تكنولوجيا المصنع والتكنولوجيا -التحوليّة-/ -التحولّية- والماركسية واليسار الشرق متوسطي/3

Submitted on Sun, 06/09/2019 - 18:42

عبد الأمير الركابي
يؤسس ماركس نظريته على جملة من التبسيطات، ومع تكرار خاصية قصور القدرة العقلية على الإحاطة بالحقيقة المجتمعية والتاريخية، ونحن هنا بلا ادنى شك امام حالة من قوة الرغبة لدى مؤسس الماركسية، فضلا عمن اعتقد بنظريته، بحصول انقلاب "يوتوبي"من نوع مادعى له ماركس، يحقق العدالة المجتمعية، ويساوي بين البشر، فاذا اسبغ على دعوة كهذه ماقد صار وقتها "علما" او "علميا"، فان عناصر مثل هذه الفكرة الحركة، تصير كانها منتسبة للمكن :"كان الفلاسفة في الماضي يفسرون العالم، وقد ان الأوان اليوم لتغييره" ولانريد الغوص او التشعب في المناحي الكثيرة التي ترهن الفكرة التغييرية الجديدة للقوانين والحتميات المفترضة، مشفوعة بالوعي والإرادة والعنف قابلة التاريخ.
وبالعودة اليوم لماقد ارتكز اليه ماركس معتبرا إياه ثوابت نهائية، نعثر على جانب اعتقاده بوحدانية الأنماط المجتمعية من جهة،وتصوره المبسط عن حقيقة الطور الانتقالي الأول الإنتاجي اليدوي، وقد فاته كليا هنا، ان يجد فارقا بين طور "التجمعية"، وطور "المجتمعية التحولية"، وهو ليس مسؤولا بالطبع من هذه الزاوية عن مثل هذا الاعتقاد، او التصور، فالامر على هذا الصعيد يخص طاقة العقل الانسايواني حتى حينه، أي حدوده التي كان قد بلغها، بناء على ماسبق وكررنا التنويه به من مفارقة موضوعية، بين الطاقة العقلية المتاحة للكائن البشري، والظاهرة المجتمعيه ومامودع فيها من خاصيات وحقائق أساسية، ويمكن ان نفترض هنا وبناء على مايتمتع به ماركس من المعية، بان تغييرا أساسيا في وجهة محاكمته للطور البرجوازي الصناعي،كان متوقعا حصوله، لو تسنى له ان يقرأ كيف ان عملية الانتقال الأولى الى الإنتاج اليدوي، مرت بطورين، الأول تجمعي، والثاني تحولي، وانهما كانا بمثابة طور واحد، او هكذا ظلا يبدوان حتى اليوم، وله هو بالطبع في القرن التاسع عشر، وتلك خاصية من شانها ان تقلب مخطط المادية التاريخية، او تفرض عليه تعديلا جوهريا.
ولو تسنى لماركس ان يقرا الثورة البرجوازية التي يعيش بكنفها، باتساع مداها الثنائي، بجزئيه المتلازمين عضويا، لتوقف عن ان يقترح حلولا من نوع تلك التي اعتمدها، وقرر بموجبها وبناء على الأحادية، او على التجزئة القسرية لظاهرة موحدة، لم يكن يظهر منها في حينه سوى فصلها الاول، أي مايظهر وكانه إمكانية وضرورة الانقلاب الطبقي الثوري، ولا داعي والحالة على ماذكرنا ،لان ننوه بما كان متوقعا من محدودية افق النظرية المذكورة من ناحية، وطابعها الظرفي القاصر قياسا لمنطويات زمنها الذي وجدت عند بداياته، وعجزت عن رؤية افاقه ماوراء الطبقية، المجتمعية، لقد وجدت المجتمعية بالاصل وبحالتها التحولية الاكمل في سومر، وعلى مستوى الشرق المتوسطي، من خلال احتشاد الأنماط الثلاثة، عبورا الى الضفة الأخرى الاوربية حيث الانشطار المجتمعي الطبقي، ومااشتمل عليه المشهد البؤرة الكونية التحولية المذكور من تفاعلية تاريخية، وجدت منطوية على حقيقة أساسية وناظمة لوجودها ضمن مسارات النشوئية والارتقاء، نحو اللامجتمعية وماوراءها. والعملية التاريخية المذكورة، تنطوي على مايتعدى العامل الصراعي الطبقي المميز للنمط الأوربي، الى مايتعداه، فالثورة البرجوازية التي تكرس بقوة الجانب الطبقي المكون للمجتمعية الاوربية، ماتلبث ان تنتهي بإلغاء العامل المذكور، بالعبور منه نحو المحرك المجتمعي والتحولية المجتمعية، بحكم نوع وسيلة الإنتاج التي ينطوي عليها، ويتمخض عنها الانقلاب البرجوازي، اذا اخذنا بالاعتبار،لحظتية، المصنعية، والتكنولوجية المعرفية اللاغية للمجتمعية، طبيعة وممكنات. 
