إبراهيمية بلا نبوة -ب-/-التحوليّة-والماركسية واليسار الشرق متوسطي/7

عبد الامير الركابي

منطقة الشرق المتوسطي هي بالأحرى وتحديدا، "منطقة تعميم الانشطار المجتمعي الضروري" وهي تفعل ذلك على مسارين، الأول اوربي ذاهب الى الضفة الثانية من المتوسط، ومجال تبلوره وانطلاقه شامي مصري، والثاني متجه الى الشرق، ماوراء فارس، وصولا الى الهند والصين. الأول يتحقق بالمعاجز والخوارق التي تستدعي في النهاية حضور الله على الأرض، واحيائه الموتى، وجعل الاعمى يبصر، بعد ان يكون قد شق البحر بضربة عصا، والثانية تنطلق من زاوية صحراوية في كعب العالم، تتوفرعلى معجزة احترابية عسكرية لاترد، تمكنها من فتح العالم الشرقي، ممتدة غربا الى تخوم اوربا حتى الصين شرقا في اقصرالاجال. وما ننوه به هنا هو آلية تكوينية كوكبية، لامكان فيها لليمن ولاعسير ولا المغرب، فالجزيرة وعسير مشمولتان ببنية اللادولة الأحادية الجزيرية، واطرافها ومايحاذيها،المكتوب لها التحقق لمرة واحدة في القرن السابع، وهي فاقدة للاليات الاصطراعية الازدواجية، كما يتطلبها تاريخ تشكل انبثاق مملكة الله على الأرض في ارض الرافيدين، ولا داعي بالطبع للنظر الى اليمن، لانها خارج مثل هذا النوع من البحث التاريخي والجغرافي. 
ولعله قد آن الأوان لان ينظر في التوزع البنيوي المجتمعي، خارج الأحادية، حتى نكتشف اليات عبقرية تعميم الانشطار المجتمعي ارضيا انطلاقا من حيز الاحتشاد النمطي المجتمعي، حيث كيان الازدواج الأرض سماوي الرافديني، يقابله في البقعة نفسها وعلى مقربة، البناء المجتمعي للدولة الأحادية النيلي المصري، وامامه المجال الشامي غير القابل للتشكل في كيانية، نزولا الى الجزيرة العربية، حيث مجتمع اللادولة الصحراوي، الخاضع لقوانين اقتصاد الغزو والتجارة القارية. في هذا المكان الثلاثي الأنماط ( الأحادية المجتمعية الاوربية تنظر للمجتمعات على انها نمط واحد وموحد، عاجزة عن رؤية كونها ثلاثية: مزدوجة رافدينية، واحادية دولة تضم مجتمع ازدواج طبقي، هو الارقى والاعلى دينامية من بينها، ومجتمع أحادية لادولة، نموذجه المايا والازتك، واعلاها دينامية مجتمع اقتصاد الغزو الجزيري)، تتبلور الانشطارية الأولى، وتستمر متنقلة، بعد ان يستحيل تحققها في ارضها، ليبدا زمن إرساء بنيتها التصورية ارتكازا لها ومنها خارج منشئها، وفي الحيز المجافي الشامي المصري، المحفز بامتناعه المجافي على بدء بنائها اللاارضوي المفهومي، بديلا للمعاش المستحيل بسبب الافتقار للعامل المادي، أي وسيلة الإنتاج المطابقة للبنية السماوية، بنية اللادولة السومرية.
