في السياسة سل عن "التأثير" أولاً- كلمة السفير العراقي في واشنطن وكيف نحللها

Submitted on Sun, 07/07/2019 - 19:39
السفير فريد مصطفى كامل ياسين

صائب خليل: ربما يستغرب الكثيرون حين يعلمون أن العلم حقق اكبر قفزة له حين انتقل من البحث عن "ماهية الأشياء" إلى دراسة "تأثيرها" كأهم جزء من نشاطه البحثي، ومن هناك تأسست التكنولوجيا. فالهدف النهائي للإنسان يجب ان يكون سعادته كما أوضح أرسطو منذ 22 قرناً، وأن دراسته للطبيعة والفلسفة يجب ان يكون هدفها البحث عن "تغيير" في ذاته يجعله اكثر سعادة. وقد اشتهر ماركس بعده بـ 22 قرناً بتحويل الانتباه الى "تغيير العالم" بمقولته: "لقد سعت الفلسفة حتى اليوم الى معرفة ماهية العالم، وقد حان الوقت ان تسعى الى تغييره". وطبيعي ان فهم ماهية العالم تساعد على تغييره أيضا، لكن يبقى هناك فرق ان نركز ونقف طويلاً عند فهم ماهية الشيء والتركيز على تأثيره. 
لنأخذ الضوء مثالاً. العلماء لم يستطيعوا حتى اليوم إعطاء فهم دقيقة لـ "ماهية الضوء". هل هو موجات ام دقائق؟ فهو يبدو احياناً كموجات واحياناً أخرى كدقائق! ولا يمكن تصور حالة تجمع بين الاثنين رغم ان العلم استعمل تعابيراً لتجاوز هذا الإشكال مثل "الكمات"، إلا أن الأسماء لا تغير الحقائق. فهل هناك "شيء مادي" ينتقل في الفضاء أم لا؟ العلم لم يتوقف عند هذه النقطة بل استمر يبحث في "تأثير" الضوء والتعامل معه، رغم ان ماهيته لم تحل بعد، وتمكنا من اختراع الليزر وغيره.
.
هذه المقدمة العلمية الطويلة لا تتعلق طبعا بما قاله سفير العراق في واشنطن، حول العلاقة بين العراق وإسرائيل، إنما اردت أولاً جلب انتباه القراء إلى الاهتمام بـ "التأثير" الذي تحدثه الأشياء، أكثر من الأشياء ذاتها. وبشكل خاص ومطلق فيما يتعلق بالسياسة والمواقف السياسة والتصريحات السياسية. فـ "التأثير" اكثر أهمية بكثير من "الحقيقة الموضوعية" لتحليل الحدث السياسي. لماذا؟
.
لننظر الى كلمة السفير العراقي في واشنطن حول إسرائيل، ولنحللها بالطريقتين: الموضوعية و التأثيرية لنرى ايهما يعطينا نتيجة أهم لتحديد موقفنا منها. 
قال السفير: هنالك أسباب موضوعية قد تدعو إلى قيام علاقات بين العراق وإسرائيل وهي ان هناك جالية عراقية مهمة في إسرائيل ولازالوا معتزين بصفاتهم العراقية في اعراسهم طبخات عراقية واغاني عراقية. وهنك سبب آخر وهو ان هناك تكنولوجيات تخص المناطق الصحراوية. الزراعة في مناطق شحة المياه، إسرائيل متفوقين فيها. ولكن هناك أسباب معنوية واعتبارية لا تسمح لنا ان نتواصل مع إسرائيل." (هذا هو القول الكامل وغير "المجتزأ" كما حاولت وزارة الخارجية الطمطمة عليه). (1)
.
