعض بان ما جرى في العراق من اتفاقيات جولات التراخيص الهجينية للحكومات الاتحادية المتوالية او اتفاقيات المشاركة في الانتاج في اقليم كردستان المرتبطة بزيادة استخراج النفط الخام فقط تمثل "سياسات وطنية اذ انها تجلب موردا ريعيا للدولة!" ومن دون ان ياخذوا بنظر الاعتبار ضرورة ربط هذه الاتفاقيات بانشاء مصافي نفط وطنية او صناعات للاستفادة من الغاز المصاحب لانتاج الطاقة الكهربائية بدل حرقه، او انشاء صناعات بتروكيمياوية، اضافة الى تسليمهم الكامل لصناعات الاستخراج الى شركات النفط العالمية الكبرى.

ان وزارة النفط الفدرالية لم تقم في السنوات العشرة الماضية ببناء اي مشاريع للتصنيع البتروكيمياوي في العراق الا باستثناء التوقيع على مشروع مصفى كربلاء والذي حتى بعد الانتهاء منه (ان تم ذلك ان اردنا التذكير بمشاريع الوزارة الاخرى !) فهو لن يستطيع سوى التعويض عن قسم من منتج مصفى بيجي الذي دمر بشكل شبه كامل، وهو يثبت ان مشاريع وزارة النفط لن تكون باحسن حالا من المشاريع العتيدة لوزارة الكهرباء.

ان هذا الفهم الخاطئ للسياسات الاقتصادية هو ابعد ما يكون عن فهم الواقع التدميري لمثل هذه السياسات و منعها لاي تطوير لاقتصاد وطني وجعله تابعا استهلاكيا لصناعات الدول الصناعية المتطورة وعلى الاخص اقتصادات الدول الاوربية والولايات المتحدة الاميركية. اذ لو كانت سياسات التركيز على تطوير صناعات الاستخراج بمعزل عن الصناعات المرتبطة بها هو مثال للسياسات الوطنية لاصبحت الحكومات التابعة للاقتصادات الغربية في السعودية والامارات وقطر والكويت  ونايجريا وغيرهم من اكثر الحكومات االوطنية واقلها فسادا واقلها تبعية للاجنبي على هذه الكرة الارضية!!

8- ان مجمل هذه الاتفاقيات قد حولت العراق الى "مضخة نفط" لخدمة السوق النفطية العالمية ويعطي الولايات المتحدة احتياط نفطي اضافي كدور مكمل للدور السعودي والنفط الحجري الامريكي لاستخدامه للتحكم بالاسعار كسلاح سياسي للادارة الامريكية لاجبار كل من يعارض المخططات الامريكية على الخضوع لمخططاتها من خلال اغراق سوق النفط العالمية بكميات لا حاجة للسوق اليها.

 وهذا هو ما تنفذه الادارة الامريكية حاليا وحسب الاعتراف العلني للرئيس الامريكي ترامب وذلك لاجبار كل من ايران وروسيا وفنزولا على الانصياع للمخططات الامريكية، وفي نفس الوقت يعطي الادارة الامريكية سبيل للسيطرة الداخلية في العراق من خلال اثراء النخب المحلية الفاسدة وكسب تبعيتها للمخططات الامريكية كما يحصل حاليا ومنذ بدا الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 وذلك من خلال السماح لهذه النخب بسرقات نسب معينة من النفط الخام المستخرج وتهريبه من دون ان يكلف الاحتلال الامريكي اي تكاليف من الميزانية الامريكية.

9- اعتمادا على الارقام الرسمية الصادرة من وزارة النفط االاتحادية، فقد ارتفع معدل صادرات العراق للنفط الخام (باستثناء ما صدره اقليم كردستان)  من 2,165 مليون برميل يوميا (م ب ي )عام 2011، الى 3,3 مليون ب ي عام 2017، ويتوقع ان يصل معدل التصدير الى حدود  3,5 مليون  ب ي عام 2018، اي بزيادة قدرها حوالي 1,35 م ب ي وتمثل ارتفاع بحوالي 65% مقارنة بعام 2011، وتمثل نسبة الارتفاع هذه واحدة من اعلى نسبة ارتفاع ضمن الدول المصدرة للنفط بعد الولايات المتحدة والسعودية. (5) 

ويجب التاكيد على ضرورة اضافة ما لا يقل عن  0,5 م ب ي وهي معدل صادرات اقليم كردستان الى صادرات العراق النفطية على الرغم من ان وزارة نفط الاقليم لا تصدر احصاءات رسمية لصادراتها وهناك ادلة على ان ما يصدره الاقليم الى تركيا ومن ثم لاسرائيل وما يتم تهريبه من ابار كركوك هو اعلى من هذا.