ونحن هنا امام "علم تاريخ" غير مكتشف، يمكن ان نطلق عليه اسم "علم تاريخ الانشطارية المجتمعية وكيفيات ومواضع تحققها"، وهو بالطبع لاعلاقة له بمايعرف على انه "علم للتاريخ"، بغض النظر عن تبجحاته العلموية والتاريخانية، فتاريخ الانشطارية مثلا، لايقبل التحقق في مكان نشاته ابان زمنه الانتظاري المؤقت، بمعنى ان الابراهيمة ليس من شانها ان تصبح، ولايمكن ان تصبح رؤية لنوع كيانية سماوية موجودة بنيويا واقعا، وهي لاتحتاج للتجسد المفهومي، الا في اخر مراحل وجودها حين تتهيأ الأسباب المادية، وتضاف الى الأسباب البنيوية، ويصير التحول ممكنا ووشيكا، هذا في حين ان التجسد المفهومي يتحقق، ويصبح بمثابة بناء مفارق للارضوي، حيث اساسة البنيوي غير قائم، فالبناء التصوري لمملكة الله السماوية، هو فعل بإزاء مايضاده ويجافيه بنية، أي في المجتمع احادي الدولة غالبا، مايجعله أصلا خارج الثبوتيات والتوثيق، وعبقرية الكيان السماوي المفارق المتمثل بالرؤية،هي تلك التي تجليها كتحقق ظاهر في اختراقها شبه المستحيل للبنية التي تدعي الوثوقية والملموسية المشاهدة عيانا.
ذلك مايعنية "الجيتو" في التاريخ، بصفته مجتمعية مغلقة، محصنة إزاء مايحيط بها، تعتاش وتتنفس على مرجعية لادولة سماوية، اصلها غير حاضر وبعيد، وهي تسعى للتجسد خارج ارضها. وذلك هو إبراهيم والابراهيمية خارج التجسدات الشخصانية، حين يحضر مطرودا خارج ارضه، ليشطر مجتمعات هي بداهة ليست احادية بالمطلق، فالمجتمعية الأحادية تامة الأحادية لاوجود لها، والمجتمعات غير قابلة للحياة بنوع وصفة بنيوية أحادية مطلقة وتامة. واذا كان الفرعون "الها"، فانه لن يلبت ان يخلي مكانه للاله الأعلى، لان الانسان المصري ما يلبث ان يجد في المنظور المفارق "دولته/ اللادولة، المفقودة في ارضه"، لتغدو قوة وحاجزايحول دون تغول الفرعونية المطلق، وإزاء مطمح كهذا، لاتعود الثبوتية لازمة لزوما مطلقا ويصير"العلم" المدعى بحاجة لاعادة نظر.
ماينقص الشرق متوسطية الى اليوم، انها لم تصب جهدها على محاولة كتشاف بنيتها، ومن ثم، غاب عنها محدد الأفعال والظواهر، والنسق التاريخاني المتولد عن الياتها المطابقة لمبتناها، الامر الذي لاقيمة للاحافير واللقى من دونه، حيث يتمثل المعنى والاليات والقوانين والاغراض، وتصير اللقى ناطقة بغير ماهو محدود بحدود الدلالة الاثرية، فاللقى بعكس مايظن يمكن ان تنطق بغير حقيقتها، او تسبغ على الماضي مفاهيم جاهزة، تركب عليها،كما انها يمكن ان لاتكون مواكبة حتمية لنمط من الأفعال، أي الافعال غير الاركولوجية، التي لم توضع في الاحتمال، سيرا وراء عادة النقل الاعمى عن المصدر الأوربي، الامر الذي ظل يسهم بقوة في استمرار انغلاق التاريخ والدلالة والمعنى.
ولابد من الإشارة سواء في العراق، او في منطقة شرق المتوسط، الى شيوع حالة او حقبة ماقبل الوطنية المطابقة، او الشرق متوسطية، ميزتها الرئيسية انها قامت على اسباغ المفهوم الأوربي الحديث على العراق ومنطقة الاحتشاد النمطي الثلاثي، وواضبت على النظر اليها بمنظار يدعي توحيد الرؤية عالميا، انما لمصلحة، وبعد الإقرار باولوية ونموذجية الظاهرة الغربية، وبالذات الحديثة، على انها قمة التجلي المجتمعي والمفهومي، لابل ومع اعتماد منطق تحريم القول ب "الخصوصية"، او أي من دالاتها، فضلا عن التجروء على وضعها بمقابل المنجز الغربي، فالخصوصيات على حسب حكم الظاهرة الغربية الحديثة، جريمة بالمطلق، القول بها خيانة وخروج على منطق"العصر"، بما انه قد يهز باية درجه، موقع اوربا ولغرب باعتبارهما "الممكن الوحيد".
