- التحوليّة- والماركسية واليسار الشرق متوسطي/1

Submitted on Wed, 06/05/2019 - 12:48

عبد الأمير الركابي

القرنان الاخيران من تاريخ الشرق المتوسطي، اخرجا المنطقة من سياق طور الانقطاع الحضاري الذي حل عليها منذ القرن الثالث عشر مع سقوط بغداد عام 1258 على يد الغزو المغولي، فالنهوض الغربي الداهم ولد ظروفا جديدة أخرجت المنطقة من سياقات تاريخها، ماقد احل مايعرف بمحاولات التشبه بالحدث الغربي، او ماقد عرف ب"الحداثة" او التسمية الشائعة التي تصف الحقبة بانها "عصر نهضة"، في الطور الأول من تلك الفترة سادت نزعات تجديد إسلامية وقومية، تعززت مع مابدا من فراغ في السلطة على اثر تراجع السلطنة العثمانية امام الغرب وتمدده المفهومي الاقتصادي والاستعماري المباشر، ماحفز فئات اعيان المدن وابنائهم للعب الدور الرئيسي خلال تلك البرهة، قبل ان يصبح لتيارات اليسار والماركسية حضوره الابتدائي، مع القرن العشرين. فالانعكاسات الماركسية على المنطقة كانت بالأحرى "لينينية روسية"، وتداخلت مع حالة الانقسام والقطبية الدولية بعد الثورة الروسية وظهور المعسكر الاشتراكي، ماقد حفز فئات جديدة أوسع من أبناء المنطقة، وضمن اشتراطات بدت اكثر فعالية في المواجهة مع الحضور الاستعماري الغربي، بظل وجود ظهير قوي متنام ومنافس من حيث الحضور الدولي والقوة، للغرب وامبرياليته.
المعنى المستخلص من هذا السياق، ان اليسار الشرق متوسطي لم يكن في أي يوم "ماركسيا"كما الحال في روسيا او الصين على سبيل المثال. وان وجوده ارتبط بالدرجة الأولى ببواعث تحررية، جعلته من حيث المرجعية والسقف "لينينيا" في اقصى الأحوال، وستالينيا من الناحية العملية، محركاته وحوافز وجوده روسية، لااوربية، ولم يظهر هنا " لنين" بل متشبهين بلينين بالكاد، الجانب النظري من وعيهم يعرف ماركس بالواسطة، لم يضطر احدمنهم لان يحاكم واقعه انطلاقا من صعود راسمالي متأخر، مثلمافعل لنين مستندا الى ومحورا ماركسن، ذهابا الى طبعة الماركسية العملية، ماركسية "مالعمل"، والبلدان التي تأخر فيها النمو الراسمالي، او وجد فيها ابان الصعود الراسمالي الأوربي على الطرف والحواف. 
شيوعين حزبيون فقط لاغير، ماركسيون بالواسطة، الغالب ان اكثرهم لم يقراوا ماركس، واغلب كتابات مؤسس الماركسية لم تترجم هنا الا في وقت متأخر، فهذا الجزء من العالم فيه أحزاب وليس فيه نظرية، فيه، " مالعمل" و "خطوة الى الامام خطوتان للوراء"، ولا وجود فيه ل "راس المال"، فيه اذا عظمت "حزب شيوعي لااشتراكية ديمقراطية"(1)، من دون أي تحليل للواقع العراقي، ولا للسوري، اوحتى المصري، مع ان الاستثناء الأخير هنا تتولد عنه نتائج مقلوبة(2)، ليس لمنطقة الشرق المتوسطي ماركسها مثلما كان لروسيا لينينها/ ماركسها وللصين ماركسها ماوها، والجزء او المكون الماركسي من الماركسية العربية ان وجدت، ممحية تماما، أي ان ما حصل هو إقامة أحزاب على نمط يستوحي ماركس الروسي، بناء لتخريجات مابعد ماركسية، في منطقه لم تعرف أي شكل من اشكال التبلور البرجوازي، بنيتها التاريخيه والمجتمعية الحضارية لاعلاقة لها بالمسار الذي يفترضه ماركس للتاريخ بحسب المادية التاريخية، وآخر دورات حضورها التاريخي حدثت في القرن السابع مع ثورة الجزيرة العربية، ومحمد بن عبدالله، وبالذات ماقد احدثته وساعدت عليه من ايقاظ الاليات الحضارية المتوقفة في ارض الرافدين منذ الاحتلال الفارسي وسقوط بابل، الامر الذي حول ثورة العقيدة والفتح الجزيرية المحمدية، الى مشروع كوني امبراطوري، استمر حيا عمليا حتى القرن الرابع الهجري، حين اعلن عن انغلاقه وبلوغه نهاية ممكناته مع "الغيبة"، ومبدأ "الانتظارية" أي الإحالة الى دورة قادمة ثالثة.
