خارج الذات/-التحولّية- والماركسية واليسار الشرق متوسطي/5

عبد الأمير الركابي

مع ان مظاهر العيش خارج الزمن قد وجدت خلال القرنين المنصرمين في كل من مصر وساحل الشام، والجزيرة العربية، وهو ماسنعود للتطرق له لاحقا، الاان ماقد حصل من هذه الطبعة المشوهه في العراق الحديث بالذات، كان الأكثر دلالة وتجسيدا للحالة التي عاش خلالها الشرق المتوسطي ومايزال، خارج ذاته، ومبعدا ومقصيا في الوقت نفسه عن العالم الذي يتشبه به، بالاخص وبالدرجة الأولى، الغربي منه، عدا عن الماضي العائد للثورة الجزيرية المحمدية.
ففي العراق جرى تبني مفاهيم ومنطلقات رؤية للحاضر مخالفة كليا للحقيقة التاريخية والبنيوية للبلاد، بحيث صار العراق مصنوعا بالايديلوجيا وطنيا و "طبقيا" خارج وبالضد من حقيقته، وفي الوقت الذي كان يفترض بالتفكير ان يتصدى للحقيقة الوطنية التاريخية، ويجلو غوامضها بمواكية التشكل الوطني الحديث الجاري منذ القرن السابع عشر عبرحلقتين من التطور، قبلي، وديني تجديدي انتظاري، تم قطع هذا المسار والغاءه كليا لصالح منظور مستعار، جرى نقله بالصندوق المقفل من خارج القائم والمتواتر دورات تاريخية، اماطة اللثام عنها وعن الياتها هو شرط الحداثة العراقية، التي احجم العراقيون من ادعياء الوطنية الحديثة والالتحاق بالعصرعن معالجتها.
وأول ماكان ومازال من الواجب الانتباه له، وظل غائبا الى اليوم، حقيقة شاخصة واساسية تقول : بان "العراق يتشكل من الأسفل"، وهذا القانون ثابت ومرتبط بالازدواجبة المجتمعبة التكوينية لهذا المكان، تكرر في المرات الثلاث التي يشتمل عليها التاريخ الرافديني، عند الدورة الأولى السومرية البابلية، ومع الدورة الثانية العباسية القرمطية، فسومر في الدورة الأولى هي الأصل والمبتدأ الذي يبنى عليه الكيان الامبراطوري الازدواجي لاحقا، والكوفة والبصرة هي المبتدا والاصل في الثاني، منه، ومن الكوفة تحديدا نزح العباسيون، لتقام بغداد هربا من مجتمع اللادولة الأسفل، بمعنى ان لاوجود لعراق متماثل النمو، تحكمه مثل نموذج الدول الغربية اليات نمو موحدة، مع تمايزات ثانوية، وصولا الى الدولة الامة، فالبناء الامبراطوري العراقي محكوم بنية، بالتشكل من جنوبه حيث التركز الأعلى للاليات الإنتاجية المجتمعية، الامر الذي عاد وتكرر في العصر الحديث، مع عودة سومر الحديثة/ المنتفك، لتكون المنطلق والاصل الصاعد الى اعلى.
والجغرافيون يقسمون العراق، الى عراقين، عراق السواد، وعراق الجزيرة، وهما عراقان غير متماثلين تكوينا مجتمعيا، لاختلاف الشروط الإنتاجية الأقرب الى الديمية شمالا، والسيحية النهرية، في الدلتا الجنوبية، مع كل اشتراطات المنتجية على حافة الفناء كما يفرضها النهران العاتيان المدمران، المجافيان للدورة الزراعية، والأرض الرخوة، والمناخ القاهر، والمحيط المتحفز لغزو نقطة الخصب وسط محيط اجرد شرقا وغربا وشمالا.
الأهم من ذلك و مما يترتب عليه، ان ارض السواد لاتنتج دولة، او سلطات تمايزية ارضوية من داخلها، فعملية الإنتاج هنا واحتدامها يفرض نمطا من الممارسة المجتمعية النافية للدولة والتمايز، وهي خارج نظرية انجلز عن اصل الملكية الخاصة والعائلة والدولة، تنفي اي نوع من السلطة البرانية، لارتباط المساواتية المشاعية، وحرية المنتجين شبه المطلقة، بسلامة واستمرارية عملية الإنتاج المشروطة باللااكراهية وحرية المنتجين، او الموت والزوال، فالحرية هنا والحياة تتساويان، مايجعل هذا الحيز محاربا بالطبيعة، حيث الإنتاجية هنا لاتعتمد على اليد والمحراث، والمنجل، والناعور، وهي لايمكن ان تستقيم من دون السيف والبندقية، مايجعل البندقية في الريف العراقي، شرطا لازما لضمان سلامة واستمرارية الإنتاج، ولاكتساب الرجولة، أي حق المواطنة في مجتمع اللادولة، وحق الجلوس في المضيف، بعكس الفلاح المصري الذي لم يعرف سوى "الشوم"، كأعلى اشكال تسلحة، وهو ماقد تعرض له "فهد" يوسف سلمان يوسف، في احدى تناولاته، كي يثبت من وجه من الوجوه انه ورغما عنه، سابح من حيث لايدري، وسط قيم مجتمع اللادولة المحارب.
