صراع «الهُويات» يُشرّع الخيانة

Submitted on Sun, 06/23/2019 - 23:16

جلال شريم

لم يعرف العرب في تاريخهم مفهوم «الهُوية» (بالضم) ولم تدخل تلك الكلمة معاجمهم التراثية. ولكن مع احتكاكهم بالحضارات والثقافات الأخرى تعرّفوا إلى كلمة «هُوية» وترجموها بداية عن اليونانية كمصطلح فلسفي حتّمته موجة الترجمات المعروفة تاريخياً. وطبعاً لم يدخل الحيز «المعجمي»، بل ورد في كتب الفلسفة تحت عبارة «هوهو»، أي ضمير الغائب المفرد مكرّراً مرتين ليدلّ على كنه الشيء وماهيّته. ومع بدء الاحتكاك الكبير مع الغرب فيما سمّي باسم «عصر النهضة»، ظهرت كلمة «هُوية» معجمياً تحت جذر «هو»... يومها حاولت بلادنا نقل تجربة الدولة القومية الغربية، وإسقاطها على واقعنا. ولكن ما زلنا منذ ذلك الحين، في دوّامة صراع بين هوياتنا المتعدّدة المتداخلة المتناقضة. 

مناسبة هذه المقدمة ما نراه من تجاذبات عصيّة على الفهم في ملف عملاء العدو الفارّين إلى فلسطين المحتلة ملتحقين بسيدهم الصهيوني منذ عام 2000 بعد اندحار العدو عن المناطق التي كان يحتلها في جنوبي لبنان. المطالبات العديدة بعودتهم والعفو عنهم وإظهار ذلك كحقّ مكتسب لهم، لهي وقوف فجٌّ وصريحٌ أمام الكثير من النصوص القانونية التي تُدين التعامل مع العدو، وتسنّ له عقوبات تصل في أغلب الحالات إلى الإعدام أو السجن المؤبد. وبمناسبة الحديث، تمرّ في خاطري نماذج من هؤلاء العملاء، فأتحسّر على القانون، وأتحسّس حدود وطني ووطنيتي، وأتوهّم بناء هويتي المتشظية. 
وهنا، أعدد بعضاً منهم، ممن تأكَّدت ظروف حياتهم المذكورة، داخل الكيان الصهيوني المحتل:
• جورج دياب، ضابط في قيادة الأركان في الجيش الصهيوني.
• أرزة سعد حداد، الباحثة في صناعات العدو العسكرية، والتي طوّرت نظاماً صاروخياً للجيش الصهيوني، ولا زالت تتابع أبحاثها في مجال الوقود الهلامي خدمة للعدو. كما تمثّله في المحافل الدولية والمؤتمرات العلمية.
• إبراهيم ياسين، المتصهيِن والمتهوّد، الذي ترك دينه الإسلامي واعتنق اليهودية وتسمّى باسم «ابراهام سيناي»، وحمل جنسية الكيان، هو وأولاده الذين خدموا في جيش العدو. وبات وجهاً دعائياً للصهاينة، عبر سلسلة من المحاضرات التي يلقيها دورياً.
• سعدى عطية، التي انتسبت إلى شرطة العدو، وامتهنت التمثيل إلى جانب ذلك.
• ميلاد عوّاد، المتصهيِن والمتهوّد أيضاً، الذي تنازل عن دينه المسيحي وتهوّد وبدّل اسمه إلى «عوفاديا»، وزوجته فاتن التي غدا اسمها «راحيل».
• سامر أبو عراج، الذي بات يلعب دور «المحرك الأمني» من داخل فلسطين المحتلة، فيجنّد العملاء لصالح العدو داخل لبنان، وقد برز دوره حتى الآن في ملفّين أمام المحكمة العسكرية، لا سيما ملف اغتيال الشهيد غالب عوالي في 19 تموز/ يوليو 2004.
• فؤاد رزق، اللبناني المتصهيِن والمتهوّد أيضاً، وهو ابن العميل ميشال رزق. نال جنسية الكيان واعتنق اليهودية وتسمّى باسم «غاي رزق»، وهو يخدم الآن في لواء «غولاني» ضمن جيش الاحتلال.
• سامر شرف الدين، وهو صاحب مطعم مأكولات لبنانية، وقد أزال من مطعمه العلم اللبناني، معتبراً إياه «علم دولة معادية»، لدولة «إسرائيل» المزعومة.
• مريم حنون، لاعبة كرة السلة التي تمثّل الكيان الصهيوني في بطولات عدة.
• سيمون كيليكيان، ضابط في شرطة العدو.
• منير منذر، خدم في جيش العدو ونال جنسيته، وتخلى عن دينه الإسلامي، وتسمّى باسم «مئير مزراحي»، وامتهن تسجيل الفيديوهات دفاعاً عن الكيان الغاصب وترويجاً لأفكاره.
• وسام بواري، العميل «العتيق»، وبطل الكمال الجسماني الذي نال جنسية الكيان، ويمثّله في البطولات العالمية.
• أنتوني حنا، الذي خدم في لواء «غولاني» ضمن جيش العدو، ثم انتسب إلى شرطة العدو.
• جو عيسى، خدم في لواء «غولاني» أيضاً، وخطيبته «اللبنانية» جامايكا التونيان أنهت خدمتها في جيش العدو، كما أنهت دراسة «دار المعلمين».
وغيرهم الكثير من العملاء الذين باعوا أبناء جلدتهم بثمن بخس، واستمروا في لعبتهم إلى ما بعد النهاية التي تمثّلت بالتحرير عام 2000، والتحقوا بالعدو الصهيوني إلى أرض فلسطين المحتلة، ليكملوا جريمة الخيانة بعار العمل في خدمة العدو المحتل وأهدافه. 
يكبُر جيلٌ جديدٌ الآن، يذكّرنا بالمستعمرين الصهاينة الأوائل الذين خلّفوا كياناً مسخاً يعجُّ بالمستوطنين من أطياف شتّى. والمُستهجن هنا، أن فئة من اللبنانيين تحاول الدفاع عن هؤلاء العملاء وعن أبنائهم. ما يستحق لقب «بيت بهويات كثيرة» عن جدارة. هو بيت بهويات عنقودية منفصلة بدل أن تكون هرمية أو «بصلية» متداخلة ومتّصلة ببعضها البعض. وبهذا، غدت «هوياتنا» المتنافرة ترى العدو صديقاً والصديق عدواً، كلّ واحدة بحسب مزاجها وارتباطاتها، وتحول القانون إلى «قانون عزف» يعزفونه حسب أهوائهم وليس حسب موادّه. ولذلك غدا هؤلاء العملاء، الذين سقطت عنهم جنسية لبنان بعد نيلهم جنسية الكيان، عند بعض اللبنانيين، أصحابَ رأي، وباتت العمالة «وجهة نظر»، وباتوا هم «مبعدين قسراً»، ولهم الحقّ بالعودة. 
إن الذي يجب أن يقال اليوم، هو أن على كل القوى الوطنية والدستورية الراعية للقانون، العمل على عدم تكرار غلطة عام 2000، فهؤلاء العملاء والمتصهينون الذين يستمرّ جرمهم حتى اليوم، ليس أمامهم مستقبل «آمن» في لبنان... وعليهم البقاء خارج حدود هذا الوطن «المحرّر».
* أسير محرّر وكاتب

الأخبار