ابراهيمية بلا نبوه"أ"/"التحوليّة" والماركسية واليسار الشرق متوسطي/6

Submitted on Wed, 06/19/2019 - 12:58

عبد الاميرالركابي
ظلت البشرية وعلى قدر ماعاشت وتسنى لها اعقال شؤونها المختلفة، عاجزة عن اماطة اللثام عن ظاهرة "المجتمعية التي لاتتجسد ارضويا"، ولان العقل والعالم قد ظلا خاضعين لهيمنة المنظور الأحادي، فلقد اسقطت من الاعتبار الحقيقة الازدواجية الانشطارية المجتمعية بصفتها الظاهرة الأكبر، والابرز على مستوى المعمورة، وأكثرها رسوخا وعمقا في النفس البشرية، وقد ان الأوان لان تسجل في المقدمة من تعريفات الظاهرة المجتمعية، انها منشطرة الى عالم لايتجسد ارضويا، وعالم، او دولة لها خاصيات الارضوية المتعارف عليها. 
ثمة "دولة"، او نمط اجتماع،ممنوع عليه، وليس له ان يتجسد سوى سماويا،وهذه الدولة التي تحتفظ بنمطها في التصرف وفي شكل البنائية المطابق لطبيعتها، وفي سردية حضورها، تقابل عادة ودائما بنكران ونفي لها كحقيقة "تاريخانية" وتدمج بتعسف تحت سقف الظاهرة الاحادية، وهو ماقد فتح الباب في الآونة الأخيرة لمايشبه الفهلوة وال "فتاكة" التي يسمونها "بحثية"، يلعبها نفر من الأشخاص يقلبون بالتوراة، و يطوحون بها، وبشخوصها من عسير الى اليمن الى والى، معرضين البناء المفارق لمملكة الله على الأرض، لانماط تليق باصحاب ادعاءات التوثيق والوثوقيات "العلمية"، والتي تتحاشى الإجابة عن أسئلة غاية في الأهمية، منها تلك المتصلة بحدود القناعة البشرية، وسعة مدى وانتشار الايمانية المديدة زمنيا، والأطول عمرا على مر تكوين البشر، مقارنة باية فكرة او عقيده ارضوية، بما يوحي بقوة، بان هذا الجانب التكويني المفارق من الكائن البشري، هو كينونة ماثلة في اصل البنية المجتمعية على مستوى المعمورة، وانها تستحق لولا الادعائية الارضوية العلموية، ان تؤخذ باعتبارها على الأقل حقيقة "أخرى" بما انها موجودة وراسخة بعمق كعلم مفارق، له سرديته المصدقة، بغض النظر عن عدم اندراجها تحت طائلة العلم الارضوي، ومامعروف من التاريخانية الأحادية التي هي عدة عالم اخر ناهيك عن احالتها لما يسمونه "الخرافية".
يعتقد الوثوقيون التوثيقيون، بان مالادليل مادي عليه، فهو وهم وكذب مختلق لااساس له، مع ان الواقع يقول بان البناء المفارق، موجود وماثل كحقيقة راسخه في الوجدان والعقل البشريين على أوسع نطاق، وهو متمكن تماما،حتى بعد انتصار الحداثية والقعلانية، بما يجعل منه من اكثر الحقائق حقيقية على مر مئات السنين، فما السر في صدقية ورسوخ وثبات ماقد بني على وهم وكذب، وهل تلك خاصية من خواص الوجود البشري والمجتمعي، ومميزات العقل كما هو الحال المعاش عمليا وواقعا، وبما يتفوق واقعية بكثير على ما يستدل عليه بالوثيقة والبرهان الملموس، واضح ان الامر لايخلو لهذه الجهة من أسباب قوية تدعو للتوقف عند مايعتبر"حقيقة"، واذا كانت هذه وجدت مزدوجة بقانونين لكل منهما مقومات حياته وصدقيته، ام أحادية، بصرف النظرعن اختلاف مصادرها ودالات حيويتها.