لم تعرف الوطنية في العراق الحديث، وكل ماقد عاشه العراقيون الى اليوم كان انفصاما في الشخصية، وعيشا خارج الحقيقة الوطنية الإمبراطورية الازدواجية وتمظهراتها، واشكال تجليها بنظر الظاهرة الغربية المقحمة مع استعمارها، ولو افترضنا ان أولئك الذين تصدوا لاقامة الأحزاب: القومية منها، والماركسية، والليبرالية في العشرينات والثلاثيتات من القرن المنصرم، بناء على قانون "الالتحاق بالسوق الراسمالية" المفبرك والمتهافت، قد تهيأ لهم بدلا من ان يتبنوا المنظور الغربي الحديث بالطريقة التي تبنوه فيها، ان يتوفروا على رؤية محايثة أساسها البحث عما يترتب على حضور الغرب، ومدى الأثر الذي ينتج عنه عند تصادمه مع الاليات التاريخية الوطنية، مع متابعة نوع ردة فعل هذه، على التحديات المتاتية عن حضور الطاريء الجديد، وهو ماكان يتطلب وقتها معرفتهم بحقيقتهم التاريخية البنيوية، الامر الذي لم يكن قد حصل، ولاكان ممكنا في اللحظة التي حل فيها الغرب المستعمر في ارض الرافدين.
العراق الحديث مشمول بحداثتين، الأولى عراقية بحته ،محكومة للاليات التاريخية ولقانون الدورات والانقطاعات التاريخية، مع تبدل الاشتراطات المرافقة والمتخلفة عن الدورة الثانية، وحداثة مفبركة ايديلوجية، تقوم على الغاء القانون التاريخي للمكان، وهذه هي التي استمرت طاغية وسائدة خلال القرن العشرين، لتنتهي الى الكارثة الراهنة، بعد الغزو الأمريكي عام 2003 حيث العراق بلا رؤية من أي نوع كان، القوى التي تمارس حضورها فيه، كيانات فاقدة لاي تبرير تاريخي له صلة، او أي نوع من العلاقة الفعالة مع الحقيقة المجتمعية والوطنية ماضيا وحاضرا. 
يترتب على وضع من هذا القبيل بالطبع، انتباها إزاء ماسبق، وما كان يقال او يعتبر من قبيل المواقف والتعيينات للظواهر واشكال الممارسات المنظور لها ايديلوجيا، من قبيل تمثيلية الأحزاب، والدول التي أقيمت منذ عشرينات القرن الماضي، من ذلك مثلا تحليل مايعرف بطبيعة الحكم البعثي الصدامي بالذات، وموقعه، واليات تشكله واستهدافاته المحركة، بالاستناد لاشكال الصراعية بين التشكل الوطني الازدواجي الامبراطوري، وبين الطاريء الغربي الحديث، ومافرضه من اعتبارات وقواعد"دولية"، بعيدا عن سفاهات الشعاراتية من نوع "النظام الدكتاتوري"، الدال على عجز مطلق وافلاس حتى على المستوى الايديلوجي، المؤسس من دون أي انتباه لقانون لازم قيام الدولة في العراق الحديث بصفتها استحالة، وهو ماحكم المرحلة الاستعمارية البريطانية ومابعدها، وتمثل بثورة تموز 1958 وهبتها الاستثنائية التي اكلت العائلة المالكة، وسحلتها في الشوارع، وطردت الاقطاع المفبرك شر طردة من الريف، مسجلة في تاريخ المنطقة حدثا سمي وقتها بالمد الأحمر، لانه الحدث الوحيد الذي ينتمي لعالم الثورات على حد تعبير المفكر الفرنسي( مكسيم رودنسون).
