العلامة محمد سلمان حسن: دروس في الحياة المعرفية الاقتصادية.(1)

Submitted on Fri, 06/14/2019 - 21:59

مظهر محمد صالح

    الجزء الاول

    دخل قاعة الدرس رجل باسم الوجه ممشوق القامة ذو بنيان مستقيم، يكسو البياض نصف شعره الاسود ويرتدي بدلة زرقاء غامقة وربطة عنق انيقة، تقدم في مسيره بهدوء حتى مثُل امامنا نحن طلبة الماجستيرفي العلوم الاقتصادية بجامعة بغداد ليعتلي منصة الدرس ، يومها كانت هي المحاضرة الاولى التي استطاع فيها هذا العالم الجليل (استاذ مادة التنمية الاقتصادية) ان يمتص اضطرابنا ومشاغلنا وبهدوء بالغ والتي غلفتها تصوراتنا وانفعالاتنا عن سُحب الحرب واعمدة الدخان والتحام الجيوش في خضم حرب، كان مسرحها ضفتي قناة السويس وشبه جزيرة سيناء وأعالي الجولان، انها حرب اكتوبر 1973.فطقوس الدرس الاول وميدانه اختلف في معطياته عن ساحة الحرب وميدانها ،ذلك على الرغم من انهما يجتمعان في مبادىء الدفاع عن الوجود ولكنهما يفترقان في نوعية المسار وبلوغ الاهداف.انه ميدان المعرفة الاول لنا نحن طلبة ذلك العالم الجليل الراحل الدكتور محمد سلمان حسن، يوم ابتدء الدرس وهو جالس على كرسيه وبساقيه المشتبكتين و يرسل بشهيقه علماً ويبعث في زفيره دراية واحساس في حركة الحوار والفكر التي بدأت تصب على الرغم من مرارتها في مسار الامل والبحث عن المستقبل الاقتصادي للعراق. حدثنا الراحل يومها بمقدمة رائعة عن طبيعة الاقتصاد العراقي والثنائية القطاعية فيه قبل ان يتصدى الى نظريات التنمية ونماذج النمو الاقتصادي وعلى وفق المنهج المعتمد .فهو مازال يتطلع الى بناء اقتصاد حقيقي فاعل للعراق ولكن بعين اكاديمية حذرة. وقبل ان تنتهي محاضرته الاستهلالية الاولى وزع علينا الراحل نسخة شخصية من مؤلف قام هو بنقله الى العربية وحمل عنوانا كان نصه:سياسة الاعمار في العراق… ومؤلفه خبير الاعمار توماس بالوك الذي استقدمته الحكومة العراقية في عقود سابقة لرسم معالم سياسة اعمار البلاد.أدهشني وقتها الاهداء الذي وضعه الراحل محمد سلمان حسن في مقدمة المؤلف المذكور بطبعته العربية والذي خص فيه رئيس وزراء العراق الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، ذلك بعد مرور عشر سنوات على الانقلاب العسكري الدموي الذي اطاح بزعيم الجمهورية الاولى في 8 شباط 1963 ولم يتردد يومها العلامة محمد سلمان حسن من أن يرتب ذلك الاهداء اي مأخذ سياسي او خوف ازاء السلطة في كبح اصراره في الولاء الى الزعيم الوطني الراحل عبد الكريم قاسم. ادركت في لحظتها قوة المبادي التي كان يحملها العلامة الراحل وميوله الاكاديمية و العقلانية الوطنية لقضية شعبه من دون تعصب في بناء عراق منظم ومتنامي ووطن يتمتع ابناؤه بنظام اقتصادي متحرر ومزدهر يسوده العدل والمساواة.كما علمت ان استاذنا محمد سلمان حسن كان من بين نخبة الاقتصاديين الذين اختارهم الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم في رسم السياسة الاقتصادية للجمهورية الاولى .وكان الاستاذ الراحل مدافعاً اميناً على البرامج والخطط الاقتصادية والتنموية التي وضع معالمها بنفسه وبمشاركة الوطنيين الاحرار الاخرين من خبراء الاقتصاد والادارة والاعمار والهندسة والفنيين وغيرهم والتي كانت تُمهد لانشاء مجلس اعلى للتخطيط في العراق.