لننظر في اصل المجتمعيات وكيف بدات، او متى اكتسبت المستوى البدئي المطلوب والمستمر الى الوقت الراهن كعملية موحدة، محكومة لسيرورة تعرف بالتاريخ الحضاري البشري، حبث نقع على واحدة من اخطر العقبات، العائدة كما يتوقع، لغلبة الاحادية التصورية، حيث المجتمعية بحسب هذا المنظور "واحدة" صنفا وبنية، وهو مايجوز ان نعتبره قصورا ومحدودية ظل العقل الأحادي الوثوقي ال "علموي" يصدر عنها، حيث يتمثل الإصرار على اخضاع المجتمعية لنمطية واحدة، الامر الذي لايستقيم اطلاقا مع الحقيقة المعاشة، الانشطارية، مجتمعيا ومنظورا، واغرب مايلاحظ هنا تلك الدراسات الموضوعة عن بدايات المجتمعية الرافدينية، والتي تصر برغم ماهو واضح الدلالة، وقوة المعطيات على ازدواجيتها، مقارنة مثلا بالبنية المصرية الفرعونية الارضوية الأحادية، وهو ماتعود من يبحثون في الحضارات النهرية الشرق متوسطية القديمة، اعتباره من المقارنات والمقابلات البديهية شبه الواجبة.
طبعا اذا قلنا بان المجتمعية الرافدينية مزدوجة، مشكله من نوعين من المجتمعات تحت سقف واحد، وهما موحدان رغم تباينهما، فذلك سيعني حتما الانتقال للقول بان ارض الرافدين هي النموذج المجتمعي الكوكبي الموافق لما نراه ونتلمسه من انشطاريه وثنائية، ومن ازدواجية سلطتية ودولتيه ارضية/ سماوية على المستوى الاشمل، يتبع ذلك ويترتب عليه القول بان نمط او نموذج المجتمعية العراقي، هو نموذج ونمط فريد في نوعه على مستوى الكوكب الأرضي، وان فرادته هي التي تمنح العالم ازدواجه، فالدولة السماوية الشائعة عالميا، ليست منتجا يمكن ان ينبت او ينمو في أي مكان/ بالاخص في اذربايجان التي يقول السيد القمني الأحادي المصري السكوني انها يمكن ان تكون مصدره حيث يفترض مجيء النبي ابراهيم/ وهذا الذي نقوله حقيقة موثقة بالمعاش المتحصل والسائد، حتى اذا قيل على سبيل المثال بان إبراهيم لاوجود له، هو وكل العائلة الابوية البطرياركية النبوية الأولى، فمايتبقى هنا، هو كيف يمكن لحيز بعينه من الكرة الأرضية، ان يكون ملائما لصناعة دولة مفارقة هائلة الامتداد، تكاد تشمل الكوكب، واية بنية تلك التي تصر تواترا، على بناء صرح محكم من رؤيا للوجود والكون، موازية ومفارقة للدولة الارضوية، وتفلح في ذلك من دون أدوات موثقة او ملموسة، ومختبرة معاينه؟.
ليست الابراهيمة بقراءاتها الثلاث الكبرى "دينا"، انها العنصر الثاني المفارق من الحقيقة المجتمعية البشرية الانشطارية، المحكومة بالازدواج المفهومي ابتداء، حيث لااكتمال للعقل والاعقال الكوني والحياتي، الا بهما معا، والازدواج ليس مجرد افتراق تتعرض فيه الارضوية لاضعاف وايهان درجة ومستوى الحوكمة التي تسنى لها حيازتها، والحد من غلوائها، برفع الحكم من الأرض وايداع ماتتمتع به من سلطة لدى المطلق الأعلى، و هي ظاهرة تنطوي على السرالاعظم المودع في الوجود الحي، ومسار ومالات صيرورته ومصيره الأرضي. 
العالم منشطرالى دولتين، لايمكن لهما ان تتجسدا كما هو حاصل، الا بوجود"نموذج" و " عينة" واقعية حية، متكررة الحضور، على رغم تعرضها بسبب لاثباتيتها ولامجتمعيتها، للغياب وللانقطاعات بين الدورات، لمرتين، وثلاث حضورات، وصولا للحظة "فك الازدواج" واختفاء المجتمعية بحلول اللامجتمعية. وادراك هذه الحقيقة بالطبع اصعب بمالايقاس من تلك التي تنظر للوجود المجتمعي والتاريخي من منظار الأحادية والملموس المعاين، والعقل البشري واعقال الوجود والعالم، لن يصل حالته الارقى الا حين يسكنه الازدواج، ويقارب وعيا ويدرك ظاهرة وحقيقة "اللادولة" غير القابلة للتجسيد ارضويا، بحيث يتراجع او ينتفي المنظور الأحادي الباقي مهيمنا الى اليوم على الاعقال البشري.
