لقاء مع فتحي الفضل الناطق باسم «الحزب الشيوعي السوداني»: الوضع الآن في السودان

Submitted on Sun, 06/30/2019 - 19:05

يضع الناطق باسم «الحزب الشيوعي السوداني»، عضو تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير»، فتحي الفضل، ما للتحالف المعارض وما عليه على طاولة المراجعة، إزاء ما آل إليه الحراك الشعبي في السودان في ظلّ سيطرة المجلس العسكري على مفاصل الحكم، ومماطلته في تسليم السلطة. هي مراجعة ذاتية يخلص في نهايتها إلى ضرورة إعادة التموضع خارج التحالف، والاستفادة من قوة وطنية ديموقراطية يرى أنها موجودة داخل قوى «الحرية والتغيير» وخارجها، في ظلّ مشروعين باتا واضحين لدى قوى المعارضة، يشرح أبعاد كل منهما في الحوار التالي مع «الأخبار».
 هل تحقّق، بسقوط عمر البشير بالطريقة التي سقط بها، هدف الحراك الشعبي؟
ــــ تقدير الحزب الشيوعي منذ اليوم الأول أن ما حصل انقلاب قصر، وليس انحيازاً لدى القوات المسلحة إلى الشارع، وخاصة أن الرئيس المخلوع عمر البشير بدأ في الآونة الأخيرة يقفز من تحالف إلى آخر، ومن محور إلى آخر، متنقلاً بين قوى داخلية وخارجية متناقضة. أحد أهداف انقلاب القصر إزاحة عمر البشير، على اعتبار أنه يمثل عقبة أمام تنفيذ المشروع الإمبريالي في السودان. وبالتالي، حركة الانقلاب نفسها لم تستهدف النظام، بل استهدفت عمر البشير وتحفظت عليه، مع الإشارة إلى أنه ارتكب الكثير من الجرائم، ولكنه يُقدَّم إلى المحاكمة اليوم في قضايا ثانوية من سبيل غسل الأموال. وبعدما استمر الحراك الشعبي والانتفاضة، حاولت القوى الداخلية والخارجية المعادية إيقاف المد الجماهيري خوفاً على مصالحها، سواء داخل السودان وخارجه. لكن منذ البداية، منذ كانون الثاني/ يناير الماضي (عام 2018)، اتضح لنا أن في السودان مشروعين: مشروع التغيير الجذري، وهو ما تبنته قوى المعارضة بمبادرة الحزب الشيوعي السوداني، ومشروع آخر نحن نطلق عليه وصف الهبوط الناعم، والمقصود به جرّ بعض أطراف المعارضة اللينة إلى القبول بالمشاركة بالحكم، وبالتالي، توسيع القاعدة الجماهيرية للنظام، وفي الوقت نفسه عقلنة النظام. ونحن نعتبر الصادق المهدي أحد المرشحين لتنفيذ الهبوط الناعم. قلبه مع جماهيره، لكن عقله مع السلطة، وهو أحد المرشحين لها، علماً بأنه تاريخياً يُغيّر موقفه من المعارضة إلى السلطة.
 لماذا طالبتم الجيش إذاً بالتدخل لحسم الموقف؟
ــــ قبل الانقلاب في 11 نيسان/ أبريل الماضي، كنا نعمل في قوى الحرية والتغيير على تعبئة الشارع وتنظيمه، لكن اللجان الشعبية التي تشترك فيها كل قوى التحالف برهنت على أن المبادرات، سواء التظاهر أو غيره، تأتي دائماً من الأسفل إلى الأعلى وليس العكس. فقد كان من رأيها ضرورة الضغط على المؤسسة العسكرية لحسم الأمر، على اعتبار أن الحراك الشعبي وصل إلى وضع ثوري متقدم، يوجب الهجوم على النظام. وبالفعل، استطاعت اللجان أن تقوم بدور كبير في توجيه القيادة وفق إسقاط النظام من خلال الجيش، ما دفع قيادة قوى الحرية والتغيير إلى الدعوة إلى اعتصام مفتوح أمام مركز القيادة العامة ووزارة الدفاع وسط الخرطوم. فبدأ الاعتصام بعشرات الألوف إلى أن وصل إلى حدّ المليون معتصم، وصار قبلة للمحتجين ومركزاً للمعارضة. وأكد ذلك ظهور قوة جديد للقيادة، واحتياطي ثوري غني، لكن تقدير المجلس العسكري كان أنه يُمكن كسر شوكة الحراك الجماهيري بفض الاعتصام بالقوة، كما حصل في المجزرة التي راح ضحيتها والحملة التي تلتها 118 قتيلاً، قرابة 40 منهم انتشلت جثثهم من نهر النيل، فضلاً عن جرائم الاغتصاب، في عنف لم تشهده الخرطوم من قبل.