لنحلل أولاً ما قال السفير من ناحية موضوعيته: رغم ان عبارة "جالية" هي مغالطة واضحة فهي تطلق على من يحتفظ بجنسيته في بلد اجنبي، ورغم انه لا توجد إحصاءات تدل على مدى "اعتزاز" هؤلاء بأصلهم العراقي وان كان ذلك يشكل اغلبية تتيح اطلاق مثل هذه الصفة عليهم ام ان بضعة افراد هم كذلك، فأن هذه النقطة ممكنة القبول مبدئيا. السبب الآخر عن "تكنولوجيا الزراعة في الصحراء" صحيح تماما من الناحية الموضوعية. اطلاق صفة "أسباب معنوية واعتبارية" على ما يمنع التواصل مع إسرائيل ليس دقيقا وفيه اجحاف لحقيقة تلك الأسباب، لأنه حتى من الناحية الموضوعية فهناك أسباب خطيرة لتجنب العراق العلاقة مع إسرائيل على الأقل طموح الحصول على أراضيه حتى الفرات وكذلك النتائج السيئة جداً التي حصلت عليها الدول التي "تواصلت" مع إسرائيل، مثل مصر. 
.
ما الموقف "الموضوعي" من تصريح السفير حسب هذا التحليل؟ انه يبدو "وجهة نظر" فيها الكثير من الخطأ وفيها بعض الصح. يمكننا نقده من بعض الزوايا، لكن لا يفترض بنا ان ننزعج كثيراً منه. 
وما الذي يقوله "تأثير" هذا الخطاب؟ 
الخطاب يقول من ناحية تأثيره: "إن ما يمنعنا من التواصل مع جالية تعتز بعراقيتها، ومن الاستفادة من تكنولوجيا الزراعة في الصحراء هو مجرد "أسباب معنوية واعتبارية" مبهمة. وأننا لو تجاوزنا تلك الأسباب الاعتبارية والمعنوية لأمكننا الاستفادة من تلك العلاقة الحميمة مع الجالية، ومن تكنولوجيا زراعة الصحراء الإسرائيلية المتطورة".
أي ان الخطاب من ناحية "تأثيره" إغراء صريح للشعب العراقي لإقامة العلاقات مع إسرائيل لأنه سيحول صحارينا الى مزارع، ودعوته لتجاوز الأسباب الاعتبارية التي تمنعه من القيام بتلك الخطوة العظيمة الأهمية لمصالحه! 
.
وهنا تتضح خطورة مقولة السفير، وضرورة محاسبته عليها بشدة. فهي دعوة مزيفة وخطرة على العراق، وإعلان نية بالاتجاه نحوها ولو تدريجيا. ولا نصدق حرفاً من خطاب وزارة الخارجية بأن السفير كان يتكلم خارج سياستها او سياسة الدولة، ولو كان الأمر كذلك لتم استدعاءه وايقافه عن عمله فوراً وارسال شخص اقل انبطاحاً للإملاءات الامريكية، ومعروف ان اميركا هي من تختار السفير العراق في واشنطن دائما، ضمن من تختارهم من المناصب المهمة. 
.
لكن لماذا هي دعوة مزيفة وخطرة؟ للأسف فأن تدني الوعي السياسي يجبرنا ان نطرح هذا السؤال ونجيب عليه رغم انه يفترض ان يكون من البديهيات التي تعلم في المدارس. 
.
إنه دعوة مزيفة لأن: 
1- ليس لدينا جالية في إسرائيل، فكلهم تنازلوا عن جنسياتهم وتجنسوا كإسرائيليين. وليس هناك سوى عدد قليل من المسنين الذين مازالوا يستمتعون بالأغاني والبامية.
2- صحيح أن هناك تكنولوجيا متطورة لزراعة الصحراء في إسرائيل، لكن هل سيستفيد العراق منها؟ للإجابة عن السؤال علينا ان نفهم ما الذي تقدمه هذه التكنولوجيا اكثر من غيرها من التكنولوجيات المتوفرة في بقية العالم المتقدم؟ لو افترضنا فعلا انها الأكثر تقدما، فهذا يعني أنها استطاعت توفير بعض الماء اكثر من غيرها من وسائل التقطير المعروفة! فهل ما يعيق العراق هو تلك القطرات الموفرة؟ هل وصل العراق إلى حافة تكنولوجيات العالم المتقدم وبقي مصير الزراعة فيه ينتظر تلك النسبة المؤية الضئيلة التي تتفوق بها إسرائيل على الباقين؟ هل هناك مشاريع زراعية عراقية متوقفة لأن نجاحها لا يتم إلا بأعلى تكنولوجيا إرواء لا تتوفر إلا في إسرائيل؟ جميع من سيقرأ هذا سيضحك، لأن الجميع يعلم ان العراق اكثر بلد يهدر ماءه! والعراقيين يعلمون انه لا توجد اية محاولة حكومية لتوريد التكنولوجيات المتوفرة في العالم لهذا الغرض وانها ليست مهتمة بالموضوع. فلماذا هذا الاهتمام المفاجئ به؟ أم أنه مجرد حجة؟ وللعلم فأن حجة تقدم إسرائيل في الزراعة كانت من الحجج التي أوردها حكام مصر كثيراً كتبريرات لمواقفهم! 