ان الارقام الحقيقية لمجموع صادرات العراق النفطية هو اعلى بكثير من الارقام التي تصدرها وزارة النفط الاتحادية. فعلى سبيل المثال فان ارقام وزارة النفط الاتحادية المنشورة على موقع وزارة النفط لشهر اكتوبر 2018 هو 3,47 م ب ي، في حين ان الرقم الحقيقي لمجموع الصادرات هو 4,76 م ب ي حسب ما ورد في موقع CNBC للاعمال وهذ الرقم يزيد بحدود 1,3 م ب ي عن ارقام وزارة النفط، وهو اعلى بكثير من المسموح به كحصة العراق في منظمة OPEC. (4)

كما ان التساؤل الثاني هو انه ان طرحنا 0,5 مليون ب ي كرقم يدعي الاقليم بان هو مجموع صادراته من الفارق 1,3 م ب ي  اعلاه، فاين ذهبت الـ 0,8 م ب ي المتبقية؟ وهل يمثل هذا الرقم ما يتم تهريبه وسرقته من قبل القوى والاحزاب المتنفذة في اقليم كردستان وفي المناطق الجنوبية من العراق؟

10- وهنا يطرح التساؤل حول مستقبل العراق في منظمة الدول المصدرة للنفط اوبك،  فجعل مستقبل الصناعات النفطية يتركز على رفع انتاج النفط الخام فقط سيؤدي بالتاكيد الى ان تكون سياسة العراق الستراتيجية ترتكز على السعي لرفع حصة العراق التصديرية في منظمة الاوبك، والى الاصطدام المباشر مع دول الاوبك الاخرى مما سيؤدي اما الى اغراق السوق بكميات فائضة تؤدي الى انهيار الاسعار كما يحصل حاليا وبضغط من ادارة ترامب، او خروج العراق من المنظمة على شاكلة ما قامت به قطر مما سيؤدي حتما الى انهيار منظمة الاوبك، وسيرتبط بهذا انهيار اضافي في اسعار النفط الخام وهذا هو الهدف الاساسي من احتلال العراق عام 2003 وما خطط له من قبل الادارة الامريكية للسياسة النفطية للعراق خلال السنوات العشرة الماضية.

ان خطر انسحاب العراق من منظمة اوبك الذي اصبح يطرح كخطر جدي على مستقبل المنظمة، ويزداد هذا الخطر مع ازدياد قدرة العراق على رفع قدرته الانتاجية وعلى سيطرة اشخاص كانوا وما زالوا من المخططين لهذه السياسة النفطية التي تدعو الى التركيز على بيع النفط الخام فقط، وهم من اعمدة تمرير القانون المشؤوم المسمى "قانون شركة النفط العراقية" واصبح كثير منهم يسيطر حاليا على مناصب في رئاسة الوزراء ووزارة النفط ووزارة المالية في الحكومة الاتحادية. (4)

11- ان قانون شركة النفط الوطنية العراقية الجديد بشكله الحالي الذي مرر بالخداع في ليلة سوداء وبدون مناقشة معقولة قي مجلس النواب ولا بين المختصين ما هو الا حلقة اساسية لخصخصة كل ما تبقى من "الصناعات الوطنية للنفط والغاز" على شاكلة ما جرى لكل الصناعات الوطنية الاخرى وصولا للمشاريع الاخيرة لما سمي بمشاريع "خصخصة الطاقة الكهربائية".

