اليسار السوري إلى أين؟ هامشية سياسية وحضور ثقافي أغنى

كريم أبو حلاوة: يلحظ الباحث المهتم بشؤون وأوضاع التيارات اليسارية مفارقة تستحق التفكير، وهي أنه مقابل الحضور الهام والمتميز لليسار العربي ثقافياً وفكرياً، إلا أنه بقي هامشياً وتابعاً بالمعنى السياسي. فضلاً عن قابليته الكبيرة للانقسام. ومثل غالبية الأحزاب العربية لم تعرف الحياة الحزبية الداخلية لليسار السوري أي مرونة وديمقراطية في الحراك والتمثيل، ولا في الانتخابات الداخلية أو العامة، وهذا تقليد موروث من أدبيات اليسار العالمي عموماً، الذي يمتلك مواقف مسبقة من كل أشكال الدمقرطة بدعوى أنها ليبرالية وغربية وصورية … إلخ.

أما موضوعياً، فإن مستوى تطور البنية الاجتماعية قد غلب عليه طابع العلاقات الزراعية وأنماط الملكية الفردية للحيازات الزراعية إلى جانب ضعف الإنتاج الصناعي وغلبة طابع الخدمات على الإنتاج السوري، ما يعني أن الأنصار العضويين لأفكار وتنظيمات اليسار، وهم العمال، لا يشكلون سوى نسبة قليلة من أفراد المجتمع. مع إن تاريخ الحركات الفلاحية في سورية يبيّن أن الفلاحين في غالبيتهم العظمى ينتسبون إلى الفئات والشرائح الكادحة في المجتمع السوري.

وعلى صعيد السيكولوجيا الجمعية والطابع الغيبي للذهنية السائدة، يمكن فهم دوافع مقاومة الأفكار اليسارية والثورية ذات الطابع التغييري، ذلك أن الذهنية الإيمانية والقدرية تعتبران التفاوت في الغنى والفقر أمر طبيعي لا يحتاج إلى تعديل، فالدنيا نصيب، ويمكن من خلال التبرعات والصدقات والزكاة التي يقدمها الأغنياء للفقراء أن تقلص الفوارق وتحسن الأوضاع، لكنها بالتأكيد لا تستطيع إلغاء الفوارق الطبقية ولا العوامل الموضوعية لتوزيع الثروة وامتلاك وسائل الإنتاج، باعتبارها هي العوامل المفسّرة لوجود الفقر المدقع والغنى الفاحش في مجتمع واحد.

ومقابل الحضور الهامشي لليسار السوري بالمعنى السياسي، لا بدّ من ملاحظة ألقه وتفوقه فنياً وثقافياً وتميزه فكرياً. وليس أدل على ذلك من مؤلفات وكتابات بو علي ياسين، وياسين الحافظ، وإلياس مرقص، وأدونيس، ومحمد الماغوط، وسعد الله ونوس، وممدوح عدوان، ومعها كتابات صادق العظم وطيب تيزيني وياسين الحاج صالح قبل أن يتخذوا مواقف ملتبسة ومن ثم منحازة في فهم وتفسير “الحراك” والأحداث التي جرت في سورية بعد عام 2011. فإنتاج هؤلاء في مجالات الفلسفة والفكر والأدب المسرحي والروائي المتنوع وبسويّة فنية عالية شاهدٌ آخر على الهامشية السياسية لليسار السوري مقابل تفوّقه الإبداعي.

ولعلّ ما يفسر ذلك جزئياً أن معظم المثقفين السوريين من ذوي الميول اليسارية هم في غالبيتهم ممن تركوا الأحزاب الشيوعية واليسارية أو لم ينتسبوا إليها أساساً، لكنهم في توجهاتهم الفكرية والفلسفية ورؤاهم الثقافية أقرب إلى اليسار من خلال استلهامهم لقيم العدالة ومقاومة الظلم ونظرتهم المساندة للتغيير الاجتماعي والسياسي والقيمي. فمواقف اليسار العربي عموماً من التراث مثلاً، مكّنت بعض من أبرز قرّاء التراث من إعادة التفكير فيه، وبناء صورته الفعلية أو المتخيلة استناداً إلى ميل راديكالي تجاوزي مستلهم من بعض اللحظات الإسلامية، ومن ثورة القرامطة والزنج، ومن كتابات المتصوفة كالحلاج وابن الفارض والخيّام والسهروردي وابن عربي، وبعض أفكار المعتزلة وعلماء الكلام، وصولاً لكتابات ابن رشد العقلانية ونقده العميق لأفكار الأشاعرة والتيار النقلي السلفي تاريخياً. مثلما عبّر مفكرو عصر النهضة العربية مثل سلامة موسى وفرح أنطون ومحمد عبده ومن ثمّ طه حسين ونصر حامد أبو زيد والجابري وعبد الإله بلقزيز ومهدي عامل وحسين مروة وجورج طرابيشي وغيرهم، والذين وظفوا وبدرجات متباينة مناهج النقد الحديث لإعادة قراءة التراث العربي من وجهة نظر حداثية. أي أن هذا التباعد عن المواقف الإيديولوجية لأحزاب اليسار العربي تاريخياً وراهناً قد أعطى هؤلاء المفكرين هوامش أوسع للتفكير والتعبير خارج القوالب الإيديولوجية المسبقة، وأعطى لمساهماتهم بعداً تجاوزياً يقع في صميم فلسفة التغيير.

