استبدالات الايديلوجيا والواقعö التحوليّة- والماركسية واليسار الشرق متوسطي/4

Submitted on Thu, 06/13/2019 - 11:29

عبد الأمير الركابي

مثلت الماركسية بالصيغ المتجسدة والممكنة في شرق المتوسط خارج الماركسية واللينينية، ضرورة ضمن اللحظة التي وجدت خلالها، مع انها ظلت برانية، ومنعدمة الفعل حين يتعلق الامر بالالتحاق بالعصر الحداثي الأوربي، أي عالم الثورة البرجوازية، وان المتاخر المكمل منه، كما حصل في روسيا، او البلدان المسماة اشتراكية في اوربا الشرقية، او الصين، حيث تتجلى الطبعة الثانية من الانتقال البرجوازي الراسمالي الاستعجالي المخطط في البلدان المتاخرة نموا عن اوربا الغربية، وفي احسن الأحوال وأكثرها مثالية، كان هذا المستجد قد نم عن تناغم جزئي مبطن، مع خاصيات تاريخية مؤجلة او متعذرة، لم يحن أوان تعبيرها عن ذاتها، وهو ماتجلى بالاخص في حالة العراق، حيث لعب حضور مجتمع اللادولة غير المعبر عنه ( وهي خاصية وظاهرة تاريخية ظلت مستمرة على مدى دورتين تاريخيتين سابقين، و خلال الدورة الثالثة الحالية، مؤشرة على تاخر المدرك العقلي حتى حينه، إزاء ظاهرة مجتمعية هي الأعلى والاعقد تركيبا بين أنماط المجتمعيات)، دورا أساسيا في تبرير وجود ظاهرة الحزب الشيوعي، بغض النظر عن الاحالات التي تعود الشيوعيون وكتّاب تاريخهم الايديولوجيين، على ربطها بالطبقية المفبركة والمتخيلة، واعتبارها المحفز او الباعث المسبب وراء ظاهرة الشيوعية في ارض الرافدين.
وتلعب القراءة، او السردية المفبركة المتصلة بحضور الغرب الحديث واستعماره، وسطوته المفهومية والنموذجية، دورا يستحق التوقف، بمقابل الرؤية الرافدينية الغائبة، الموقوفة، والواقفة وراء تفسير تاريخ العراق الحاضرمنذ القرنين السادس عشر والسابع عشر، بحلقاته، القبلية الأولى، والدينية التجديدية الانتظارية، وصولا الى الطور الحداثي الايديلوجي الحزبي، المقحم ضمن اشتراطات عالمية مستجدة، اول سماتها انها فرضت نوعا من الرؤية والكيانية، مستندة الى العامل البراني الداهم، الغربي، بعد ان ظلت ماخوذة خلال قرابة ثلاثة قرون سبقت أواخر القرن التاسع عشر، بقوة فعل الاليات الخاصة التاريخية، ومستجداتها ضمن قانون الثابت والمتغير تاريخيا، والاهم في الطور الأخير الحداثي الايديلوجي، انه من طبيعة تلغي كليا فعل أي قانون سابق على حضورها، مؤسسة بحكم طبيعتها، لمعركة تصادمية مفهومية قيمية، وعلى مستوى الاليات التاريخية الغائبة، جوهرها الفبركة، وقسر الاخر على نسيان واطراح حقيقته، والتخلي عنها لصالح افتراضات جاهزة، منقولة عن ذاتية وبنية أخرى، تسنى لها ان تكون مهيمنة راهنا.