وواقع الامر ان ماحصل منذ التنبه على الحدث الغربي الحديث، هو استسهال واستعجال غير مباح اطلاقا، يستبدل ماهو خارج الإحاطة ومتعذر، بما قد صار باليد بفضل الاخر،وقابل للاستخدام بديلا، فالعقل الشرق متوسطي، والعراقي الحديث، كان ومايزال، متواضع الفعاليّة الى ادنى الحدود، وبعيد بسنين ضوئية عن اماطة اللثام عن حقيقته، وعن ذاتيته، والنخب الشرق متوسطية التي افرزتها العقود خلال القرنين المنصرمين، تنتمي عمليا، لمزيج من اثار وبقايا زمن الانقطاع الثاني، وذيول مايولدة من ظروف ومناخات التردي والانهيار الطويل، بجانب نزعه الانتساب للاخر، أي ان هؤلاء ليسوا أبناء العالم الشرق متوسطي، بما هو دورة ثالثة بعد انقطاع وانتهاء زمن ومفاعيل الدورة الثانية، الممتدة بين الثورة الجزيرية المحمدية في القرن السابع، وانهيار الإمبراطورية المواكبة لها في بغداد عام 1258 .
واذا لجانا الى التحقيب فالاقرب سيكون والحالة هذه، اعتبار هذه الفترة من تاريخ المنطقة من نوع اللحظة الانتقالية بين زمنين، زمن الانقطاع وبقاياه ومفاعيله، يطغى عليها التشبه المستحيل بالطاريء الغربي، والزمن المنتمي للدورة الثالثة التي ماتزال في رحم المستقبل، ربما الوشيك. وهو مانعتقد ان من ابرز محددات تبلورة، انتقال الرؤية والفعل العقلي، من الطور النبوي الابراهيمي، الى الابراهيمة العليّة السببية، مابعد النبوية، أي انتهاء النبوة كطور ومرحلة من التاريخ، كان قد خضع لاسباب بنيوية وموضوعية لاشتراطات توجب وتجيز التعبير الحدسي المحال الى السماء، بينما الادراكي وقتها غير ممكن، لابل من المستحيلات العقلية والعملية.
ففي حينه لم يكن ضمن دائرة مايمكن افتكاره، الانتباه الى الازدواجية المجتمعية الرافدينية، ومايمكن ان تورثه من ظواهر تتمخض عنها، او القول ب" اللادولة" مفهوما بنيويا، سواء منها الازدواجية الرافدنية، او الأحادية الجزيرية، مع العلم بان مثل هذا المفهوم غيرمتداول، وهو لم يدخل عالم الاجتماع ومعارفه،الافي اضيق نطاق، الى اليوم، ويمكن ان نتصور إمكانية ان يقال قبل الاف السنين، بالازدواج المجتمعي ضمن كيان موحد وواحد، هذا غير الانتباه الى ان هذه المنطقة الممتدة بين الحضارتين النهريتين الاقدم، مع ارجحية دينامية رافدينية، هي منطقة احتشاد للانماط المجتمعية، علما بان الظاهرة المجتمعية لم تصبح من قبيل مايمكن اخضاعه للمعاينة والدرس، الا في أوقات قريبة متاخرة، ترجع للقرن التاسع عشر، مع نهضة اوربا الحديثة، واما مايترتب على لوحة كهذه من ديناميات، ومن مسارات محتملة، فيجب ان نتصور او نتوقع مقدار الاستحالة التي كانت وقتها والى الوقت الحاضرتحول دون مقاربتها، بما قدوضع العقل هنا حينها خارج أي قدرة، او أي شكل من اشكال الاستيعاء،اومقاربة حالة هي ربما الأشد خصوصية وتفردا على مستوى المعمورة، بالاخص اذا ماقورنت بحالة الانشطار الطبقي الأوربي.
