كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي

Submitted on Sun, 06/23/2019 - 23:18

د.عبدالجبار الرفاعي

تأتي أفكارُ كتاب (الدين والاغتراب الميتافيزيقي) في سياق ما جاء في كتابي السابق: (الدين والظمأ الأنطولوجي)، من ضرورة دراسة الدين في مجاله الأنطولوجي الخاص، إذ تحيل موضوعاتُ هذا الكتاب إلى رؤيةٍ تتبنّى فهمًا للدين لا يكرّر كثيرًا ما هو متداوَل في الكتابات المختلفة عن الدين، فهي لا تقول بأن: الدينَ وهمٌ، أو الدينَ مخدِّرٌ، أو الدينَ تراثٌ، أو الدينَ مرحلةٌ من مراحل تطور الوعي البشري، بل تُعلِن بوضوح: إن الدينَ حاجةٌ وجوديةٌ لكينونة الإنسان بوصفه إنسانًا، وأن الإنسانَ لا يصنع حاجتَه للدين، بل يصنعُ أنماطَ تديّنهِ وتعبيراتِه وتمثّلاتِه المتنوعةَ والمختلفةَ للدين، على وفق اختلاف أحوال البشر وبيئاتهم وثقافاتهم. ولا تختفي هذه الحاجةُ العميقةُ مع تطور الوعي البشري، وما ينجزه الإنسانُ من مكاسب كبيرة في المعارف والعلوم والتكنولوجيا، وحتى لو غاب أكثرُ أشكال تعبيراتها في المجتمعات الحديثة فإنها لا تغيب كلّيًّا، بل تعلن عن حضورها أحيانًا على شكل ظواهر لا عقلانية وممارسات غرائبية تنبعث بصورة لا واعية في معتقدات بعض الناس وسلوكهم، ويمكننا أن نعثر على محاولات تعويضٍ عن الدين بخرافات يعتنقها أفرادٌ في مجتمع متحضر.

يحاول هذا الكتابُ أن يعيدَ تصنيفَ حاجاتِ الإنسان، ويرسمَ خارطةً لمراتبها، ويتعرّفَ على طرائق استيفائها، بالشكل الذي يكشف لنا عن أن الحاجةَ الوجوديةَ للدين تقع في مرتبةٍ خاصةٍ لا يمكن الاستغناءُ عنها، أو تعويضُها بغيرها، أو إشباعُها بتوفير حاجة بديلة. فكلُّ إنسان يولدُ في الأرض تولدُ معه سلسلةُ حاجاتٍ مادية، مثل الحاجة: للهواء، والماء، والغذاء، والنوم، واللباس، والسكن… وغيرها. وبموازاتها يولدُ معه صنفٌ ثانٍ من حاجات ليست مادية، مثل الحاجة إلى: الأمن، والمعنى، والانتماء، والحب، والجمال، والصلة بالناس، والتقدير، والثقة… وغيرها. وبموازاتهما أيضًا يولد مع الإنسان صنفٌ ثالث من الحاجة، هي حاجتُه للدين التي يفرضها وجودُه من حيث هو كائنٌ بشري يتميز عن غيره من الكائنات في الأرض بهذه الحاجة، لأن الحيوانات مثلًا تشترك مع الإنسان في عدد من حاجات الصنفين الأول والثاني، لكن الهويةَ الوجوديةَ للإنسان هي التي تنفرد بالصنف الثالث، وهو الحاجة إلى الدين.

صفحة ثقافات