ولقد تعود من يعالجون قضايا "التأخر" او مايعرف ب "التخلف"، ان يعددوا مظاهر هي بالأحرى غير أساسية، وليست سوى حصيلة ونتائج، أهمها واكثر اشكالها دلالة وخطورة تلك التي تمثلها حالة الانصياع للمنظور الغربي والصدوع لحكمه ضد الذات، بما قد جعل من قوى مايعرف بالحداثة في المنطقة، وفي العراق، مساهمة أساسية وعضو فاعل في الاستعمار المفهومي الغربي المضاد للخاصيات التاريخية، ولكينونة المنطقة وبنيتها التاريخية، وفي العراق بالذات ابدى هؤلاء إصرارا ملفتا على التماهي مع مايلغي وجودهم وتاريخهم، كان سببه الأساس عجزهم وفشلهم التام، والكلي، عن استكناه حقيقتهم التاريخية. وفي بلد مثل العراق هو البدء المجتمعي، والقمة المكررة عالميا على مدى دورتين، في بابل، وبغداد، تنازل هؤلاء عن فحوى وجودهم لكي يصبحوا اوربيين بالواسطة، ملتحقين بثورة برجوازية لايملكون أي اثر من اثارها، او مسوغات حصولها.
مع هذا لم يكن هؤلاء ليفلحوا برغم الجهالة، وتبني خيار خيانة الذات، في تغيير شيء من فعل القوانين الخاصة، الازدواجية التاريخية العراقية، ومهما أراد هؤلاء الاصرارعلى قراءة تاريخهم قراءة ذهنية ايديلوجية، الا ان الحزب الشيوعي والشيوعية مثلا نشات بوضوح بصفتها "شيوعيتان"، عاد " فهد" يوسف سلمان يوسف مؤسس حزب التاثر بعالم اللادولة ومحيطها، فميّز"بناء على ماتعلمه في موسكو بينهما" مقسما اياهما الى "حزب افندية" منشفيك، وحزب " بلشفيك"، بغض النظر عن كاريكتيرية التشبيه، وفي بغداد العاصمة/ المفترض كونها الأكثر نموا وتبلورا طبقيا/ كان هنالك منذ العشرينات ماركسيون، لم يفلحوا ابدا في إقامة حزب شيوعي، وظلوا رواد مقاه وثرثرة، وبعض من كتابات، لم تتحول الى حزب يشبه حزب "مالعمل" الا في الناصرية، أي في المنتفك، سومر العراق الحديث، وموطن انطلاقة وانبعاث العراق في دورته الثالثة الراهنة، مع تشكل اول الاتحادات القبلية واهمها،بين القرنين السادس والسابع عشر. ومن المصادفات ان يكون حزب البعث، قد تاسس في نفس المدينه، أي في بؤرة التشكل الوطني الازدواجي الرافديني، ومركز الحداثة الذاتية السابقة على الحداثة الغربية وقوانينها.
ان ماجعل الحزب الشيوعي ممكنا كقوة لها تبريرها ولزومها العملي في عراق الحداثة الثانية الغربي، المنقول والمفروض، هو واقع اللادولة الجنوبي كمجتمع لادولة عريق، بظل وطاة التهديد الاستثنائي المسلط عليه، والمتولد عن الحضور الاستعماري، واستهدافه للبنية الإنتاجية المساواتيه المشاعية، مع قانون التسوية 1932 وافتعال طبقة اقطاعية، مدعومة من الدولة المركبه من اعلى، بعد عام 1921 بهدف تغيير نمط العلاقات الإنتاجية والاجتماعية التاريخية الراسخة والتكوينيبة. وكما العادة فان مجتمع اللادولة الحديث غير القابل للتجسيد في كيان، قبل بالصيغة الشيوعية كاحدى تعبيراته باعتبار فعاليتها الممكنة بظل انشقاق دولي حاد، بغض النظر عن تلاؤمها بنية مع خاصياته، وتلك ممارسة ملازمة لمجتمع اللادولة، درج على اللجوء اليها من قبل، ودائما، سواء في قبوله قيادة من خارجة لاتشبهه في الجوهر،تغلبية لامساوتية،"ال شبيب/ ال السعدون"، او دولة اللادولة المدينية الانتظارية النجفية، اللاحقه على القبلية، فمجتمع اللادولة يختار بما انه ضمن كيان ازدواج تقابله وتصارعة من حبث تشاركة، دولة قاهرة، ومع انتفاء إمكانية التجسد في كيان، نوعا من الاستبدال، قد يجعل المستبدل يظن نفسه هو الفاعل، بينما الواقع المعاش غير ذلك، اذ عادة مايكون هذا، ويعيش تاريخيه، منزوع السلطات، او القدرة على الفعل التغلبي، وخاضعا في الجوهر لارادة وفعالية، ان لم يكن لقوانين واحكام اللادولة، التي يعيش ظانا انه راسها بينما هو يلعب دور راس شكلي بلا قرار ويمثل في الحصيلة ارادتها واستهدافاتها. 