لكن التفاوت في أداء اليسار بين المستوى السياسي والمستوى الاجتماعي والثقافي، يحيل على خلل وقصور أبعد من الالتزام الحزبي التنظيمي والتقيد بالمبادئ والشعارات، ليصب في خانة قصور تيارات اليسار عن متابعة التطورات الفلسفية والفكرية التي طرأت على الماركسية، سواء على يدي غرامشي ومدرسة فرانكفورت النقدية، عند كلّ من أدرنو وهابرماس وأريك فروم، أو التجديدات اللاحقة على انهيار المنظومة الاشتراكية والتي تحدثت عما وراء الشيوعية والرأسمالية، وانحازت إلى مقولات الديمقراطية الاجتماعية ودولة الضمان الاجتماعي والرفاه، وصولاً إلى أطروحات الطريق الثالث التي دعت إلى إعادة النظر بأدوار الدولة والمجتمع المدني والأسرة، ونقد البعد الإيديولوجي المسيطر على فهم اليمين واليسار لهذه الأدوار كما تجلّت في كتابات “أنتوني غيدنز” في تنظيره للطريق الثالث والذي يدعو فيه لإعادة تجديد الديمقراطية الاجتماعية بوصفها النموذج الواقعي والممكن لتحقيق العدالة الاجتماعية بمعناها الأعمق.

وليست التحولات التي أصابت الاقتصاد العالمي وانكشاف دعاوى الليبرالية المتوحشة وازدياد الاستقطاب والتفاوت بين الأغنياء والفقراء محلياً وعالمياً سوى ظروف موضوعية يفترض بها أن تجدد دماء الحركات اليسارية عالمياً وتمنح للتيار النقدي اليساري الكثير من الوجاهة والمشروعية في مواجهة أشكال الخلل وتزايد الاستغلال والعبوديات المعاصرة والتي أخذت تلقى العديد من أشكال الاحتجاج والمقاومة في المراكز الغربية نفسها.

هذه العوامل مجتمعة، إضافة إلى التضييق على العمل السياسي وهوامش الحريات المتاحة والقمع والسجن الذي تعرضت له كوادر اليسار في سورية ومصر بشكل خاص، تفسّر ضعف اليسار العربي عموماً والسوري على نحوٍ خاص، وهي إلى جانب الانقسامات الإيديولوجية والتناحر العقائدي وضعف تجديد بنى ومقولات أحزاب اليسار أسهمت في تكريس ضعفه وبقاءه جزراً معزولة في المحيط التقليدي المحافظ عربياً، فضلاً عن تدني قدراته السياسية والتنظيمية في مواجهة مد الإسلام السياسي الذي أعاد إنتاج البنى الاجتماعية والسياسية المحافظة والتقليدية بصورة كاريكاتورية أشبه ما تكون بما أسماه مهدي عامل بالحداثة الرثة أو ما نسميه بالأدبيات السوسيولوجية المعاصرة بحداثة التخلف ذات الطبيعة السياسية المحافظة والعلاقات الاجتماعية المحدثنة شكلاً والتقليدية مضموناً ووظيفةً وأداء.

لكنّ الدلالة الأكثر سلبية من وجهة نظر التحليل السوسيولوجي برأينا، تكمن في غياب الشباب والمرأة وضعف تواجدهما في ساحات اليسار، مع ملاحظة امتلاك اليسار بمختلف أطيافه لتصورات تنتقد الثقافة الأبوية السائدة وتعلي من مكانة المرأة في المجتمع وتدعو إلى تحررها وتمكينها، أي أن الطاقة المستقبلية الشبابية والبشرية التي تنتسب أو تملك ميولاً يسارية آخذة في النضوب والتلاشي، وهي ظاهرة تستحق التحليل وتستدعي مراجعة تجارب اليسار السوري نقدياً وبصورة شجاعة تكفل التعرف على نقاط الخلل والضعف والاعتراف بأشكال التقصير المتعددة فكرياً وتنظيمياً وسياسياً، وإلا سيتحول اليسار السوري بمختلف أطيافه وتلاوينه ورموزه إلى مجرد إرث أو ذكرى لا مكان لها في التقاط التغييرات والتحولات المجتمعية ولا في التعبير عنها والنطق باسمها. وهو أمر سوف يفقر الحياة السياسية والثقافية السورية التي تكاد تخسر أحد مكوناتها الذي امتلك في لحظات فاصلة الكثير من الدينامية والحيوية، وما انفك يبشر بغدٍ أفضل.

الجدلية