في الشرق المتوسطي، وعلى الرغم من الانعكاسات الطاغية التي حلت على المنطقة ضمن شروط نهايات الطور الانقطاعي الثاني، بعد الدورة الكونية الثانية الجزيرية الإمبراطورية العباسية القرمطية، وعلى وقع الظاهرة الكوكبية الحداثية البرجوازية، فقد ظل هذا المكان من العالم خارج التفاعليه الواقعية، في حال قارناها بالثورة البرجوازية الروسية عام 1917 بعباءة "اشتراكية"، ومثيلتها الصينية، او حتى الاشكال التي عرفتها بلدان اوربا الشرقية الأضعف نموا راسماليا، وتلك من دون شك ثورات كبرى، غير عادية، ومن نمط خاص ضمن الانقلاب البرجوازي، تطلب من قائديها العظيمين لنين وماو، طاقة وقدرات استثنائية على الاقلمة والتحوير اللازم لنظرية غير قابلة بالاصل للتطبيق في ارضها، ومكان نشاتها، لاسباب عضوية، بغض النظر عن القصور التوهمي غير المطابق لطبيعة اللحظةـ ماخوذة بافقها المادي الاستكمالي الفعلي.
هذا مالم يكن أي درجة او قدر منه قد توفر وقتها في الشرق المتوسطي وامتداداته الافريقية، فلا أساس يذكر هنا لتحول برجوازي، بالاخص على مستوى الاليات الناظمة للبنى المجتمعية، بغض النظر عن الانعكاسات الاقتصادية الغربية الحديثة، والفبركة الاستعمارية او الحداثية التوهمية لواقع لاوجود له، حتى مع وجود اغنياء وفقراء، او مصانع، وخطط اقتصادية مبنية كلها وفق تخيلات، لاتسندها سيرورة تاريخية وبنيوية، اريد لها ان تعمل بالضد من الحقيقة التاريخية والبنيوية "التحوليّة"، الناظمة الأساس لحركة المجتمعات والتاريخ في هذا الحيز من العالم، بغض النظر عن تخيلات التحاق العالم ابرمته قسرا بالثورة البرجوازية، او وحدانية وجهها، ونموذجها او مآلها، واحتمالية ماينجم عنها، ومايعقبها.
وجدت أحزاب شيوعية لينينية بدون الاشتراطات التي استندت اليهااللينينة وهي تحورالماركسية غير القابلة للتطبيق في مكان نشاتها، وكانها وجدت في خدمة مواضع خارجه ارضها، هيأت لها أسباب الالتحاق بالراسمالية تحت وهم اشتراكي، فادت مهمة، سابقه على التحول نحو الراسمالية بوسائل غير عضوية، تغلب عليها الارادوية التخطيطية، فرضتها ظروف التاخر النسبي، والبنية نصف الشرقية، بينما العالم الشرق متوسطي الذي لم يعرف ماركس ابتداء،قد فاته ان يعرف، لينين وماوتسي تونغ او حتى كاسترو( الا اذا اعتبرنا بحسب الحزب الشيوعي العراقي صدام حسين كاسترو العراق ؟؟؟) والبقايا او التمخضات المتبقية من الدورة الثانية المحمدية المنطلق، والامبراطورية العباسية القرمطية المآل، على تشوهها، ظلت هي وبعض التوليفات القومية المنقولة، ارسخ بما لايقاس، واكثر حضورا وفعاليه، ماكان ومايزال دالا على استمرار فعل الاليات التاريخية الخاصة، أي تحت وطاة الانقطاع التاريخي الثاني، بغض النطر عن الظاهرة الغربية، وحداثتها الكاسحة مفهوميا ونموذجا. 
