البيان التحولي ـ 2 ـ / التحولية والماركسية واليسار الشرق متوسطي/9

Submitted on Sat, 07/06/2019 - 16:27

عبد الأمير الركابي

ينقسم التاريخ البشري، ومسار وجود البشر على كوكب الأرض الى طورين، طور موشك على الانقضاء، هو طور ماقبل اكتشاف الذاتية الازدواجية الرافدينية، وطور صار على الأبواب، ينتمي الى مابعد كشف النقاب عن الحقيقة المضمرة، الخافية المودعة في المجتمعية المذكورة. والطور الأول يمتد لعشرات القرون، تسود خلاله وتتغلب الرؤية المجتمعية الأحادية، ويتضاءل العقل امام محتوى الظاهرة الاجتماعية. مكرسا قانونا مفاده تدني الطاقة الاستيعابية العقلية إزاء الظاهرة المجتميعة.
والمجتمعية وفق هذا الحكم هي مسار يتضمن تشكل العقل وارتقائه، بقوة فعل الاجتماع والانتاجوية، والتفاعلية المتصلة بهما، وبمسارات التاريخ كما هي مصممة وموجهه بحسب غايات الوجود.ومع ان العقل الأحادي ركز النظر على مايجمل تحت عنوان الفعل "الحضاري" كمحور ومقصد ينصب عليه الجهد الإنساني، معتبرا العقل واحدة من علامات تطور مايعرف بالحضارة، فانه فعل ذلك أصلا بظل مامتاح ومتوفر له في حينه من طاقة استيعابية، وقدرة متدنية دون الإحاطة بالاليات الناظمة للوجود والتاريخ، وبالطبع دون النظر الى العقل وصيرورته ضمن المجتمعية، وعلاقة بلوغه مستوى ادراك الحقيقة المجتمعية باجمالي مسالة الوجود الحي ومساراتها السابقة واللاحقة.
هذه الناحية ستوجب بقوة البحث عن البديل خارج المنظور الأحادي، وبالذات مع التنوية باللحظة التي اصبح الانسايوان فيها قادرا على مقاربة الظاهرة الاجتماعية، وفحصها بالعلة والسببية، والمقصود هنا بالطبع اوربا القرن التاسع عشر ومنتصفه بالذات، مع بدايات تبلور ملامح ماعرف ب "علم الاجتماع"، أي بداية القفزة الكبرى الحاسمة، لاعلى مستوى العقل وحضوره بذاته، بل على صعيد المجتمعية نفسها، وتدبرات الوجود الحي، وبالذات مع الانتقال من محاولة اكتشاف "الغائية الصغرى" المجتمعية الطبقية الماركسية، ومعها الدارونية، قبل الانتقال لمقاربة "الغائية العليا" التي ينطوي عليها التكوين الرافيدني الازدواجي، واماطة اللثام عنها.
ومع الانتقال الذي تقرره الغائية الثانية في مجرى النشوئية العقلية*، اللاحقة على النشوئية الحيوانية، حيث توقف دارون مقررا انتهاء عملية النشوء والارتقاء مع انبثاق العقل، والانتقال الاخر الهام نحو "اللامجتمعية" او "الضد مجتمعية"، المطابقة لاليات وكينونة الازدواج المجتمعي ومالاته، يصبح واقع الحياة والكائن البشري، في مكان وزمن اخرين، لاعلاقة لهما بما مر من اعتقاد تابيدي يرى المجتمعية كغاية بذاتها، والى الكائن البشري على انه موجود لايتغير وصل قمة صيرورته، وصار معفي من الخضوع للصيرورة وصولا الى الانسان / العقل، أي الى تحرر الانسان من الجسد الباقي معه انتقاليا للضرورة، من الطور النشوئي الحيواني الأول.
ولايتوقف الانقلاب المفهومي العقلي عند نقطة بذاتها من نقاط تعريف الوجود او إعادة تعريفه من دون مثلا النظر في الخاصيات المجتمعية، وألانماط المجتمعية المنتظمة ضمن العملية " التحوليّة" التي هي قانون الوجود المجتمعي، بخلاف الاعتقادات الارضوية السائدة الان، والتي تؤبد وتجمد الحياة، وليس تعدد الأنماط بين: مزدوج، واحادي دولة، واحادي لادولة. ما يفترض إعادة النظر فيه، فالمبتدأ المجتمعي الذي تصير عنده المجتمعية محتوية على الشروط "التحولية"، لايجوز اهمال التاشير والتوقف عنده، للتمييز بين "التجمعية" السابقة عليه، والمستمرة منذ بدء مغادرة زمن اللقاط والصيد، وبين المجتمعية التحولية، كما ظهرت في ارض الرافيدين حيث يسجل البدء الأول المجتمعي الفعلي.