وفي هذا المجال تتشابه الحالتان، الجزيرية والعراقية، حيث مجتمعي اللادولة الازدواجي العراقي، والاحادي الجزيري، غير القابلين للتجسيد، فالدولة الراهنة في العربية السعودية باعتبارها صيغة معاكسة بنية للثورة المحمدية ( استطاع النبي محمد في لحظة تاريخية استثنائية ووحيدة غير قابلة للتكرار،ان يقيم مجتمع لادولة، نقل بموجبه المجتمع الجزيري من القبيلة الى العقيدة بينما الحركة السعودية الوهابية المعاصرة قامت على العكس حيث الدعوة بخدمة القبيلة المتغلبة في مجتمع لادولة غير قابل للتجسيد بصيغة الدولة الارضوية) لهذا استحالت لاسباب واختلافات تاريخية موضوعية، وفي الوسائل المتاحة، فلم يتهيأ لها تكرار ماعرفته الجزيرة العربية في القرن السابع، وهزمت في عقر دارها على يد محمد علي، ولم تصبح ممكنه الابالنفط والريع النفطي، المادة والاسمنت الذي سيجعل القبيلة المتغلبة، التي تستخدم العقيدة، ممكنة، وهو ماقد حدث في العراق، فلولا النفط لعاش العراق في العقود الحديثة ازمة استحالة الدولة، ولاستمرت عملية التشكل الوطني تترسم سياقات أخرى مختلفة، الى ان تظافرت ( القبيلة / والحزب العقائدي المحور/ والريع النفطي)، والحالتان الجزيرية والرافدينية اعتمدتا اعالة المجتمع، القبائل وفق سلم اعطيات هرمي في الجزيرة، وتوظيف المجتمع بهدف إيقاف الاليات التاريخية المتولدة عن المنتجية المساواتية، وبدل ماكان اعتمد ابان الطور الملكي الأول1921/1958 من محاولة تغيير نمط العلاقات المساواتيه المشاعية، بإدخال نوع ملكية مفبركة، ومدعومه من دولة برانية مرتكزة للاستعمارالانكليزي، صار نظام صدام حسين، مشغلا اكبر لليد العاملة ( يلغي صفة "العامل" ليسميه "مستخدما") بقانون، فاذا العراق بدون "عمال". وذلك محرك ومبرر وجود الدولة الرئيسي في العراق الحديث، وسبب قيامها بالدرجة الأولى، الاجهاز على مجتمع "اللادولة" عن طريق تغيير نوع العلاقات الاجتماعية التاريخي، مايعني حضور البنية التاريخية والياتها الحاسم، وان باشكال محوره بحسب ووفقا للاشتراطات الحالية.
لماذا وما الحكمة المضمرة التي تقف وراء حضور فعل الريع النفطي في موضعي اللادولة الازدواجي الرافيديني، والاحادي الجزيري، وماهو ملمح العظة التي يمكن استخلاصها من مثل هذه الصدفة المكلفة. والاهم لماذا تغيب مثل هذه الظاهرة ولاتلحظ، وان عولجت فمن باب البحث في "الثروة الوطنية" بحكم افتراض الوطنية على المنوال المطابق لنموذجها الغربي، حيث العراق لاوجود له حداثة وحاضرا، ولا كماض، ولا كدورات وانقطاعات، وبالاصل ازدواج مجتمعي كياني موحد ومنفصل، لمجتمعي "لادولة ارض سوادية" و "دولة قاهرة" مصدرها وموضع تشكلها شمالا، حيث عراق الجزيرة وبنيته التي تلائم وتولد مجتمعية تمايزية تغلبية، تضطر حين تريد ان تصير حاكمة للبلاد، لان تتحور قبل ان تنكفي امبراطوريا، هذا وتبقى بناء عليه مهمة إيجاد العراق الضائع، المغفل، الممنوع من الحضور لاسباب موضوعية تخص علاقة العقل بالظاهرة المجتمعية وقانون تاخره عنها، كما الحال في اوربا حيث ظل هذا الجانب غير ممكن ولامتاح عقلا، الا مع القرن التاسع عشر، الى ان حلت في العراق اليوم، ولاسباب واشتراطات ترجح هيمنة الايديلوجيا، والتشبه بالاخر المتغلب مفهوما ونموذجا، لحظة استعارة وتلبس للاخر.
هل البحث عن العراق والعثور عليه مهمة عادية، وهل مثل هذه المهمة قابلة للتحقيق من دون اثار وانعكاسات جوهرية على مستوى الشرق المتوسطي، والعالم، ان وجود نمط كيانية مجتمعية ازدواجي واماطة اللثام عنه كبنية، هو من دون ادنى شك حدث غير عادي على مستوى المجتمعية بالمطلق، اما العثور على ظاهرة الاحتشاد النمطي المجتمعي، وتلازم ثلاثة أنماط مجتمعية ازدواجي رافديني، واحادي لادولة جزيري، واحادي دولة مصري، ضمن محيط جغرافي بعينه من الكرة الأرضية، فامر بتوقع ان يكون لكشف النقاب عن مكنونه، اثرا كونيا انقلابيا، كما كان تاريخيا، وكما ظل حاضرا في الماضي الإنساني ابراهيميا، وكقوة فعل وانعكاس منذ العصر البرونزي ( ظهر العصر البرونزي في الشرق المتوسطي بالاصل ومنه انتقل الى اوربا وكان من محفزات الحضارة الاغريقية والرومانية، وهذا كان الشكل الاقدم من اشكال وباكورة التبادلية الحضارية على ضفتي المتوسط )، ويبقى الامر الأهم، او الهام جدا، هو هل العالم سائرالان، او هو قد بلغ راهنا، لحظة انبعاث الشرق متوسطية، وعبورها زمن الانقطاع الثاني المستمر منذ سقوط بغداد على يد المغول 1258 ، أي بدء زمن مابعد غرب، وبالاصل هل المنطقة مدار التنويه هنا، قد صارت مهياة، ومؤهلة للذهاب نحو ذاتها الغائبة المضمرة منذ اكثر من سبعة الاف عام؟.
ـ يتبع ـ