حزبان شيوعيان، وحزبان بعثيان،هما الأكبر والأكثر حضورا وفعالية خارج الدولة المفبركة، بالضبط كما يفترض في بلاد الازدواج المجتمعي ان تنتج، الأول يموت قادته شنقا، او تحت العذيب، بقرار وتواطؤ دولي مباشر، والأخر يظل من يمسكون رقبته احياء حتى المائة عام، مثل الاكراد،عزيز محمد، وكريم احمد، وبهاء نوري، الأول مرتهن لاعتبارات واليات التشكل الوطني الراهن من اسفل، والثاني مصدره ومحركه الجزئيات الوطنية المحكومة لقوانين العراق الأعلى وبنيته المفتقرة لديناميات اللادولة، والأخير ظهرت ملامحه مع عملية او محاولة التصفية الأولى بعد انهيار ركائز دولة الحكم من وراء ستار في 1948 وتحققت الثانية بعد عملية التصفية الدموية الكبرى في 8 شباط 1963 والتي مهدت لاعتلاء عزيز محمد سدة القيادة، مستغلا حالة فراغ قيادي مفروض، بمقابل الحزب الجنوبي و استغلالا لمحنته، والفاعلون الافذاذ ( أربعة مراهقين اكراد، ويهوديان، لم يتجاوزوا العشرينات من العمر ،لايعرفون من الماركسية او العراقوية الرافدينية الا اسمها). 
ومثل هذا التضارب بين حقيقة البواعث البنيوية الموضوعية، والاعتقاد الذهني الايديلوجي يسبب حتما مايمكن ان نجده من صياغات معتقدية مختلقة ذهنيا هي الأخرى، من نوع الاعلاء من شان " فهد" مؤسس الحزب الجنوبي، من دون الانتباه الى البواعث التي جعلته منذ تعلم على يد الخياط فاسيلي المبعوث الروسي الى الناصرية، اكثر حظا من غيره في إقامة حزب ينتمي ل "مالعمل"، استلهاما ايديلوجيا، مع ان ماحققه عائد لاسباب تتجاوزه، وهو لم يكن يفقهها أصلا، بقدر ماكان يتخيل مصدقا صدورها عن أسباب "طبقية" وهمية، والشيء نفسه يمكن ان يتواصل من دون انتباه لما قد حدث من انقلاب كلي، يوم تهيأ ل "عزيز محمد" ان يسطو على قيادة الحزب، بعد حملة التصفية الدموية التي تعرض لها الحزب الجنوبي السوادي في 1963 ، وصولا لما اقدم عليه هو، مكملا شرط التصفية الداخلية عام 1985 في المؤتمر الرابع المنعقد في كردستان، بطرد اخر، وكل من يحتل موقعا في قيادة الحزب من اهل ارض السواد. 