بعد كل ماذكر فان ظاهرة النبوة والتعبيربها لبناء"مملكة الله السماوية المفارقة"يصير خلاصة للعبقرية التي يمكن تصورها، بالاحالة لفاعلها النبوئي الحدسي الخارق من حيث مطابقته للواقع الذي ينطق عنه، مع ماقد نجم عنها من منجز، مازال يطبع العالم الى اليوم، وبمتوالية متتابعة من سلسلة من النبوات والقراءات الكبرى، التمعن فيها يثير اقصى أنواع الدهشة، إزاء البنية الصارمة والمحكمة، المرنة، والفاعلة كما لم يسبق ان حدث لاية ظاهرة في التاريخ البشري، فماذا بعد هذا اذا ما انتقل العالم الشرق متوسطي، والعراقي في قلبه كما كان دائما،الى الطور الثاني، طور "الابراهيمية بلانبوة"، بمعنى توفر اسباب التعليل والسببية والفحص، ابان ومع بدء انقلاب العالم وبالتزامن معه، حيث دخول الوسيلة الإنتاجية التحولية اللازمة عملية المنتجية المجتمعية، بعد ان ظلت مفتقدة تاريخيا وطويلا وحال افتقادها وقتها، أيام سومر، دون التحول العظيم ومنعه، مؤجلا انتقال الانسان للاكوان العليا، برغم تطابق البنية السومرية، مع مقتضيات مثل هذا الانتقال.
حيث تفرز الثورة الراسمالية التكنولوجيا اليوم، كطور ثان من اطوار حياتها وصيرورتها التي ابتدات بالالية المصنعية، فان العالم يقترب من مشارف التحول والانتقال العظيم، وتصير النافذه الاخذه بالكائن البشري خارج الكوكب الأرضي، بعد ان استفد ماهو مقرر له وعليه من زمن وآجال سكنى ارضية، مفتوحة على مصراعيها، ويدخل الزمن، زمنا آخر.
ـ يتبع ـ 
ـ البيان التحولي/ "التحولّيه" والماركسية واليسار لشرق متوسطي/8

براهيمية بلا نبوة -ب-/-التحوليّة-والماركسية واليسار الشرق متوسطي/7


عبدالامير الركابي 
Image removed. Image removed. 
الحوار المتمدن-العدد: 6268 - 2019 / 6 / 22 - 19:19 
المحور: مواضيع وابحاث سياسية 
     

 

منطقة الشرق المتوسطي هي بالأحرى وتحديدا، "منطقة تعميم الانشطار المجتمعي الضروري" وهي تفعل ذلك على مسارين، الأول اوربي ذاهب الى الضفة الثانية من المتوسط، ومجال تبلوره وانطلاقه شامي مصري، والثاني متجه الى الشرق، ماوراء فارس، وصولا الى الهند والصين. الأول يتحقق بالمعاجز والخوارق التي تستدعي في النهاية حضور الله على الأرض، واحيائه الموتى، وجعل الاعمى يبصر، بعد ان يكون قد شق البحر بضربة عصا، والثانية تنطلق من زاوية صحراوية في كعب العالم، تتوفرعلى معجزة احترابية عسكرية لاترد، تمكنها من فتح العالم الشرقي، ممتدة غربا الى تخوم اوربا حتى الصين شرقا في اقصرالاجال. وما ننوه به هنا هو آلية تكوينية كوكبية، لامكان فيها لليمن ولاعسير ولا المغرب، فالجزيرة وعسير مشمولتان ببنية اللادولة الأحادية الجزيرية، واطرافها ومايحاذيها،المكتوب لها التحقق لمرة واحدة في القرن السابع، وهي فاقدة للاليات الاصطراعية الازدواجية، كما يتطلبها تاريخ تشكل انبثاق مملكة الله على الأرض في ارض الرافيدين، ولا داعي بالطبع للنظر الى اليمن، لانها خارج مثل هذا النوع من البحث التاريخي والجغرافي. 
