مادية تاريخية تحوليّه/ -التحوليّه- والماركسية واليسار الشرق متوسطي/4

Submitted on Tue, 06/11/2019 - 10:53

عبد الأمير الركابي

لم يكن متوقعا لماركس وهو في القرن التاسع عشر، ان يبرأ من وطاة التابيية المجتمعية والإنتاجوية، وهو اذ يبني، تصوره في حينه، فانه لم يجدغيرالافتراض بان الانتقال الى الاشتراكية عبر المرحلة البرجوازية، سيمر كما تخيله، وكانه تكرارالانتقال من العبودية الى الاقطاع، او من الاقطاع، الى الراسمالية. وهو هنا يغفل كما سبق واشرنا عن اثر التركم التاريخي، وتجمع الخبرات العقلية والتقنية، ونتائجها على العملية التاريخية المجتمعية، فيرى ان البشرية الحالية هي نفسها تلك التي كانت على الكوكب الأرضي يوم عرف الانسان الزراعة، وحيث المجتمعات ماتزال وقتها تتشكل متخذه صيغتها الاكمل، والأرض مازالت في بكورتها وشبابها، بينما اعداد السكان قليلة، قياسا بالطاقات والإمكانات الأرضية المخبوئة والظاهرة، سوى ذلك نوع وسائل الإنتاج التي توفرت في حينه، وظلت لقرون هي المعتمدة في انتاج الغذاء وتحصيله ومدى ممكنات اضرارها بالطبيعة، على بدائيتها وقلة الاثار الجانبية المترتبة على استعمالها،والحدود التي يمكن ان تبلغها بحال الاستخدام الأقصى.
وكل هذا انقلب اليوم راسا على عقب، بما يوحي او يفترض ان يوحي بنوع من التضاد الخطر، بين مسارات تطور وسائل الإنتاج من جهة، وحالة المجتمعية واحتمالات استمرارها من جهة، وهو جانب أساسي، لم يكن قد عرف من قبل على تعدد مراحل الانتقال، على الأقل في المجتمعات الطبقية الاوربية، يضاف لذلك جانب تزايد السكان من البشر، وتنامي وتائر زيادتهم المطرده، ماكان أشير له ضمن سياقات أخرى من قبل "مالتوس"، وماقد صار جديرا بالحسبان، بالاخص حين يضاف مايلمس من شدة وخطورة الاضرار الناجمه عن طبيعة العملية الإنتاجية الالية المصنعية الراسمالية، محالة لنوع الدوافع الربحية الجشعة الملازمة لها، وفي هذا الباب، يصعب ان لايوضع في الاعتبار ماهو موضوعي، ومن طبيعة المسار المجتمعي البشري، وحكم مساراته المتضمنة بين تضاعيف بنيته وكينونته، مع الانتباه لماهو ارادي ومخطط، وجار الإصرار عليه، وتعمده، من ممارسات الاضرار العمد القاتل للطبيعة لدرجة منذرة بنهاية الحياة على كوكب الأرض.
وحين تغدو ظواهر من نوع ، حركات البيئة والخضر، ممن يمثلون إشارة تنبيه ولفت انظار،من خاصيات العصر، بغض النظرعما يتمخض عن وجودها من اثر او فعالية ضرورية، بما ان بنية العملية الإنتاجية والطبقية خارجة عن إرادة البشر عمليا، الا انه ليس من المعقول تجاهل التقارير والدراسات التي تتفق بالتواتر على اعتبار منتصف القرن الحالي، وتحديدا عام 2050 عام بدء انتهاء وجود الكائن البشري على الكوكب، بالمقابل يمكننا ان نلمس مقدار الجهود المبذولة لاجل جعل المخاطر الكارثية الوشيكة مبعدة عن واجهة الاهتمام، ومعتم عليها، ومركونة ضمن دائرة التكهن والشك، بجانب المواضبه على ضخ مايمكن من مقادير "الثقة" اللامحدودة بالقدرات "العلمية" / مجددا/ مع ان مثل هذه القدرات لم يظهر منها مايدل على إيلاء التدهور الحاصل في البيئة وادائها، والزيادة السكانية الخطرة، واحتمالات الاحترار المناخي وارتفاع مناسيب البحارالوشيكة المدمرة، أي اهتمام جدي، او يمكن التعويل عليه، مايجعل من القرن الحالي الواحد والعشرين، قرن احتمال بلوغ لحظة انتهاء المنتجية والمجتمعية وختامهما، بمعنى انتهاء المجتمعية، تلك الخطوة المفصلية الكبرى الانتقالية نحو انتاج الغذاء، بدل صيده او التقاطه.