فلقد قام القانون بتحويل العوائد السيادية من بيع النفط الى عوائد "شركة عامة" مما يفقدها الحماية السيادية تحت القانون الدولي، واعطى هذا القانون مجلس ادارة هذه الشركة الذي لم ينتخبها احد صلاحيات اعلى من صلاحيات مجلس الوزراء ومجلس النواب وجميع مؤسسات الدولة الاخرى مجتمعة. لقد منح هذا القانون الشركة انشاء وتمويل وادارة مؤسسات مالية ليست لها اي علاقة بطبيعة نشاطاتها كشركة نفطية صرفة. كما ان الخطورة الكبرى الاخرى في هذا القانون هو انه سيؤدي الى تشكيل كيانين متنافسين لادارة القطاع الاستخراجي البترولي، وهما وزارة النفط وشركة النفط الوطنية اللتان ستتصارعان للقيام بنفس المهام! وهذا ما سيضاعف عدد العاملين في الاجهزة البيروقراطية التي ستقوم بنفس العمل في كلى المؤسستين .

12- كما ان قانون شركة النفط الوطنية الجديد مكملا للخطوات التي سبقته في رسم سياسة مدمرة لمستقبل الصناعات النفطية والغازية الوطنية العراقية،  حيث ان القانون يتخبط بشكل فوضوي في مستقبل الثروة الغازية، فمرة يدعوا الى مؤسسة مماثلة لشركة النفط الوطنية لتدير الغاز! وفي نفس الوقت يدعوا الى تقسيم صناعة الغاز بين وزارة النفط والشركة الجديدة! كما ان مسودة القانون استبعدت شركتي غاز الشمال وغاز الجنوب من قائمة الشركات المملوكة والمرتبطة بالشركة الجديدة، فبمن سترتبط هاتين الشركتين اذا؟؟

 وهنا يجدر التاكيد بان قانون شركة النفط  الحالي الذي مرر بوقت حكومة العبادي لم  يتعرض في اي من فقراته إلى عقود المشاركة في الانتاج غير الشرعية التي وقعتها حكومة اقليم كردستان، وكأن كردستان ليست جزءا من العراق، وأن عقود كردستان قانونية لا تتعارض مع الدستور العراقي ! في حين تضمن القانون مادة تلزم الشركة بمراجعة "عقود جولات التراخيص" المبرمة فقط وتعديلها في حين لم يكن القانون يشير مطلقا لعقود المشاركة في الأنتاج لحكومة اقليم كردستان، كما ان هذا القانون سيكون مظلة قانونية للغطاء وضمان الابقاء على العشرات من اتفاقات المشاركة في الانتاج غير الدستورية التي وقعها اقليم كردستان، وهذا ما سيفتح الطريق لعقد مثل هذه الاتفاقيات في اجزاء العراق الاخرى.

وكنت قد تطرقت بالتفصيل الى السيئات الكارثية لهذا القانون في مقالتي التحليلية في اذار 2018  وكانت بعنوان "هل مرر البرلمان حقا القانون المشبوه..." ويمكن لكل من يرغب في الاطلاع على تفاصيل التحليل الرجوع الى المقالة. ( 1)

13- ان نوعية اتفاقيات جولات التراخيص هي في الحقيقة تمثل انعكاسا حقيقيا لنوعية العملية السياسية الجارية في العراق، سواء في الفساد الهائل المرتبط بتطبيقاتها الواقعية او بارتباطاتها وتبعيتها للاقتصادات الغربية، وهي احد الاسس الاقتصادية لضمان بقاء العراق تابعا للاقتصادات الغربية لـ 30 عام القادمة.

لقد تطرقت في مقالات سابقة عام 2011 وبالارقام (3) الى انتشار الفساد المالي بشكل واسع جدا في شركات النفط العالمية لمشاريعها في العالم الثالث وبضمنها العراق ونيجيريا والخليج حيث بينت منظمة الشفافية العالمية بان الشفافية في مشاريع العالم الثالث في شركة BP  البريطانية لم يتجاوز 14% وشركة النفط الصينية 1% (وهما المتعاقدين على حقلي الرميلة)، وEni  الايطالية 20% وتوتال الفرنسية 11% وشيفرون الامريكية 8% ولوك اويل الروسية 15% واوكسن الامريكية 10% وسننكيل النيجيرية 0% وهذه جميعها شركات وقعت مع وزارة النفط على عقود ضمن جولات التراخيص، وباختصار فان وزارة النفط في بغداد قد اعطت "صك مفتوح" لمجموعه نادرة من اللصوص وهذا بعيد كل البعد على ادعاءات الوزارة بالشفافية .