ولعله قد آن الأوان لان ينظر في التوزع البنيوي المجتمعي، خارج الأحادية، حتى نكتشف اليات عبقرية تعميم الانشطار المجتمعي ارضيا انطلاقا من حيز الاحتشاد النمطي المجتمعي، حيث كيان الازدواج الأرض سماوي الرافديني، يقابله في البقعة نفسها وعلى مقربة، البناء المجتمعي للدولة الأحادية النيلي المصري، وامامه المجال الشامي غير القابل للتشكل في كيانية، نزولا الى الجزيرة العربية، حيث مجتمع اللادولة الصحراوي، الخاضع لقوانين اقتصاد الغزو والتجارة القارية. في هذا المكان الثلاثي الأنماط ( الأحادية المجتمعية الاوربية تنظر للمجتمعات على انها نمط واحد وموحد، عاجزة عن رؤية كونها ثلاثية: مزدوجة رافدينية، واحادية دولة تضم مجتمع ازدواج طبقي، هو الارقى والاعلى دينامية من بينها، ومجتمع أحادية لادولة، نموذجه المايا والازتك، واعلاها دينامية مجتمع اقتصاد الغزو الجزيري)، تتبلور الانشطارية الأولى، وتستمر متنقلة، بعد ان يستحيل تحققها في ارضها، ليبدا زمن إرساء بنيتها التصورية ارتكازا لها ومنها خارج منشئها، وفي الحيز المجافي الشامي المصري، المحفز بامتناعه المجافي على بدء بنائها اللاارضوي المفهومي، بديلا للمعاش المستحيل بسبب الافتقار للعامل المادي، أي وسيلة الإنتاج المطابقة للبنية السماوية، بنية اللادولة السومرية.
ونحن هنا امام "علم تاريخ" غير مكتشف، يمكن ان نطلق عليه اسم "علم تاريخ الانشطارية المجتمعية وكيفيات ومواضع تحققها"، وهو بالطبع لاعلاقة له بمايعرف على انه "علم للتاريخ"، بغض النظر عن تبجحاته العلموية والتاريخانية، فتاريخ الانشطارية مثلا، لايقبل التحقق في مكان نشاته ابان زمنه الانتظاري المؤقت، بمعنى ان الابراهيمة ليس من شانها ان تصبح، ولايمكن ان تصبح رؤية لنوع كيانية سماوية موجودة بنيويا واقعا، وهي لاتحتاج للتجسد المفهومي، الا في اخر مراحل وجودها حين تتهيأ الأسباب المادية، وتضاف الى الأسباب البنيوية، ويصير التحول ممكنا ووشيكا، هذا في حين ان التجسد المفهومي يتحقق، ويصبح بمثابة بناء مفارق للارضوي، حيث اساسة البنيوي غير قائم، فالبناء التصوري لمملكة الله السماوية، هو فعل بإزاء مايضاده ويجافيه بنية، أي في المجتمع احادي الدولة غالبا، مايجعله أصلا خارج الثبوتيات والتوثيق، وعبقرية الكيان السماوي المفارق المتمثل بالرؤية،هي تلك التي تجليها كتحقق ظاهر في اختراقها شبه المستحيل للبنية التي تدعي الوثوقية والملموسية المشاهدة عيانا.
ذلك مايعنية "الجيتو" في التاريخ، بصفته مجتمعية مغلقة، محصنة إزاء مايحيط بها، تعتاش وتتنفس على مرجعية لادولة سماوية، اصلها غير حاضر وبعيد، وهي تسعى للتجسد خارج ارضها. وذلك هو إبراهيم والابراهيمية خارج التجسدات الشخصانية، حين يحضر مطرودا خارج ارضه، ليشطر مجتمعات هي بداهة ليست احادية بالمطلق، فالمجتمعية الأحادية تامة الأحادية لاوجود لها، والمجتمعات غير قابلة للحياة بنوع وصفة بنيوية أحادية مطلقة وتامة. واذا كان الفرعون "الها"، فانه لن يلبت ان يخلي مكانه للاله الأعلى، لان الانسان المصري ما يلبث ان يجد في المنظور المفارق "دولته/ اللادولة، المفقودة في ارضه"، لتغدو قوة وحاجزايحول دون تغول الفرعونية المطلق، وإزاء مطمح كهذا، لاتعود الثبوتية لازمة لزوما مطلقا ويصير"العلم" المدعى بحاجة لاعادة نظر.