ثمة اذن من المنطويات البنيوية داخل الظاهرة المجتمعية، احتمالية انتفاء المجتمعية، بانعدام شروط الوجود الحي، وهو امر ليس هنالك مايمنع اعتباره من "الحتميات" الملموسة والوشيكة الداهمة، اكثر من حتميات الانتقال الطبقي، من الراسمالية الى مابعدها، وهنا تكمن احدى جوانب الغفلة الخطيرة، والنقص الفادح في بنية نظرية ماركس، فهل ثمة مايجيز افتراض تصور اخر للمادية التاريخية، مكان تلك التي يعود لماركس الفضل في انه دلنا على مخططها الاولي كما رسمه مرتكزا لحيثيات الطبقية، والصراع الطبقي. وهل الازدواج المجتمعي المقابل للازدواج الطبقي، هو النموذج الأعلى المتضمن للحقيقة المادية التاريخية، بما يجعل من الماركسية البروفة الأولى الدالة على تلك الحقيقة؟.
تبدا المجتمعية المنتجة للغذاء، بعد طور اللقاط والصيد، بالاكتمال بعد زمن انتقالي تجمعي، بظهور نموذج "المجتمعية على حافة الفناء"، حيث الإنتاجية موكولة لفعالية نهرين معاكسين للدورة الزراعية، مدمرين وعاتيين، ومجمل اشتراطات الممارسة الإنتاجية الإنسانية والمحيط شبه مستحيلة، بعكس حالة نشات مقاربة في وادي النيل، حيث الطبيعة/ النيل موافق كل الموافقة لجهد الانسان، مانتج عنه نوع كيان بدورة واحدة تكرارية اجترارية وسكونية،احادية الدولة، بينما حكم على ارض الرافدين باللاثباتية، وبالانقطاعات المدمرة، حيث الخراب شبه الكلي للجهد، واشكال البناء غير العادية المتقنة والمحكمه، والمتميزة باعلى اشكال التكنولوجيا الأولية ( هنا وجد الدولاب اعلى منجز تكنولوجي ماتزال الطائرة تطير وحين تهبط تهبط عليه وبواسطته مع انه منجز زمن الإنتاجية اليدوية )، المتحققة استجابة لاقصى اشكال التحدي الوجودي القاهر، مع قوة النزوع الى مايتعدى الارضوية، واستحالة التحقق الأرضي، وصولا لبناء المملكة المفارقة المعاكسة لتلك الارضية الفرعونية، حيث "مملكة الله على الأرض"، وكل هذا بالمقارنة كان الشكل الأعلى لطور المجتمعية الراهن المجتمعي/ الإنتاجي، بما هو في العمق مجتمع التناقض الأقصى، بين المنتجية والمجتمعية.
وبالمقارنه تكون تلك اللحظة السومرية الرافدينية، معادلة للشيوعية البدائية الواردة في مخطط ماركس، مع مايظل يلحق بمسارها التاريخي من انقطاعات مدمرة، و "نهايات" تعقبها استئنافات ودورات، أولى، سومرية بابلية، وثانية عباسية قرمطية، وثالثة حالية، يتعذر خلالها الخروج من الارضوية، او إيجاد منفذ منها، لغياب العنصر المادي الضروري لانتقال كهذا، الى حين حدوث الانقلاب البرجوازي الأوربي، وتمخضه عن وسيلة انتاج مافوق مجتمعية أحادية، وسيلة تتضمن نفي المجتمعية الارضوية، لتتطابق مع تلك اللاارضوية بنيويا، كما وجدت في ارض الرافدين، وظلت حاضرة بانتظار لحظة الانقلاب الذي يعم الكرة الأرضية كلها، نموذج البدء الرافديني، مخضعا الحياة على الأرض برمتها هذه المرة الى "حياة على حافة الفناء"، تخلخل قبل ان تنهي، النزوع الارضوي، محولة إياه الى استحالة قيامية.