.
إذن فدعوة السفير مزيفة الأسباب، ماذا عن خطرها؟ 
.
1- أن لإسرائيل طموحات توسعية تصل الى العراق نفسه مازالت في الأدبيات الإسرائيلية ولم يقم أي سياسي مهم من قادة إسرائيل بالتنازل عنها. وإسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي لم تحدد حتى اليوم حدوداً لها، بل تتركها لتتوسع عندما يمكن ذلك.
2- الدول التي توكلت على الله وتواصلت مع إسرائيل بعلاقات وسفارات لم تجن من علاقاتها سوى الابتزاز والخسائر الاقتصادية والتسلط السياسي التام والسيطرة على حكوماتها بشكل مطلق والاهانة لكرامة شعب البلد المرة تلو المرة. 
3- إقامة العلاقة مع إسرائيل يسبب شرخاً إضافيا خطيراً في كيان المنطقة، يهدد شعوبها كلها بأن تصبح تحت رحمة إسرائيل.
4- الأسباب "المعنوية والاعتبارية" المتمثلة بقبول الظلم والخضوع لثقافة عنصرية تقوم على إهانة الفرد العربي والإسلامي وتعتمد على خذلانه لمشاريعها السياسية. وهذا له تأثير مدمر على شخصية الفرد واعتزازه بنفسه في العراق اكثر مما هو مدمر اليوم. وهذا ليس سببا يمر عليه مرور الكرام كما فعل السفير، فالكرامة خطيرة الى درجة ان الكثير من البشر مستعد للتضحية بحياته من اجلها. 
.
لست مضطراً للاقتناع بكل هذه الأسباب، فيكفي واحد منها لاعتبار تلك العلاقة خطرة على البلد والشعب، وبالتالي فان "تأثير" تصريح السفير هو تأثير مدمر أو كان المراد منه ان يكون كذلك، لأنه دعوة للشعب العراقي الى تبني مشروع مدمر! 
تصريح الخارجية بانتقاد السفير موقف متوقع فكما يبدو ان ما اثاره التصريح بين الناس كان اشد مما كان ينتظر وبالتالي توجب تهدئة الامر والسير بخطوات اكثر حذراً نحو الهدف. ولو كانت الوزارة جادة في رفضها لتصريح السفير وانه يناقض سياسة الدولة كما اوضحته، فمن واجبها على الأقل ان تستدعيه وتجمده عن العمل. كما ان من واجب عادل عبد المهدي تقديمه الى المحاكمة لينال جزاءه وفق القانون 201 من قانون العقوبات العراقي الذي يحرم الترويج لإسرائيل. لكننا واثقون من أن شيئا من هذا لن يحدث. فمن يصرح بمثل هذه التصريحات محمي بذات الجهة التي حمت الضباط الخونة الذين سلموا الموصل والانبار وكركوك واسلحتهم معها دون قتال الى داعش والبيشمركة. 
.
ما اريد تأكيده في الختام هو ضرورة التعود على البحث عن "تأثير" الموقف او التصريح السياسي وليس فقط عن "ماهيته الموضوعية" ومدى صحة ما جاء فيه من ادعاءات. وفي اغلب الأحيان في السياسة كما في الفيزياء، فأن اكتشاف "التأثير" اسهل بكثير من اكتشاف كل خفايا حقائق التصريحات ومدى دقتها. وكما في الفيزياء أيضا بل وأكثر، فأن "التأثير" هو المرشد الأول والأهم لتحليل صحيح لأي موقف سياسي، ويجب التعود على التساؤل عنه كأول رد فعل على أي خبر عن فعل سياسي جديد. 
.
(1) تصريح سفير العراق في واشنطن حول العلاقة مع اسرائيل
Image removed.https://www.youtube.com/watch?v=s_TcSR6L9gw