 

استنتاجات:

1. ان السياسات المذكورة اعلاه سواء كانت سياسات الحكومة الاتحادية او حكومة اقليم كردستان لا يمكن ان تؤدي الى اية امكانية لقيام اي صناعات مستقبلية مستقلة ووطنية  للطاقة في العراق بدء بالصناعات الاستخراجية مرورا بصناعات التصفية ووصولا الى الصناعات البتروكيمياوية.

2. ان الثروات النفطية والغازية الوطنية في العراق تمر في احلك ظروفها حاليا في ظل وجود كثير من الشخصيات المسؤولة عن السياسة النفطية الحالية. ان هذا يشير بان الحكومة الحالية ستبذل جهدها للسير في نفس المخطط والطريق الذي سلكته حكومة العبادي على الرغم من ان هذه الحكومة تبدو من اضعف الحكومات منذ عام 2006 حيث لا تملك اية قاعدة برلمانية مرتبطة بها، وتعتمد في بقائها على سياسات وقرارات وتفاهمات كتلتي سائرون والبناء.

3. ان البعض يعتقد بان هنالك اخطاء او سوء تقدير او قلة خبرة في التخطيط ورسم كل هذه السياسات الكارثية، ولكن هذا تحليل خاطئ لما قامت به الادارات المتعاقبة  سواء في وزارة النفط الاتحادية او في اقليم كردستان. ان المخططين في هذه الادارات كانوا يخططون ويعملون بشكل مبرمج في تمرير مشاريع شركات النفط الدولية في العمل على السيطرة الكاملة على عمليات التنقيب والاستخراج كما هو الحال في الاتفاقيات الهجينية لوزارة النفط الاتحادية او تخصيص هذه العمليات  كما جرى في اتفاقيات المشاركة في الانتاج لحكومة الاقليم.

ولذا اصبح من الواجب على كل "عراقي وطني" له اطلاع بالاقتصاد وسياسات الطاقة العمل على كشف هذه السياسات غير الوطنية التي حولت العراق الى مضخة لاغراق الاسواق العالمية بالنفط الخام وتحريم انشاء اي صناعات بتروكيمياوية عراقية وطنية ومستقلة.

4. ان هذه السياسات جعلت الاقتصاد العراقي اقتصاد يزداد اعتماده بشكل كامل على تصدير النفط الخام فقط، واصبح الاقتصاد اكثر ريعيا من اي وقت مضى في تاريخه، حيث تحول بشكل اساسي كسوق استهلاك للمنتجات والصناعات الاجنبية وتابعا بشكل متزايد لقررات البنك الدولي وسياسات  السوق الحرة الممثلة الحقيقية لبرامج الاستعمار العالمي الجديد.

 

مراجع:

1- هل مررالبرلمان حقا القانون المشبوه الجديد "لتكوين شركة النفط الوطنية العراقية"؟ وما هو الهدف من تمريره؟

http://www.almothaqaf.com/a/b1d/926189

2ـ

Iraqi Oil: What is hidden inside the Oil Contracts from the 1 and 2nd Bid Rounds? 

http://iraqieconomists.net/en/2013/02/28/iraqi-oil-what-is-hidden-inside-the-oil-contracts-from-the-1st-and-2nd-bid-rounds-by-munir-chalabi/

3- ثمانية اعوام على عقود الخدمة (الهجينة).. فماذا حل بنفط وغاز العراق؟

http://www.almothaqaf.com/a/b1d/917349

4- Iraq could be the next to break ranks with OPEC, analyst says

https://www.cnbc.com/2018/12/04/iraq-could-be-the-next-to-quit-opec-after-qatar.html

5- Iraqi Oil Report 

https://www.iraqoilreport.com/news/november-exports-decline-as-global-prices-drop-34280/?utm_source=IOR+Newsletter&utm_campaign=94b3f957e1-Email_Update&utm_medium=email&utm_term=0_f9870911e6-94b3f957e1-187540517

* محلل في محاور السياسة والطاقة