    التقيت العلامة الراحل الدكتور عبد المنعم السيد علي (استاذ النظرية النقدية) الذي استفسر في حينها عن مسيرتي الدراسية وتقدمي العلمي في حقل الاقتصاد والمناهج التي يتناولها الاساتذة في دروسهم على طلبة الماجستير (لكونها الدراسة العليا التي جرى استحداثها للمرة الاولى في العراق) وقد ذكرت له على سبيل الحديث قصة كتاب توماس بالوك واهمية موضوعاته في تحليل نقاط القوة والضعف في الاقتصاد العراقي وبرامج الاعمار المطلوبة والذي نقله الى العربية استاذنا محمد سلمان حسن وكيف ان اصرار استاذنا محمد سلمان حسن على توزيع الكتاب بنفسه وهو يحمل الاهداء الى الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم امر لم يثنٍ عزمه او ينتابه خوف، على الرغم من ان النظام السياسي السائد وقت ذاك في العراق لايسمح بذلك..! تبسم الراحل الدكتور عبد المنعم السيد علي وقال لي لدي سر سأخبرك به عن الاستاذ محمد سلمان حسن… وكان الراحل الدكتور عبد المنعم السيد علي يكُن بصمت كل الاحترام والمحبة للاستاذ محمد سلمان حسن! وان مفاد ذلك السر هو كالاتي:كان الدكتور عبد المنعم السيد علي من المنتظمين(سراً) في التيار القومي الناصري وهو من الخصوم التقليديين للتيار اليساري ونهج الزعيم عبد الكريم قاسم ابان السنوات الاربعة ونيف التي تلت قيام ثورة 14 تموز1958 يومها كان التيار القومي الناصري يكيل التهم والشكوك في الصحافة اليومية على المنهج الاقتصادي والسياسة الاقتصادية للعهد الجمهوري! ولكن كان الرد والتوضيح يأتي في اليوم التالي وعبر الصحافة القاسمية او اليسارية على لسان الراحل محمد سلمان حسن بموضوعية وصدقية عالية جداً وبأدب جم بعيد عن المهاترات السياسية… وهي الحالة التي كانت سائدة في العراق ابان الجمهورية الاولى والتي يُشبهها الاستاذ الدكتور سيار الجميل في مقاله/العراق1958 في الوثائق البريطانية :بانها اشبه ما بالحرب الباردة وسياسة مليء الفراغ بين العراق القاسمي وبين مصر الناصرية في تلك الحقبة . وبهذا فقد استطرد العلامة الراحل الدكتور عبد المنعم السيد علي قائلاً: انها كانت بحق مناكفة اقتصادية-سياسية كان يراد منها ازعاج النظام السياسي وقت ذاك .. مواصلاً القول: ان اكثر ما كان يدهشني هو ذلك الرد العلمي والهاديء والصائب للعالم الجليل محمد سلمان حسن .ففي كل مرة يتصدى فيها التيار القومي الناصري لمنهج ثورة 14 تموز الاقتصادي…. او تحديداً المنهج الاقتصادي للزعيم قاسم ،يأتي الرد التحليلي- الموضوعي سديداً متماسكاً، وعبر الصحافة اليسارية، بقلم الراحل محمد سلمان حسن ،مؤكداً لي كم كان الراحل محمد سلمان حسن واضحاً في حجته وكم كان قوياً في تفسير منهجه، ما جعل الراحل الاستاذ عبد المنعم السيد علي ان ينصح في حينها التيار القومي الناصري بالكف عن ولوج حديث في الاقتصاد السياسي للجمهورية يتناول الرد فية شخصية علمية بوزن محمد سلمان حسن ،وهو امر اذا ما استمًر سيجعلنا الجانب الخاسر في ذلك الحوار الجدلي ذي الغايات السياسية!!قلت للعلامة الراحل عبد المنعم السيد علي ولكن ماهي الحكمة المستخلصة من ذلك الحوار الجدلي ؟اجابني بنفسه، لقد تعلمت شخصياً الكثير من ذلك الجدل ومن محاور محمد سلمان حسن نفسه سواء الاكاديمية التحليلية منها اوالعملية! وواصل قائلاً: ان العلوم والمعارف ظلت وستظل تتطور وتتسع عبر الحوارdebate مهما تعاظمت حدتها واختلفت رؤاها ومهما ابتعدت مفاهيمها بين المتحاورين من التيارات والمدارس المختلفة..انها صناعة العلم عبر التاريخ المعرفي للانسانية!

    ابلغني الاستاذ الراحل محمد سلمان حسن انه ارتبط بزمالة علمية وصداقة عائلية مع المفكر الاقتصادي البولندي العالم اوسكار لانكة صاحب المؤلف الشهير :النظرية الاقتصادية للاشتراكية والتي سبق نشرها في مجلة الدراسات الاقتصادية الامريكية بجزئينJES خلال الاعوام1936 و 1937.كما تأثر الراحل بمدرسة لانكه ونظرياته وافكاره مثلما تاثر به كبار الاقتصاديين امثال :جان تنبركن وابا ليرنر ودون باتنكن وغيرهم .وكان الراحل محمد سلمان حسن يلتقي العالم لانكه ويزوره به في بولندا او أي مكان آخر من اوروبا خلال المناسبات اوالعطل الصيفية حتى وافاه الاجل في العام 1965 .كما انه اتفق معه على مواصلة مشروعهما العلمي الذي كان يقتضي أستكمال مؤلف لانكة نفسه والموسوم –الاقتصاد السياسي وهو المؤلف الذي شرع بكتابته باللغة البولونية في العام 1959 قبل ان يتم نقله الى الانكليزية.فقد كان الراحل محمد سلمان حسن بحق منشغل في إسهامه بتأليف الجزء الاخير من الكتاب المذكور الذي لم يكمله الراحل اوسكار لانكة ، بعد ان نقل محمد سلمان حسن الى العربية الجزئين الاول والثاني من المؤُلف المذكور آنفاُ ،ثم تحقق له اكمال الجزء الاخير من الكتاب واهداني الراحل محمد سلمان حسن نسخة منه في العام 1975، وقمت وقتها من فوري بإهدائه نسخة من كتاب كان مؤلفه الاقتصادي المعروف (مارتن جي بيلي) الصادر في العام 1962والموسوم :الدخل القومي ومستوى الاسعار وقال لي بالحرف الواحد: شاكراُ فضلك لأني لم اطلع على هذا المؤلف من قبل.ومن حسن الصدف كنت بحاجة الى ذلك الكتاب واوصيت اثنين من الاصدقاء لشرائه لي من مكتبة( فويلز) الشهيرة في لندن بغية التحوط وضمان وصوله ،ووصلني حقاُ نسختين من الكتاب نفسه في وقت متقارب وانا كنت بحاجة الى نسخة واحدة فحسب! وهكذا ومن حسن الطالع ان تكون احدى النسختين التي حصلت عليهما من كتاب (مارتن جي بيلي) هي من حصة العالم الراحل محمد سلمان حسن .