هكذا تكون البنية المجتمعية الإنتاجية قد ظلت منطوية على التناقض الرئيسي المتضمن نفي وإلغاء المجتمعية منتجيا، وبحكم تطور اشكال وسائل الإنتاج، وصولا الى التكنولوجيا والإنتاج المعرفي، وحلول او سيادة موجبات الفعالية العقلية الإنتاجية على الجسدية، بما يعنية انقلاب كهذا من نفي للجسدوية والغريزية، وصولا لايقافها، ومنع اثرها، تخليصا للكائن الجديد الانسان من وطاة الارضوية، واحكامها البدئية وضروراتها الملحة التي صارت من هنافصاعدا غير ممكنة، ومتعذرة موضوعيا أصلا، أي الانتقال الى الكائن العقل، المتوافق مع اشتراطات الكونية العليا، بما هو "الانسان"، وريث الانسايوان، الامر الذي تقررة اليوم "الحتمية التاريخية"، عبر مظاهر الكارثة الحياتية المحدقة " انتاجيا" والتي هي من صلب الراسملية، بجانب الثورة العظمى حيث انبثاق الوسيلة المادية التكنولوجية الضرورية للتحول، بعد غياب طويل، والمنطوية على إمكانية تحاشي الكارثة الكلية والزوال، مع الوعي بالتحولية اللازم لزوما أساسيا، عدا عن توفر قاعدة مجتمعية بنيوية تاريخية، مؤهلة لبدء ارساء أسس الطور العقلي الاولي.
هكذا وياللصدفة، تصير التحولية البنيوية الأولى المنتكسة، مقابلة للشيوعية البدائية، والتحولية المادية التكنولوجية الراهنه، مقابل "الشيوعية العليا العلمية"، تناظرها من حيث تنفيها، بعد ان تكون قد غاصت بين تضاعيفها، وتسنى لها استلهام ايحاءاتها على ضوء مقتضيات البنية التحولية الرافدينية، بعد كشف النقاب عن مضمراتها، والسر الكوني المودع فيها( المقابل والنافي للمادية التاريخية الطبقية)، وتلك كانت وستكون، وهي بلا شك، المهمة العقلية الأعظم في التاريخ.
مااعظم منجز ماركس على الطريق الى "التحوليّة"، هدف الوجود والحياة المجتمعية بما هو كطور أساسي ضمن النشوئية الارتقائية العقلية، وصولا الى "الانسان"، حيث انتهاء الطور الأرضي من وجود الكائن الحي ابتداء من الخلية الأولى، لقد اماط اللثام عن مسالة أساسية مفادها ان المجتمعت ليست متروكة للصدفة، او لفعل فاعل بعينه، وانها بالاحرى خاضعة لقوانين صارمة، ومصممة أصلا بناء لما يصل بها لأغراض وغايات تبدت له بحكم اللحظة التي عاشها، ومستوى الادراك المتاح، وطبيعة مجتمعه الذي هو منه، طبقية، ومحدودة باطار المجتمعية، تستهدف حل معضلات المجتمعية، بالذات التمايزية القهرية منها، أي انه افترض ان المجتمعية مصممة لكي تنتهي الى العدالة المطلقة، الامر الذي يداخل عقل وخيال الكائن البشري كحلم و"يوتوبيا"على مر تاريخه، مادامت الاحتمالية الأكبر المجتمعية النافية للمجتمعية، غير واردة ضمن اشتراطات الطبقية، وفضاعات الثورة البرجوازية المصنعية الكبرى الكوارثية.
وليس ماركس في هذا، فريد نوعه، اذا ماعاينا تعلق الانسايوان بحاله الراهن، وما اعتاده والفه وايقن انه نهائي، فالانسايوان، في مثل هذه الحالة، وظل الى اليوم، كائنا تغلب الحيوانية الجسدية على العقلية ضمن محركاته واستجاباته، ونظرته للاشياء ولذاته، وهو يمكن ان ينظر الى اللامجتمعية باعتبارها دعوة الى الشبحية، لن يعتاد على اشتراطاتها، او تصور الانتقال اليها، سواء اكان مجبرا او مختارا، من دون شدة وطاة الضرورة والاكراه المتاتي من فعل القوانين القاسية، قابلة ولادة "الانسان" من رحم، ومن تحت جلد "الانسايوان".
ـ يتبع ـ