الصراع الطبقي يلغي ذاته/ "التحولية" والماركسية واليسار الشرق متوسطي/2

Submitted on Fri, 06/07/2019 - 21:39

عبدالاميرالركابي
عند اكثر من مفصل تصير عبقرية ماركس الأحادية مجتمعيا عاجزه عن التلاؤم مع ذاتها، وغالبا مايصبح ماتقوم هي باكتشافه دالا على عجزها عن مواكبته، ونحن نعرف بما يخص صراع الطبقات ونهاياته، وكذلك تطور وسائل الإنتاج، ان ماركس تصرف بطريقة متناقضة مابين تأكيده بان الظواهر تخضع لديالكتيك الكم والكيف، وبين الخضوع للتكرار والثبات التاريخي بالالتزام بما قد انتهى وقته وزمنه، من قبيل على سبيل المثال اعتقاده بان الصراع الطبقي في الطور الراسمالي، ينطبق عليه نفس قانون الصراع المماثل في الطور العبودي بين العبيد والمالكين، او الاقطاعي بين الفلاح والاقطاعي، وان حل الصراع عند العتبة الأخيرة، سيخضع لاليات التعاقب الخماسي التاريخي، من البرجوازية الراسمالية، الى الشيوعية.
والغريب ان ماركس هنا، لم يخطر له على الاطلاق احتمال ان يكون تاريخ الصراع الطبقي المتعاقب وتراكمات التاريخ الاسبق، يمكن او قد يصل حد حلول ساعة التغير النوعي ضمنه وفي تضاعيفه، بحيث مثلا لايعود الصراع الطبقي طبقيا، بل "مجتمعيا"، ومتعلقا ومنصبا على الظاهرة المجتمعية نفسها، لاعلى ماتنطوي عليه من مكونات انشطارية طبقية بحتة، عدا ذلك وفي سياق متصل، يجانب ماركس تطبيق القانون نفسه على وسائل الإنتاج، وبالذات اشكال واليات الانتقال من الإنتاج اليدوي الى الالي، فيذهب لمشابهتها ببعضهما، مستبعدا لابل غير معترف، باحتمالية ان يكون طور التحول الثاني، متلائما هو أيضا مع نفس مايطرا على الصراع الطبقي من تغييراو يتسبب به، بحيث يصير الانتقال الثاني، ثنائيا ومزدوج العتبات او اللحظات، كأن يكون كما هو الحال الحاضر، من جزئين، الأول آلي صناعي مصنعي، والثاني تكنولوجي معرفي عقلي، بحيث تصح عليه تسمية من نوع الطور ( الصناعو/ لوجي).
وماركس بهذه المناسبة ليس فريدا، فالانسان كما واضب هو على التنبيه مرارا، خاضع في الغالب لحكم العادة القاتل، ذلك ناهيك عن وطاة التكوين والنمط المجتمعي الذي هو منه وينتسب اليه، والمقصود هنا النمط الأحادي حتى باعلى اشكاله دينامية وارقاها، كما المجتمع الطبقي الأوربي. ومع واجب الاعتراف بضخامة الاختراق الذي تحقق على يده هو رفيقه انجلس، فان بقايا متوقعه وخطيرة من مخلفات محدودية العقل ضمن محيطه المجتمعي، وضمن وتيرة التاريخ وقوة التكرارية، لم يكن من المتوقع اختفاؤها كليا، ولان ماركس كان قريبا من القرون المسماة بالوسطى، فلقد كان متوقعا له ان يعجز عن رؤية اللحظة التي هو منها كاملة، وبشمولها المستجد وخباياها، ومع تركيزه على عظمة وخصوصية المنجز البرجوازي الابتدائي الصناعي،خصوصا لجهة الثورة الكبرى في الطاقة الإنتاجية، وفي قوة اكتساح ماقبل من اشكال الماضي، الا انه توقف عند اليات الحقبة التي عاشها في حينه، لينغمس في المفاعيل الناجمه عن الثورة الالية المعملية، فلم يتصور باي حال احتمال ان يكون ماهو فيه، ومايعيشه، انما يمثل عتبة لها مكمل مرتبط بها، يظل ناقصا من دونها. وماركس كما يقول هو نفسه لم يكن مكتشف "الطبقات" فقد عرفت قبله، لكنه اكتشف صراع الطبقات بصيغته الناقصة، وبالاحالة الى نماذج ماضية، لاعلاقة لها باللحظة البرجوازية المكونة من فصلين متلازمين، لاتفريق بين محطتيها.
هذا النقص في الرؤية الأساس، جعله يذهب لصياغة كل نظريته الانية عن الصراع الطبقي ومآلاته المفضية لانتهاء الطبقات، وهو بهذا انما كان يضع نفسه ضمن لحظة عابره ضمن التحول البرجوازي، وبازاء وحدة العملية التاريخية المتحققة في حينه أولا، وجهله بمقاصد التاريخ والمجتمعية المتعدية للنطاق الطبقي والطبقات، الى المجتمعية نفسها، وذلك جانب ابعد كامن في العملية المجتمعية ومضمر فيها، وكان مايزال خارج الاستيعاء العقلي الإنساني، وهنا تتلازم فصول الطور الحالي البرجوازي بشقيه، الالي والتكنولوجي معرفيا، وكما كانت العتبة البرجوازية الاليه الأولى قد استثارت واوجبت فتوحات على المستويات كافة، وفي مقدمها علم الاجتماع، فانها قد أبقت تلك المنجزات الافتتاحية ناقصة وانتقالية، مابين المرحلة الأسبق الاقطاعية القرو وسطية، وبين مايعقبها ابان زمن التحول التكنولوجي المعرفي.