من يومها غاب محمد سوى كعقيدة تتجلى بحسب الاشتراطات المحلية للأمم الشرقية، وصار بعد نهاية المشروع العملية مع سقوط بغداد 1258 مجرد استعادة مستحيلة جسدها ابن تيمية ممثل "اسلام الانقطاع الحضاري والانهيار"، يوم حل نمط من التوهمية وغياب الحاضر الحي، وطغى على هذا المكان الفعال كونيا، ليتحول في القرنين الماضيين الى استعارة لحاضر وشفرة زمن وواقع اخرين، تحول معها الانسان الفاعل، الى ممثل على المسرح يحفظ دوره كما يقدم له، ضمن مناخات غالبة وطاغية عالميا على مستويي النموذج والمفاهيم، تجلت بصيغ مختلفة مفبركة من القومية، والماركسية، والليبرالية، وشتى صور واعتقادات مايعرف بالحداثة.
في القرن التاسع عشر زمن ماركس، كان معادله الافغاني رجل الدين الذي قد يتهم ب " العبقرية" والعقل : النبوي (3) وأيضا محمد عبده، ورشيد رضا اللبناني العراقي الأصل المساهم الأكبر في تاسيسات الاخوان المسلمين عبر مجلته التي أصدرها في القاهرة "المنار"، بالمقابل يقف محمد بن عبدالوهاب مصرا على بعث المحمدية في غير زمنها، باسم طبعة ميته من العقيدة، وقد صارت ذهابا الى الوراء، بدل النظر الى الأفق كما كان النبي محمد يستشرف وهو في معركة الخندق، وعلى وقع شرارة فاس، وكانه ينال "عرش كسرى"، واذن فلقد كان قرن ماركس الأوربي، قرن الاحيائية الإسلامية يتياراتها المختلفة، بينما لااثر لماركس الأوربي على ضفة المتوسط الشرقية.
لم يكن متوقعا لمنطقة الشرق المتوسطي ان تكون ماركسية، تعيد صياغة ماركس كما فعل الروس او الصينيون ضمن اشتراطات العقلانية الكونفوشيوسة الشرقية، والراسمالية الطرفية المتاخرة عن الاوربية في روسيا نصف الاسيوية، والتي ستضفي على الماركسية نزعة الاستبداد الشرقي "اللينيني/ مالعمل" فالامر مختلف هنا كليا، ومقابل ماركس الطبقي الأوربي ثمة ماركس مقابل مجتمعي، صادر عن الانشطار المجتمعي الازدواجي، لاعن الانشطار الافقي الطبقي الأوربي، وهذا كان مايزال، وبقي الى اليوم غائبا، بانتظار تبلورات اشمل من تلك التي طرات على الغرب ابان ثورته الصناعية، وفتح باب الانتقال من الإنتاج اليدوي، الى المنتجية الالية.