ماينقص الشرق متوسطية الى اليوم، انها لم تصب جهدها على محاولة كتشاف بنيتها، ومن ثم، غاب عنها محدد الأفعال والظواهر، والنسق التاريخاني المتولد عن الياتها المطابقة لمبتناها، الامر الذي لاقيمة للاحافير واللقى من دونه، حيث يتمثل المعنى والاليات والقوانين والاغراض، وتصير اللقى ناطقة بغير ماهو محدود بحدود الدلالة الاثرية، فاللقى بعكس مايظن يمكن ان تنطق بغير حقيقتها، او تسبغ على الماضي مفاهيم جاهزة، تركب عليها،كما انها يمكن ان لاتكون مواكبة حتمية لنمط من الأفعال، أي الافعال غير الاركولوجية، التي لم توضع في الاحتمال، سيرا وراء عادة النقل الاعمى عن المصدر الأوربي، الامر الذي ظل يسهم بقوة في استمرار انغلاق التاريخ والدلالة والمعنى.
ولابد من الإشارة سواء في العراق، او في منطقة شرق المتوسط، الى شيوع حالة او حقبة ماقبل الوطنية المطابقة، او الشرق متوسطية، ميزتها الرئيسية انها قامت على اسباغ المفهوم الأوربي الحديث على العراق ومنطقة الاحتشاد النمطي الثلاثي، وواضبت على النظر اليها بمنظار يدعي توحيد الرؤية عالميا، انما لمصلحة، وبعد الإقرار باولوية ونموذجية الظاهرة الغربية، وبالذات الحديثة، على انها قمة التجلي المجتمعي والمفهومي، لابل ومع اعتماد منطق تحريم القول ب "الخصوصية"، او أي من دالاتها، فضلا عن التجروء على وضعها بمقابل المنجز الغربي، فالخصوصيات على حسب حكم الظاهرة الغربية الحديثة، جريمة بالمطلق، القول بها خيانة وخروج على منطق"العصر"، بما انه قد يهز باية درجه، موقع اوربا ولغرب باعتبارهما "الممكن الوحيد".
وواقع الامر ان ماحصل منذ التنبه على الحدث الغربي الحديث، هو استسهال واستعجال غير مباح اطلاقا، يستبدل ماهو خارج الإحاطة ومتعذر، بما قد صار باليد بفضل الاخر،وقابل للاستخدام بديلا، فالعقل الشرق متوسطي، والعراقي الحديث، كان ومايزال، متواضع الفعاليّة الى ادنى الحدود، وبعيد بسنين ضوئية عن اماطة اللثام عن حقيقته، وعن ذاتيته، والنخب الشرق متوسطية التي افرزتها العقود خلال القرنين المنصرمين، تنتمي عمليا، لمزيج من اثار وبقايا زمن الانقطاع الثاني، وذيول مايولدة من ظروف ومناخات التردي والانهيار الطويل، بجانب نزعه الانتساب للاخر، أي ان هؤلاء ليسوا أبناء العالم الشرق متوسطي، بما هو دورة ثالثة بعد انقطاع وانتهاء زمن ومفاعيل الدورة الثانية، الممتدة بين الثورة الجزيرية المحمدية في القرن السابع، وانهيار الإمبراطورية المواكبة لها في بغداد عام 1258 .
واذا لجانا الى التحقيب فالاقرب سيكون والحالة هذه، اعتبار هذه الفترة من تاريخ المنطقة من نوع اللحظة الانتقالية بين زمنين، زمن الانقطاع وبقاياه ومفاعيله، يطغى عليها التشبه المستحيل بالطاريء الغربي، والزمن المنتمي للدورة الثالثة التي ماتزال في رحم المستقبل، ربما الوشيك. وهو مانعتقد ان من ابرز محددات تبلورة، انتقال الرؤية والفعل العقلي، من الطور النبوي الابراهيمي، الى الابراهيمة العليّة السببية، مابعد النبوية، أي انتهاء النبوة كطور ومرحلة من التاريخ، كان قد خضع لاسباب بنيوية وموضوعية لاشتراطات توجب وتجيز التعبير الحدسي المحال الى السماء، بينما الادراكي وقتها غير ممكن، لابل من المستحيلات العقلية والعملية.