في سومر وجدت مجتمعية لادولة متعذرة على التحقق، تعيش ضمن اشتراطات العيش على حافة الفناء، مساواتية لاتقبل ولاتفرز من داخلها تمايزات، ولا ترى الى ذاتها ارضويا، فحالة شبه الاستحالة الإنتاجية والمجتمعية هنا، تجعل مجتمع اللادولة مافوق ارضي، نزاع الى الخروج من الأرض، ومتصل بالسماء كملجا من حالة وجدت اقرب الى الاستحالة تحت وطاة طبيعة مجافية، ونهرين مدمرين يفيضان عكس الدورة الزراعية، وارض رخوة متغيرة، ومحيط مجاف غاز وطامع من كل الجهات عدا الجنوب، والمدن تبنى هنالتنام تحت التراب، تحت "اليشن/ مقابر المدن" المنتشرة على امتداد مقبرة المدن الكبرى الممتدة من بغداد الى البصرة عند اول المدن اريدو، والمنتج الذي يتحقق وسط الصراع المميت يتبدد، والبناء المحكم والمعقد بسبب صعوبة عملية الارواء ، من شبكة النواظم والسواقي بسبب خطر الفيضان العاتي واحتساباته المفاجئة، ينهار بفعل كل هذا النمط المحكم الدقيق والحساس ، المتلازم والموكول لجملة من التوجسات الخطرة المدمرة، وهذا بجملته ان لم يكن بعضا منه، يكفي لكي تصبح الأرض اقل من مطمح ابدي، او محلا للسكنى، وبالأخص لتصور البناء في دولة، من البين بلا ادنى جدال، انها بلا مقوم ولا سند من أي نوع.
ومشهد من هذا القبيل غير مقارب، ولم يسبق للعقل الإنساني ان قرأ منطوياته، هو "عالم اخر" له قوانينه، واشكال واليات تحققه، الامر الذي لن يحصل كما هو الواقع المعاش تاريخيا بين ليلة وضحاها، او خارج اليات التصارعية الازدواجية، مع قيام الدول المدن الهشة وانهيارها، والتشبهات الإمبراطورية الازدواجية، وما يمكن ان نتوقعه من اشتراطات استثنائية وتحديات تفرض على العقل، قبل ان يتوفر على الصيغة القابلة للحياة، والصالحة لبناء كيان لاارضوي مفارق، يبدو ان أولى اشكال تبلوره كانت منوطة بالهزيمة البنيوية الأولى، لصالح الدولة الاكراهية، وتحديدا البابلية الأخيرة، فالطموح للذهاب الى السماء وسكناها، أصيب بالنكوص مقابل بناء الإمبراطورية الازدواجية الأرضي، وان المحوّر بضوء ضغوط المجتمعية المساواتية السماوية من اسفل، ماانتج صيغتها المعروفة مع حامورابي وشريعته المحورة والمسروقة من ثلاث شرائع مساواتية قبلها.
يتساءل احدهم لماذا الذهاب الى حران شمالا؟، ولايخطر له ان يفكر كالتالي : لماذا اختيار المنفى الداخلي، وصاحب السؤال بالطبع لايملك من مقومات العقل سوى الأحادية المتدنية، مالا يؤهله لان يدرك كيفيات تشكل الخطوات والمحطات الاستراتيجية، فالابراهيمية، تمر بطور اول اصطراعي مع المعاش البيئي جنوبا ضمن حالة ازدواج، ومع الدولة القاهرة، وتظل تتارجح بين اعتقادها بالذهاب الى السماء، وبين عجزها وافتقارها للوسيلة التحولية المادية، مع توفر الأسباب البنيوية، ويوم يحق الاستبدال بعد الاعتقاد باستحالة الخروج من الارضوية، ويصير بناء "مملكة الله" بديلا عن التحقق الراهن والاني المستحيل من دون وسيلة مادية، تبدا مهمة أخرى من البناء المفهومي، كان لابد على من وضعوا استراتيجيا "الوعد خارج ارضه"/ هل هو إبراهيم الشخص ام المفهوم؟/ ان يتوقفوا ليفكروا بها مليا وعميقا، قبل ان يقرروا خوض رحلة التحقق وسط التيه الطويل، بين الشام وارض مصر المجافية، المخالفة والطاردة.