 هل رد فعل المجلس كان بإيعاز خارجي لإسقاط ورقة المحتجين؟
ــــ ليس لدينا معلومات موثقة، لكن القرائن تشير إلى تدخل خارجي فظيع من عدة جهات. فقبل فضّ الاعتصام بثلاثة أو أربعة أيام، أصدرت الحكومة الروسية بياناً ناشدت فيه المجلس العسكري اتخاذ الخطوات المناسبة لإعادة الاستقرار والأمن للسودان، علماً بأن المجلس العسكري لديه لجنة أمنية تضمّ مستشارين روس. لكن الأوضح من ذلك تدخل الإمارات التي سلحت قوى الجنجويد، وأمدَّتهم بالأموال بقصد ضرب أي حركة جماهيرية في السودان، لما تمثل من تهديد للمنطقة العربية وإفريقيا ككل. لكن محاولة إنهاء الحركة السلمية التي استمرت لأكثر من ستة أشهر فشلت، وذلك يعود إلى طبيعة الحراك الشعبي، الذي كان يتسم بأغلبية من الشباب غير المنتمي. وبدا ذلك في ردود فعل المجلس ومَن نصحوه باستخدام القوة، ففي اليوم الأول خرج كما لو أنه انتصر، لكنه سرعان ما بدأ يختلق التبريرات، تارة بأنه كان يهدف إلى اقتحام منطقة كولومبيا، وتارة بأن مجموعة من هذه العناصر توجهت إلى مقر الاعتصام وتسببت بالمجزرة، لكنه أخيراً اعترف بأنه المسؤول، وحاول توريط قاضي القضاة والنائب العام بأنه استشارهما، وكلاهما أكدا أن الاستشارة كانت في إطار فض الاعتصام بالطرق السلمية باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. وبمجرد الهجوم، ردت الجماهير بقوة من خلال إعلان الإضراب والاعتصام، وظهرت المتاريس وأُغلقت تقريباً كل الشوارع، وكانت الاستجابة بنسبة عالية جداً، وصلت إلى 95 بالمئة وأكثر.
 إلى أي مدى ظلت قوى التغيير متماسكة بعد فشل المفاوضات؟
ــــ الوضع الحالي أننا وصلنا إلى حدّ متقدم جداً في الأزمة الثورية في البلد. وهذا يستدعي مراجعة منهجنا في تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، لأن هذا التحالف العريض جداً والفضفاض لا يواكب ولا يعكس تطلعات الجماهير، وبشكل خاص الجماهير المتقدمة. وفي تقديرنا، ربما بعضنا وليس جميعنا، هذه التحالفات العريضة أثّرت بشكل أو بآخر في حركة الثورة، وجعلتها تفقد القبضة على اللحظة التاريخية. إذ كان من الممكن في الأيام الأولى لشهر نيسان/ أبريل، قبل إزاحة البشير وبعدها، إعلان سلطة مؤقتة بحيث تكون موجودة حين ينفذ الجيش الانقلاب لتسليم السلطة إليها، لكن التلكؤ، ومن أسبابه وجود شخصيات مثل الصادق المهدي، منع قوى الحرية والتغيير من أن تصل إلى أهدافها. الآن، نحن بصدد إعادة التموضع. تقديرنا أن هناك قوة وطنية ديموقراطية موجودة داخل قوى الحرية والتغيير وخارجها. وبالتالي، لم يعد وعاء إعلان الحرية والتغيير قابلاً لتحقيق الأهداف، بل يجب توسيعه. ونحن توجهنا بالفعل إلى أن تكون الحركة الشعبية ــــ قطاع الشمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، جزءاً من القيادة، وهكذا قوى الهامش، لأن بقية القوى السياسية ترفض وجودهم.

 ألا يشكل دخول قوى مسلحة في الحراك خطراً على الثورة السلمية؟
ــــ هم قوى مسلحة، لكنهم رفعوا شعار الثورة السلمية الآن، ولا يوجد حرب في دارفور في الوقت الحاضر، وبالتالي هم لا يمارسون أي عمل عسكري. بالطبع، نحن لا نستطيع أن نفرض عليهم شيئاً، لكننا نطلب منهم أن يكونوا جزءاً من القيادة، وأن يشاركوا في القرار، لأن ذلك يساعد في العمل الثوري في المرحلة المقبلة. وللعلم، هذه القوى، وبالذات المسلحة في دارفور، هزَّت موقف نظام الرئيس المخلوع، واليوم، صارت قوية من الناحية الجماهيرية.

الأخبار