إعادة إعمار الموصل: سننتظر طويلا!

Submitted on Fri, 07/26/2019 - 01:08

علاء اللامي

يخرج قارئ التقرير النهائي للجنة تقصي الحقائق النيابية حول الوضع في محافظة نينوى بعد تحريرها، بانطباعات شديدة التشاؤم وباعثة على القلق العميق من مستقبل الوضع في المحافظة وفي عموم المناطق التي تم تحريرها بتضحيات جسام.

وإلى جانب ما ورد في هذا التقرير، فإن تحذيرات المرجع السيستاني الأخيرة، والتي تضمنتها الكلمة التي وجهها في خطبة الجمعة 14 حزيران 2019، في ذكرى إصداره لفتوى الجهاد الكفائي، من احتمال عودة داعش ونمو حاضناتها في المناطق التي كانت تحت سيطرتها، تجري في السياق ذاته، ولم تأت من فراغ.

لقد حذر المرجع السيستاني القائمين على الحكم في العراق وبلغة لا تخلو من الحدة من احتمال عودة داعش وبروز حواضن جديدة لها (بين الناقمين والمتذمرين)، ومن (عدم الاسراع في معالجة مشاكل المناطق المتضررة بالحرب على الإرهاب). كما كرر المرجع نقده لما سماها "للمحاصصة المقيتة" دون أن يصفها بالطائفية، وانتقد أيضا عددا من ممارسات وخروقات النظام ورموزه وقواه النافذة والصراع على مواقع النفوذ بين أطرافها في مرحلة ما بعد تحقيق الانتصار حيث قال (ولكن بعد أن وضعت الحرب أوزارها وتحقق الانتصار المبين وتم تطهير مختلف المناطق من دنس الارهابيين دبّ الخلاف من جديد في صفوف الأطراف التي تمسك بزمام الامور، وتفاقم الصراع بين قوى تريد الحفاظ على مواقعها السابقة وقوى أخرى برزت خلال الحرب مع داعش تسعى لتكريس حضورها والحصول على مكتسبات معينة).

إن كلام المرجع السيستاني نقدي وحاد فعلا، ولكنه مكرر ومعهود، ولهذا لن يكون له تأثير إيجابي بعد الآن، وما كان له منذ البداية أن يتخذ هذا الدور في دولة تصف نفسها بالمدنية وهي أبعد ما تكون عنها،  فما حدث في السنوات الماضية، صعودا حتى يومنا الحاضر خطير؛ وخصوصا مع حكومة عبد المهدي التي تجاوزت كل الحدود التي لم تجرؤ أي حكومة من حكومات ما بعد الاحتلال الأميركي على تجاوزها، فهدرت الثروات والمال العام في مشاريع عبثية ومقلقة كخط "البصرة العقبة" النفطي الذي يجعل النفط العراقي على مرمى حجر من حدود دولة العدو الصهيوني، ومشاريع التجارة والحقول المشتركة والموانئ والربط السككي مع الكويت والحدود والمياه مع إيران والسعودية وتركيا، وعقود النفط الضخمة مع شركة أكسون موبل الأميركية وعقود الكهرباء الطائلة عديمة النفع عمليا، وفي سكوتها على استئثار حكومة أربيل المحلية بعائدات النفط المستخرج من الإقليم وبيعه مباشرة دون تقديم حتى الحصة الصغيرة المتفق عليها للدولة الاتحادية والبالغة ربع مليون برميل، في حين بلغت عائدات النفط التي تستولى عليها السلطات الكردية راح الاتفاقات المعقودة، كما كتب الخبير النفطي العراقي حمزة الجواهري، ثلاثة عشر مليار دولار سنويا.

وفي هذا السياق، ومن باب العلم بالشيء، نشير إلى تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز في آب 2015، قالت فيه إنَّ إقليم كردستان صدر لإسرائيل نفطاً بلغت كمياته تسعة عشر مليون برميل، وبقيمة مليار دولار خلال مائة يوم، بين بداية مايس آيار و11 آب عام 2015 فقط. وهي السنة التي كان فيها عادل عبد المهدي وزيرا للنفط، وتغطي هذه الكمية 77% من حاجة "إسرائيل".

بالعودة إلى تقرير لجنة تقصي الحقائق النيابية " التي شُكلت بموجب الأمر النيابي المرقم 130، بتاريخ 22 تشرين الثاني 2018، نسجل، أولا، الملاحظات الشكلية التالية قبل التطرق لمضمونه:

يخلو التقرير من رقم أو تاريخ محدد "تاريخ إنجاز" رغم أنه وثيقة دولة مهمة. ومن الواضح أن عدد أعضاء اللجنة (43 عضوا) مبالغ فيه كثيرا، ويبدو أن واقع المحاصصة الطائفية فرض نفسه خلال تشكيلها، إضافة الى سعي بعض النواب وراء الوجاهة وحب الظُّهور والشهرة والامتيازات، علما أن عدد المسؤولين الذين تم التحقيق معهم او الاستماع إليهم يصل الى نصف عدد أعضاء اللجنة تقريبا؟