    أثر اوسكار لانكة بالراحل محمد سلمان حسن،فأن اوسكار لانكة تأثر هو بنفسه بكبار العلماء والمفكرين امثال كارل ماركس وباريتو وفالراس.وبهذا استطاع لانكة ان يقدم نظريته في اقتصاد السوق الاشتراكي ونماذجه التي جمع فيها بين النظرية الماركسية في تحديد القيمة وبين النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية في تحديد الاسعار.ففي مؤلفه النظرية الاقتصادية للاشتراكية،استطاع لانكة من تقديم فرضيته القائلة:ان التخطيط المركزي يحدد مجموعة الاسعار من خلال مايسمى (بالتجربة والخطأ) والتي تتيح القيام بالتكيفات اللازمة لازالة العجز او الفائض لبلوغ التوازن العام بدلاً من ميكانيكية الاسعار في السوق الحر.وفي ظل هكذا نظام يتولى المخططون المركزيون فيه تحديد سعر المنتج الصناعي بصورة اولية اوربما اعتباطية ابتداءً في مصانع الدولة ،ومن ثم يقومون بزيادة السعر او تخفيضه بالاعتماد عما يؤديه ذلك السعر الى حالة عجز او فائض في العرض .وتتم المحاولات لمرات عديدة ،حتى بلوغ الاستقرار والتوازن.وبهذا فأن العاملين في حقل الرياضيات ممن يمتلكون القدرة على حل المعادلات الانية المعقدة هم الاقدر من بين من يسهموا في التخطيط الاقتصادي وضبط آليات وديناميكيات التوازن العام.فأرتفاع الاسعار يشجع المنتجين على زيادة الانتاج وانخفاضها سيرشَد الانتاج ..وهكذا تندفع الوحدات الاقتصادية نحو تعظيم الربح الاشتراكي بغية تفادي التكاليف الناشئة.فميكانيكية السوق الاشتراكي تمتلك القدرة المثلى والفورية على ادارة العرض والطلب .وان مناصري مدرسة (اوسكار لانكا) يجدون في اشتراكية السوق ثمة مزايا في تسيير عجلة الاقتصاد الاشتراكي المخطط والمسير بأدوات السوق وآلياته في ضبط الثمن. لقد عبر اوسكار لانكة عن اروع امثلته وقدراته التحليلية للنظم الاقتصادية من خلال رده لمنتقدي الاشتراكية، ذلك من خلال جمعه بين الملكية الاجتماعية لوسائل الانتاج وفكرة مدخلات السوق ومخرجاته .وهذا مااطلق عليه يومها بجدل الاشتراكية ،الذي مثل الحدث الاهم في موضوع دراسة النظم الاقتصادية المقارنة وزاد من مستوى الجدل التقني والنظري الذي حل محل تحليل النماذج الاقتصادية المجردة في وصف النظم الاقتصادية الحقيقية.كما دفع من اهمية العديد من الموضوعات ذات الصلة بالنظم الاقتصادية المقارنة والتي منها على سبيل المثال موضوع التخطيط المركزي واللامركزي في اتخاذ القرار الاقتصادي ودور نظم المعلومات وحقيقة اسعار السوق والتركيب الممكن بين الخطة والسوق.كما عدُ اوسكار لانكة من اشد منافسي باريتو في بلوغ الامثلية عند تخصيص الموارد وتحقيق الرفاهية.فضلا ان لانكة نفسه وبلا شك كان من طلائع من دفع بنظرية (السيبرنتيك) ،أي علم ادارة الدفة والربان في التخطيط الاقتصادي ،من خلال كتاب لانكة الموسوم(الكومبيوتر والسوق).

    ان تعرضنا لمدرسة اوسكار لانكة آنفاُ هو بمثابة تاكيد مجازي للرؤية والمنهج الاقتصادي الذي كان العالم الكبير الراحل محمد سلمان حسن ينهجه ويضيف عليه في مسار تواصله عند إسهامه في كتابة الجزء الاخيرمن مؤلف لانكة :الاقتصاد السياسي.