ففي حينه لم يكن ضمن دائرة مايمكن افتكاره، الانتباه الى الازدواجية المجتمعية الرافدينية، ومايمكن ان تورثه من ظواهر تتمخض عنها، او القول ب" اللادولة" مفهوما بنيويا، سواء منها الازدواجية الرافدنية، او الأحادية الجزيرية، مع العلم بان مثل هذا المفهوم غيرمتداول، وهو لم يدخل عالم الاجتماع ومعارفه،الافي اضيق نطاق، الى اليوم، ويمكن ان نتصور إمكانية ان يقال قبل الاف السنين، بالازدواج المجتمعي ضمن كيان موحد وواحد، هذا غير الانتباه الى ان هذه المنطقة الممتدة بين الحضارتين النهريتين الاقدم، مع ارجحية دينامية رافدينية، هي منطقة احتشاد للانماط المجتمعية، علما بان الظاهرة المجتمعية لم تصبح من قبيل مايمكن اخضاعه للمعاينة والدرس، الا في أوقات قريبة متاخرة، ترجع للقرن التاسع عشر، مع نهضة اوربا الحديثة، واما مايترتب على لوحة كهذه من ديناميات، ومن مسارات محتملة، فيجب ان نتصور او نتوقع مقدار الاستحالة التي كانت وقتها والى الوقت الحاضرتحول دون مقاربتها، بما قدوضع العقل هنا حينها خارج أي قدرة، او أي شكل من اشكال الاستيعاء،اومقاربة حالة هي ربما الأشد خصوصية وتفردا على مستوى المعمورة، بالاخص اذا ماقورنت بحالة الانشطار الطبقي الأوربي.
بعد كل ماذكر فان ظاهرة النبوة والتعبيربها لبناء"مملكة الله السماوية المفارقة"يصير خلاصة للعبقرية التي يمكن تصورها، بالاحالة لفاعلها النبوئي الحدسي الخارق من حيث مطابقته للواقع الذي ينطق عنه، مع ماقد نجم عنها من منجز، مازال يطبع العالم الى اليوم، وبمتوالية متتابعة من سلسلة من النبوات والقراءات الكبرى، التمعن فيها يثير اقصى أنواع الدهشة، إزاء البنية الصارمة والمحكمة، المرنة، والفاعلة كما لم يسبق ان حدث لاية ظاهرة في التاريخ البشري، فماذا بعد هذا اذا ما انتقل العالم الشرق متوسطي، والعراقي في قلبه كما كان دائما،الى الطور الثاني، طور "الابراهيمية بلانبوة"، بمعنى توفر اسباب التعليل والسببية والفحص، ابان ومع بدء انقلاب العالم وبالتزامن معه، حيث دخول الوسيلة الإنتاجية التحولية اللازمة عملية المنتجية المجتمعية، بعد ان ظلت مفتقدة تاريخيا وطويلا وحال افتقادها وقتها، أيام سومر، دون التحول العظيم ومنعه، مؤجلا انتقال الانسان للاكوان العليا، برغم تطابق البنية السومرية، مع مقتضيات مثل هذا الانتقال.
حيث تفرز الثورة الراسمالية التكنولوجيا اليوم، كطور ثان من اطوار حياتها وصيرورتها التي ابتدات بالالية المصنعية، فان العالم يقترب من مشارف التحول والانتقال العظيم، وتصير النافذه الاخذه بالكائن البشري خارج الكوكب الأرضي، بعد ان استفد ماهو مقرر له وعليه من زمن وآجال سكنى ارضية، مفتوحة على مصراعيها، ويدخل الزمن، زمنا آخر.
ـ يتبع ـ 
ـ البيان التحولي/ "التحولّيه" والماركسية واليسار لشرق متوسطي/8