وماركس الأوربي هو منتج حداثي غربي اولي، ومن ابرز علامات ظاهرة تميزت بالمبالغة، وبالعجب بالمنجز، وتصويره وكانه مالاقبله ولابعده، وسواء تعلق الامر بقاعدة الاحتكام ل "الواقع"، او مايمكن "التحقق من صوابيته"، فان مايعرف بالعقلانية الغربية، قد اغفلت حقيقة تأخر الإحاطة العقلية بالظاهرة المجتمعية، ومايعرف بالواقع لالاف السنين، وفي اوربا على مدى اكثر من الف وخمسمائة عام، غلبت خلالها هناك منظورات ليس من انتاجها، ولاهي مصدرها، تمثلت بالابراهيمية بقراءتها المسيحية، او الثانية، هذا علما بان ان "علم الاجتماع" والنشوئية الدارونية، قد عرفا في القرن التاسع عشر، أي بعد مالايقل عن عشرة الاف سنه على الأقل قبل الانتقال الى المجتمعية، من زمن اللقاط والصيد، مايتطلب تأنيا على هذا "الواقع" قبل القول بالاحاطة التامة به، وفي الحكم على المنجز الحداثي بالذات، على الأقل بمحاولة الاحتياط، والنظر اليه على اعتباره بداية جديدة، وليست نهائية او مكتملة، كما ليست اكيده، وهنا تصبح العقلانية الغربية الحديثة، اقل عقلانية بكثير مما تدعي، او مما يلحق بها من اوصاف.
ويبدو الغرب على صعيد اخر اكثر خرافية مما يدعي بكثير، على الأقل من زاوية كونه لم يمنح نفسه الفرصة كي يتاكد مما قد حل عليه من انقلاب هام، ترافق مع الانقلاب الصناعي والانتقال من الإنتاج اليدوي الى الالي، ومع اعتبار هذه الخطورة مستقلة بذاتها، وجدت كحقبة يذاتها، فان مرجعية مثل هذا الحكم، تكون عندها ماضوية، ومستمدة من وخاضعة لتجربة تاريخية سالفة، تمثلت اليوم في الانتقال الى الآلة، بعد الاف السنين باعدت بين المنجز الأول الانتاجوي اليدوي، والمنجز الحالي الالي، لهذا غابت إمكانية متصلة بالمنجز الراهن ومنطوياته، وبالأخص منها التكنولوجية الموصولة بالالية والمكملة لها، او بالالية كمرحلة غير من حقبتين، ومتضمنه حتمية الاستكمال بالانتقال التكنوليوجي.
ذلك كان سيعني لو انه كان ممكنا عقليا، ان ينظر للطور الالي باعتبارة مرحلة من حلقتين : الأولى الية مصنعية، والثانية تكنولوجية معرفية. وهنا يكون ماركس احد من توهموا كثيرا الذي أوقف تصوراته عند الطور الأول من الانتقال الالي التكنولوجي، ليبني والحالة هذه سياقات للتاريخ والمستقبل أساسها الماضي وظلاله، مع حاضر منتقص لم تكتمل ممكناته بعد. لقد وجدت مؤخرا اراء تفنيدية للماركسية بنيت على قاعدة انتهاء الطور الصناعي والمصنع البروليتاري البرجوازي، وهذا شيء، والذهاب الى تفحص الاليات الناظمة للعملية الانتقالية الى الصناعة والمنتجية الالية بمداها الكلي شي اخر، فماركس بناء على الاعتقاد الثاني، هو وكل الحداثة الغربية، ينتمي لنمط من التفكير القاصر بإزاء حالة وظاهرة انتقال تاريخي لم يتسن للحداثين وقتها ان يروا سوى جزئها الافتتاحي. 
ومثل هذا المظهر كاف لكي يضع منجز العقلانية والماركسية الاوربي الحديث، ضمن وضع او حالة تخرجها كليا عما هو معروف الى اليوم عنها، مع مايترتب على مثل هذا التعديل الضروري في زاوية النظر لظاهرة خطيرة وضخمة كهذه من انعكاس على مجمل الوضع الكوكبي، ومايتعلق باجمالي نوع وحركة المفاهيم والأفكار في الطور الأخير الحداثي عالميا، مع الاخذ بظر الاعتبار المترتبات الهائلة والخطيرة المتعلقة بذلك.
هذا غير قصور الماركسية "ماركسيا" و "دياكتيكيا" وتوقفها دون رؤية نفي الصراع الطبقي، للصراع الطبقية نفسه بحكم قانون التراكم الكمي والتحول الكيفي.
ـ يتبع ـ 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الهوامش ستترك للحلقة الاخيره.