بهذا تكون نظرية ماركس نظرية الطور البرجوازي الالي، او القسم الأول من تلك الثورة، ومحدودة بحدودها، ومكتوب لها ان تتوقف عن الحضور او الإيحاء بالفعالية، او الممكن الانقلابي الثوري، عند نهاياتها وبدء حلول القسم الثاني من العملية الانتقالية الموحدة، والمميزه بحضور الانتقالية المجتمعية، و "التحولية" المتضمنه الاشارة الى الزمن مابعد المجتمعي الجسدي وحلول افاق الزمن العقلي.
واذن فان ماقد حصل على مستوى الكوكب، ومنذ منتصف الالفية الثانية هو:
1 ـ تحقق وحدة العملية التاريخية على ضفتي المتوسط.
2 ـ الثورة البرجوازية بفصولها الثلاثة:
ا ـ التجاري.
ب ـ الصناعي.
ج ـ التكنولوجي المعرفي.
والطور الصناعي ستقابله نظرية ماركس في صراع الطبقات والثورة الطبقية، كما نظرية النشوء والارتقاء بحالتهما الأولية الناقصة، الأولى المنصبة على الطبقات، من دون المجتمعت، والثانية المركزة على الطور الأول الحيواني من صيرورة الكائن الحي، مع اغفال الطور الثاني العقلي منها.
في حين تحل "التحولية" اليوم ومن هنا فصاعدا، بداية كاطار تحليلي تصوري لمستجدات العالم والمجتمعات البشرية ومصير الانسايوان، وفي حين تتوطن النظريتان الماركسية والدارونية في القسم الغربي الأوربي من المتوسط، فان "التحولية" ولأسباب بنيوية تاريخية وبدئية، سيكون موطنها الفعال العالم الشرق متوسطي. على اعتبار اتفاق متضمناتها أصلا مع كينونة وشكل وطبيعة البنى في الموضع المذكور.
فهل يقبل اليسار الشرق المتوسطي مثل هذا المآل، حيث الصراع الطبقي انتهى الى الاختفاء في اوربا نفسها، وان الثورة في وسائل الإنتاج قد احلت الصراع المفضي الى اللامجتمعية مكان أي شكل من المتغيرات المنتمية الى المجتمعية، ومنها الاشتراكية والشيوعية، وهذا الجانب كان واضحا واقعيا أصلا، يوم لم تتحقق الاشتراكية او اي شكل منها اوربيا حيث نشات، وحيث تاسست الماركسية ببعدها الانقلابي الثوري، وجرت اشكال من محاولات استلهامها في المواضع التي تعاني نقصا بنيويا، وتاخرا في النمو الراسمالي كما الحال في روسيا وغيرها من مواضع الاستلحاق البرجوازي، والرغبة المحمومة في اقتناص الفرصة، مع مايوحي باهداف تناقض الراسمالية الاوربية خصوصا في وجهها الامبريالي، سعيا لاغلاق الهوة التطورية بمقابل اوربا الغربية، بالارادوية والتخطيطية، والدور الحاسم للانتلجنسيا( مع كل مايمكن تصوره من تخريجات ادخال الوعي للطبقة البروليتارية من خارجها، وهي موضوعه لها أصول ماركسية تاسيسية)، كما كان من الممكن للنين ان يفعل مؤقتا، ولحين انقضاء فعالية الفصل البرجوازي الصناعي، وهو ماقد بدات علائمه تلوح من ستينات القرن العشرين، وشرعت نتائجه الأولية بالظهور مع أواخر القرن باختفاء البنية الارادوية الاشتراكية، وزوال اكبر واهم ظواهرها،الاتحاد السوفياتي، وانكشاف الوجه البرجوازي الراسمالي لمسار العملية المماثلة من نوعها في الصين.
مع وحدة وترابط اللحظة الأخيرة من التطور( المصنعية / التكنولوجية المعرفية) يدخل العالم وتاريخ الطبقية طور التحول الكيفي اللاغي للصراع الطبقي السالف، على المنوال العبودي الاقطاعي، لينفتح التاريخ كونيا على مغادرة المجتمعية، بما ان طبيعة وسيلة الإنتاج الأخيرة، تناقض البنية المجتمعية الجسدية التي ظلت طاغية منذ انتكاسة عملية التحول الأولى البنيوية الرافدينية، بفعل افتقادها للعامل المادي للتحول، وهو ماكان حصل في الطور السومري للمجتمعية اللاارضوية، الامر الذي تغير اليوم كليا مع توفر أسباب التحول المادية إضافة للبنيوية المستمرة بالحضور والتجدد في ارض الرافدين، وبالتفاعل مع محيطها الشرق متوسطي، حيث احتشاد الانماط المجتمعية الثلاثة.
وبهذا يكون العالم اليوم قد عرف للمرة الأولى، المجتمعية اللامجتمعية، اللاارضوية، القائمة والمتجددة منذ بداية المجتمعات، والوسيلة المادية، مع نوع وسيلة الإنتاج المطابقة لها واللازمة لتحقق انتقاليتها المنتظرة منذ بداية المجتمعات، وهو مايعني من الوجهة العملية، وعلى المستوى "الاممي"، انتقال الفعالية المطابقة للمنطوى التاريخي، من الحيز الأوربي التحولي التقني، الى الشرق المتوسطي حيث القاعدة البنيوية للتحولية، بما يعنيه ذلك من انقلاب شامل في المفاهيم والرؤى، وفي نوع المقاربات الموكوله لمن يتصدون لمهمة، إرساء أسس المنظور التحولي من هنا فصاعدا، والتاسيس لما يطابقه ويستجيب لمقتضياته من وسائل عملية، ربما يكون اليسار في المنطقة المذكورة معنيا به اكثر من غيره.
ـ يتبع ـ