والحديث جار هنا عن انقلاب غير مسبوق، ولم بعرف ابان زمن العقل في الجسد الحيواني، وهو يتضمن من بين مايتضمنه من عناصر جديرة بالانتباه، الخارطة التحولية المجتمعية، والمقصود تلك الشرق متوسطية حيث احتشاد الأنماط الثلاثة، وتقابلها مع المجتمعت الاوربية الانشطارية الطبقية، وسيرورة التبادلية بينهما، وصولا في اخر المطاف المعاش اليوم، الى زمن "التفارق الرباعي"، المبتدء منذ منتصف الالفية الاخيرة. وهذه تشتمل على نهايات التجسدات الاخيرة للدورة الثانية الشرقية، ببدء افول السلطنه العثمانية، ومقابلها الثورة الصناعية الغربية، وقبلها بقليل الحدث الثالث ممثلا بعودة انبعاث الديناميات الرافيدنية وبدء تشكل الدورة التاريخية الرافدينية الثالثة، وصولا أخيرا الى اكتشاف القارة الامريكية وظهور الإمبراطورية المفقسة خارج رحم التاريخ. أي دخول مجال التبادلية لحظة وحدة الفعالية بدل التناوبية والفوارق الزمنية بين المنجزات على الضفتين. 
وليس لما تقدم سوى ان يزيد المعروض هنا غموضا وصعوبة، مبشرا بمدخل ونتيجة غير مشجعين، مايقتضي قدرا من التوضبح لايصح من دونه الامل بان يكون لهذا الراي أي دور محفز على الاستمرار في القراءة، وأول مايتوجب التنبيه له، كون مايعرض هنا ليس من صنف البحوث الاكاديمية او الفكرية المتعارف عليها، وبالاساس الخاضعة ل، والمتسقة مع منظومة التفكر، وقواعد التاليف والتلقي الحاكمة لبنية العقل بصيغتها السائدة الى اليوم، لكن مايراد الوصول اليه مع ذلك، ليس متاحا بالقدر اللازم، فاختلال المنظومة التفكيرية المجتمعية العقلية الباقية الى الان، لم يصبح كاملا او قريبا من الكمال، المفضي او المؤدي الى اقتراح بنية تصورية بديله.
والعالم يعيش حالة من التفارق الحاد بين مسارات الواقع ومنظومة النظر اليه، وبينما هو يواصل الانحدار على الصعد جميعا ويتفكك، تجاهد المنظومة التفكرية السابقه على حلول العطب والخواء بين تضاعيفه، على ابقائه واقفا يترنح، لا متناع وتاخرالبديل، وتدني الطاقة العقلية المفترض بها القفز اليوم نحو صناعة العالم خارج العالم المنقضي، خصوصا مع استنفاد احتمالية او ممكنات الايمانوية، وقبلها الجراة التنبؤية الكونية ومايرافقها حتما من عبقرية، هي اليوم خارج أي تصور، ومع انهيار بناء الثورة البرجوازية المصنعية، واستمرار المنطلقات المرتكزه لبداهتها، يختل العالم الراهن اختلالا اضافيا، وتتوقف إمكانية الايصال، او مايوجه العقل الى الهدف من الفكرة، او التقدير في أي حقل او مجال.
لكل هذا يستحيل "البيان"، ولايبقى للنداء أي مكان، فالنداءات تصدر ويكون لها صدى عندما يكون الاتساق كاملا ومتوفرا، والحياة خاضعة لوحدة الإيقاع، بحيث يكون متاحا تصور او تخيل مابعد، واذا كان افضل بناء على ماهو قائم كبينة قابله للتحليل والابانة، وهو ماكان ممكنا ابان " البيان الشيوعي" ومالا يناسب حالة الخراب وتفكلل اوصال البنية المجتمعية الأحادية اصلا، واساسا على صعيد السلطات والاليات، ومجمل مؤسسات العيش المجتمعي الاحادي، فلايبقى للاخبار وقتها سوى منفذ وحيد، اذا امكن ان يتوفر، ذلك هو الإيحاء بإعادة البناء، وقبل ذلك وحتما، توجيه الانظار لتحلل البنية السابقة، والاوهام والمعتقدات الخادعة المبنية والتي بنيت حولهاوعليها.
نحن نعيش لحظة انتهاء زمن وعالم الأحادية المجتمعية بكل مايترتب عليها من بنى وتراكيب مؤسسية وتوابعها، ومع الماركسية انتهى اخر ماتبقى لهذا النمط من المجتمعية من احتمالية استمرارية، وفشلها وعدم اتفاقها مع الحقائق الكامنه في اللحظة الأحادية الأخيرة ممثلة بالانقلاب البرجوازي المصنعي، هو إشارة الى الغائية المستحيلة الصغرى، وجدت مع نقص الانتباه لحدود الانتاجوية وسقفها، أي نهاياتها، وكون الظاهرة البرجوازية ليست مقصورة على فصل واحد مصنعي آلي. وبما ان الماركسية وجدت لتشير الى "الغائية الكبرى" المستحيلة المرتبطة بالانشطارية المجتمعية الطبقية الادنى، فقد نبهت بوجودها الى انتهاء الزمن الأحادي الطويل، الذي ظل يحكي تكرارا قصة تدني القدرة العقلية للانسايوان على مقاربة الحقيقة المجتمعية التحولية وملازماتها المجتمعية، وبالأخص على مستوى الكائن الحي ومصيره مابعد الأرضي.
ـ يتبع ـ