بالمقابل ليس حزب احمد حسن اليكر/ صدام حسين، التكريتي ابن الشروط والبنية العراقية الجزيرية، هو نفسه حزب فؤاد الركابي المنتفكي/ السومري، والذي سيكون مصيره القتل في السجن على يد الحزب السلطوي الريعي، عدو حزب جبهة الاتحاد الوطني، وثورة 14 تموز 1958، على هذه الشاكلة يحضر الازدواج البنيوي وراء كل الظواهر الأساسية، في الدولة المفبركة، والقوى المستحدثة، ووطنيتها الحزبية الايديلوجية، وفي كل مناحي الحياة. والاهم من كل هذا، حضور الديناميات الازدواجية الإمبراطورية التاريخيه، وتمظهراتها المتضمنه المضمرة بين تضاعيف حركة ووقائع تاريخ العراق المعروف بالحديث.
وهنا نقع على اشنع أنواع التبسيط الايديلوجي المفضي لتزوير الاحداث والوقائع ودلالاتها، فالدولة التي أقامها الإنكليز كوسيلة لايمكن من دونها استمرار بقائهم في العراق او "حكم من اهل البلاد " يضمن " الحكم من وراء ستار"على طريقة الاستعمار الجديد، بأكثر اشكاله بكورة، علما بان الدولة التي أقيمت ليست من " اهل البلاد" الاشكلا وسكنا، هي دولة من اهل مناطق بعينها، لاتمت الى النصاب الوطني باية وشيجه، وهي تكرر صيغة مستجدة من صيغ الدولة المنفصلة القاهرة بثوب حديث، مادتها نفس مادة الدولة العثمانية، فبركت من أبناء الملتحقين من البغادة بالادارات العثمانية وابنائهم ممن ذهبوا للدراسة في الاستانه، وبالأخص العسكريين منهم، صاروا الان وبقدرة قادر مستعمر في الصدارة، بدل الولاة المماليك، او العثمانيين، ليمارسوا الحكم بقوة رعاية وحماية الاحتلال الإنكليزي، ولتادية مهمة رئيسية هي قتل باعث ثورة العشرين، أي مجتمع اللادولة الأرض سوادي التاريخي، بالاجهاز على خاصياته المساواتية، وافتعال نمط ملكية للأرض غريبة عن المكان، وجدت بقوة وثقل حضور الاستعمار من خارج البنية الازدواجية.
لم تكن دولة 1921 الملكية على الاطلاق ( دولة/ امة) على النسق الأوربي، بل دولة ازدواج فوقانية منفصلة عن القاعدة المجتمعية، تعيش على دعم قوة برانية عاجزة عن الحكم مباشرة، اما ( الدولة/ الامة) فكانت ماتزال في الأفق، تنتظر عملية التشكل الوطني الازدواجي الامبراطوري الكينونة، والمستمر صعدا، والمبتدء من القرنين السادس والسابع عشر، والدولة المنوه عنها، المقامة بالفبركة، هي تدبير ميت، لم يكن قابلا للحياة، ولا أسس تبيح استمراره، لولا الريع النفطي، ودخوله معادلة الصراع بين الحيزين المجتمعيين منذ الخمسينات، مع حصول المناصفة مع شركات النفط.
قبلها ومنذ عام 1948 كادت الدولة المفبركة تسقط ، وتبين بوضوح انها غير مؤهلة لأداء المطلوب منها، ولا قادرة على الاستمرار، واضطرت بإزاء زخم الحركة المضادة، وانتفاضاتها، للاستعانة، بحضور يوحي بالانتماء لوجه من وجوه الجنوب السوادي، مثلته وزارة الصدر. ومن يومها تبدل سياق الصراع، وبمقابله اشكال التدبير الدولي المتناسب مع واقع وزخم الحركه الصعودية من اسفل، والتي ماتلبث تدلل على تتجاوزها المتاح والمتفق مع المقبول، بحسب ماهو متعارف عليه من سقف النظام "الدولي"، لتغدو الدولة الريعية النفطية العقيدية، من يومها،هي الحل، والممكن الوحيد القابل للحياة، ولمواصلة الحرب على العالم المساواتي المشاعي التاريخي الاسفل، عالم اللادولة العراقي.
ـ يتبع ـ