ان منطقة الشرق المتوسطي، هي المنطقة المصممة بنيويا لبناء المنظور المفارق على مستوى المعمورة، منظور الدولة السماوية،. وهو ماسيتجلى بالتوراة والانجيل والقران، وتاريخها المصاغ ضمن المسرحين الشامي المصري والجزيري، عبر القراءات الثلاث، اليهودية، والمسيحية، والإسلام. وهذا المنجز، هو اهم منجزات العقل البشري على الاطلاق، وهو يتجاوز من حيث أهميته وشموله، الفلسفة الغربية، معه تتكرس ازدواجية الوجود المجتمعي البشري، وتترسخ عالميا. والمبتنى المذكور، له من دون شك قوانين تشكله، الحية المعاشة، والتفكرية العبقرية النبوية الاستثنائية، والشرق متوسطية، هي وحدة بنيوية، تطابق اشتراطات التفارق السماوي الأرضي، العقل مايزال دونها، وقاصر الى الان عن ادراك منطوياتها، بينما يشيع منظور قاصر أحادي، من شيمته اعتبار ذاته مطلقا وحيدا، ومنظور صواب، يعني ذلك ان ثمة بنية تعميم للانشطار الكوكبي، مودعة في احتشاد الأنماط المجتمعية الثلاثة المتحاذية.
حين يعيش اليهود الابراهيميون، بغض النظر عن حرفية السردية التي تحكم تدرجات تاريخهم، وادوار الفاعلين فيها، ليستقروا في منطقة ساحل الشام ومصر، فان ماينتظم وجودهم وحياتهم هنا هو واقع تناقضي، بين امتناع اللادولة خارج ارضها، وفي عالم الأحادية المناقض لها كينونة، لتصبح الدولة السماوية التي هم ورثتها، وحاملي وعدها، حالة خاصة وسيرة امتناع عن الاندراج ضمن قانون الدولة الأرضية، وهي هنا مصر، مجتمع الدولة الأحادي المهيمن، والذي لايقبل خروجا على هيمنته فرعونيته الربوبية المطلقة، مع ساحل الشام حيث الدول المدن، وافتقاد الاليات الكيانية الموحدة، ومايتحيه ذلك من إمكانية مراوغة وتسرب بين الشقوق، قد تتيح نوعا من الاستقلالية العابرة أحيانا، وان يكن المجال غيرموحد، ومجاف كليا تكوينيا، ماقد اوجب الاعجازية، والهرب/ ( التية)، وصولا في نهاية المطاف، الى الاعجاز الأكبر مع يسوع المسيح، الانسان الاله، الذي ينزل معه الله بذاته وجلالة قدره، ومعجزاته الخارقة، على الأرض كي يخرق البنية المجافية الممتنعة كليا. 
هنا تشكل بناء الدولة السماوية خارج ارضها، ومن دون الاليات الواقعية التي جعلتها خيارا " واقعيا" ملموسا بداية في ارض السواد، وعلى مدى الاف السنين من التقلبات والاختبارات، الى ان اكتملت الأسس اللازمة، والمنطلقات الضرورية الملائمة لبنيتها المفهومية مع نهايات الطور الرافيديني، او الدورة الرافيدينية الأولى، وتكرست النبوة كشكل ابلاغ رسالي، يخص عالما مكتملا من اشكال التجسد اللاارضي، بما يتصل به من قوانين تحقق خاصة، هي قطعا غير تلك التي تشكل نمط الكيانية والدولة الأرضوية التي تصر على اسباغ مفهومها، وفرضه على غيرها وما لايتفق طبيعة مع كينونتها، فكيف لعالم المعجز والخارق، والاتي من السماء تبليغا بعد تطابقه مع مقتضاها ارضيا، ان يخضع لما هو ارضوي وعياني، ووثوقي، ملموس، ومعاين.... عالمان يشطران وجود الكائن الحي : ايماني سماوي، وارضوي توثيقي تاريخاني، ليس لاحدهما حتى اليوم ان يلغي الاخر، او يحل محله، او يهدده بالالغاء، او افتراض الغاء. 
ـ يتبع ـ