قامت "الشيوعية" الشرق متوسطية، بلا ماركس ولا لنين، ولا حتى ماو، بررتها لحظة صعود الغرب وثورته البرجوازية الحداثية ومفاهيمها، وضغط استعماره، ونموذجه، واستمرار زمن الانقطاع الثاني، وانعدام التعبير عن الذات الذي لم يكن اوانه قد حان، فكانت ذهنية بحته، وافتراضية، بررها ضمن البنية القائمة، ملمح المساواتية العريق الحاضر في بعض الأحيان بقوة، كما الحال في كيان الازدواج العراقي، حيث مجتمع اللادولة التاريخي، وقد وضع في حالة احتدام مصيري بفعل حضور الغرب الاستعماري، متسلحا باخطر هجوم انقلابي بنيوي، تاسس على إرساء بنى "دولة" مفبركة،وقانون هدفه تغيير للعلاقات الإنتاجية، من المساواتية التاريخية، الى الاقطاع البراني المفبرك، المصنوع مثله مثل الدولة التي أقيمت باعتبارها وسيلة تامين "الحكم من وراء ستار"، أي الشكل المبكر الأول، لما صار معروفا بعد أربعة عقود ب "الاستعمار الجديد". فاذا تجلى وجود حزب شيوعي بسبب الضرورة الانية، والمؤقته، فانه لم يسلم من تناقض الوسيلة المستجدة الانية المستعارة من خارج البنية، وبنيتها الافتراضية "حزب مالعمل" اللينيني مع بنية وطبيعة مجتمع اللادولة التحولي الرافديني.
يعتقد من يسمون انفسهم ب "الشيوعيين" بعمق دال على مستوى الجهالة، بانهم قوة المستقبل، المتوافقه مع حركة التاريخ و "قوانينه"، وتلك بالطبع تصبح في منطقة الشرق الأوسط نوعا من الايمانية النصوصية المنفصلة عن الواقع، حتى انها يمكن ان تلحق بنمط من الصوفيه الغريبة البواعث والحضور، ومادام هؤلاء يؤمنون بابدية المصنعية، وبرجوازية المعمل فانهم، يجهلون بناء عليه حكم العملية التاريخية البرجوازية الثنائية الفصول، والتي بررت في حينه وجودهم، ووجود ماركس ولنين ضمن اشتراطات انية ولحظية، اسبغت عليها كل قصوراتها وعللها، وفي حين يدخل العالم الطور التكنولوجي، من اخراطوار الانقلابات الكبرى المفصلية، فان هؤلاء يستمرون ممسكين بنفس التصورات التي اخرجها التاريخ وعملية التطور من حسابه، ذلك مع ان هؤلاء وغيرهم ممن مازالوا يصرون على اعتبار هزيمة الاتحاد السوفياتي كحدث عابر، مكرسين بتلك المناسبة الداله على عجزهم وعلى تجسيد درجة التفارق المستمر الى اليوم بين الواقع الموضوعي السائر نحو تجاوز الوعي المتوفر، نحو وشكل الوعي المطابق له والمتماثل معه.
فالعالم مايزال الى اليوم خاضعا لاساسيات الرؤية البرجوازية الحداثية المصنعية، والتكنولوجيا والانتاجيه العقلية المعرفية، لم تولد مفهومها المطابق، واجمالي الاقتصاد العالمي والمنتجية الراهنه، تستمر خاضعة لعملية إصرار الغرب على اكراه التكنولوجيا كنمط، على الرضوخ لاحكامه المصنعية، والبقاء ضمن سقفها، هذا في حين ان الانتقال الى التكنولوجيا التحولية صار الان على الابواب، وغدا هو القوة الفاعلة والمحركة المضمرة الرئيسية على مستوى الوجود المجتمعي الكوكبي، لقد انتهى زمن البرجوازية المصنعية، وهي ستتلقى من هنا فصاعدا، اثار الانتقال الى التكنولوجية التحولية، بينما العالم يعبر مغادراالطور البرجوازي الأول، الى الثاني، معاودا الاستيطان على مستوى الفعالية الانقلابية الكبرى كوكبيا، شرق المتوسط التحولي كبؤرة، بدل ضفته الغربيه التي لم تعد تستطيع اليوم بعد ان أدت دورها وماعليها، توفير أسباب ومقومات الانقلاب الداهم بنيويا، وغدت معنية بالحجر على المستقبل، واكراهه على قبول اشتراطات منتهية الصلاحية.
ـ يتبع ـ