أما اختيار النائب، ورئيس مجلس النواب الأسبق أسامة النجيفي رئيسا لهذا الجمع الغفير من الأعضاء فهو نقطة ضعف أخرى في قوام اللجنة، فالرجل يمكن اعتباره طرفا من أطراف الملف موضوع التقصي، وبالتالي لا يمكن ضمان حياده التام. فهو شقيق المحافظ الأسبق لنينوى، أثيل النجيفي، المتهم على خلفية سقوط المحافظة في قبضة داعش خلال فترة إدارته، إضافة الى أنه مطلوب للقضاء في قضايا فساد، كما أنه خصم سياسي للمحافظ اللاحق "نوفل العاكوب" والمتهم بدوره باتهامات عديدة، وبين الرجلين مساجلات إعلامية حادة كثيرة. وأخيرا فالنجيفي من الحلفاء والأصدقاء المعلنين لتركيا ولحكومة أردوغان وهذا ما جعل تقرير اللجنة الطويل العريض يقفز على موضوع الوجود العسكري التركي، والذي هو احتلال فعلي لأراض عراقية، فشلت بغداد في إنهائه بالطرق الدبلوماسية، ولكنه لم يسكت مثلا عن موضوع عناصر وأنصار حزب العمال الكردستاني، حيث نصت التوصية 23 من تقرير اللجنة على (ترحيل عناصر "PKK" خارج الحدود الاقليمية لان وجودها أصبح يهدد الأمن). مع العلم أن معظم من يسميهم التقرير عناصر "PKK" هم عراقيون من أهالي سنجار باعتراف التقرير نفسه حين يقول في فقرة أخرى (ومعهم عناصر أجنبية) أي أنه يعترف بأن معظمهم عراقيون، فكيف يطالب تقرير اللجنة التي يرأسها النجيفي بطرد العراقيين من بلادهم ويسكت على وجود المحتلين الأتراك؟

والحقيقة فإن عجز القوات الحكومية العراقية عن تغطية منطقة سنجار عسكريا، وخيانة وخذلان قوات بيشمركة البارزاني لأهالي سنجار في الكارثة التي حدثت بعد انسحابها من القضاء الذي كان في حمايتها وفرارها من مواجهة عصابات داعش، ما سمح للدواعش بارتكاب مجازرهم وفظاعاتهم بحق الأهالي، هو أيضا ما جعل الأهالي يبحثون عمن يحميهم من العصابات التكفيرية، وكان ينبغي على تقرير اللجنة أن يشير ويدين أيضا وجود قوات الاحتلال التركية في المحافظة!

على الرغم من كل ما تقدم، ومن باب الإنصاف، ينبغي القول إنَّ تقرير اللجنة لا يخلو في بعض فقراته من وعي عميق بجذر المشاكل الراهنة والقديمة التي عانت وتعاني منها المحافظة. ويمكن أن نجد الكثير من الإشارات القوية على هذا الوعي في التقرير، ومنها مثلا هذه الخلاصة مهمة التي تسجلها اللجنة (كان واضحا أن الوضع الأمني مرتبط عضويا بالفساد المالي والاقتصادي والاداري والخدمي، فكما يرتبط الإرهاب بالفساد كوجهين لعملة واحدة). أو في قولها (تأشر لدينا ومن خلال قيامنا بالتقصي عن الحقائق في عموم المحافظة، وردود فعل الأهالي عن وجود مؤشرات احتقان طائفي خطير سببته الممارسات السلبية، ما ساعد على تردي الوضع العام في المحافظة، وظهور ما يسمى بيعة جديدة لداعش الإرهابي واستنهاض عناصرها مرة أخرى ... مع نفور واضح من التعاون مع الأجهزة الأمنية، مما ولد انطباعا لدى عموم المواطنين بأن المحركات التي أنتجت داعش بدأت تستعيد نشاطها وتنهض من جديد).

غير أن هذه الإشارات المهمة، وعوضا من أن تقود اللجنة إلى الطريق السليم لمعالجة الوضع السيء الذي انتجه حكم المحاصصة الطائفية، وجدناها تنصح بمعالجة الداء بذات الدواء، كما قال الشاعر (ودوِاها بالتي كانت هي الداء). فالتقرير يريد معالجة سبب هذا التردي بمعالجة وتعديل الخلل في المحاصصة الطائفية في المؤسسة الأمنية بدلا من اقتلاع هذا الأساس المتفجر بالأزمات. لنقرأ ما ورد ضمنا بهذا الخصوص في سياق شرح التقرير لأسباب الأزمة الراهنة (عدم وجود توازن وطني في أعداد المنتسبين للقوات المسلحة والشرطة والاجهزة الامنية ولابد من فتح باب التطوع لأبناء نينوى. إذ أن عدد افراد الشرطة في الجريمة المنظمة لا يتجاوز 23 شرطيا وهذا نقص شديد يحول دون إمكانية تنفيذ الواجبات المهمة المكلفين بها). والواقع فإن وجود ثلاثة وعشرين شرطيا فقط من أهالي المدينة في فرع مكافحة الإجرام أمر خاطئ قطعا، ويؤكد أن التمييز الطائفي بلغ أقصى مداه، ولكن ما علاقته بموضوع التوازن الوطني، بل ما المقصود بهذا "التوازن الوطني"؟ أليست هذه الصيغة هي التعبير الخجول عن معادلة المحاصصة و"التوازن بين المكونات"، وهي الصيغة العزيزة على قلوب أهل النظام والواردة عدة مرات في دستور فترة الاحتلال الأميركي؟

إن وقفة التقرير في عدة مواضع عند تجاوزات أفراد ومجموعات تزعم الانتماء للحشد الشعبي أو العشائري كان ينقصها التنويع والأمثلة وعدم الاكتفاء بذكر اسم قيادي واحد يدعى أبو رقية (تحسين الدراجي الذي يتزعم فصيل "كتائب الأمام" التابع للحشد الشعبي) والذي تكرر اسمه عدة مرات في التقرير، فهل هو الوحيد في هذا الميدان، أم أن هناك أسبابا أخرى حالت دون ذكر أسماء أخرى؟

لقد كرر التقرير حقائق مريرة في ميدان الفساد المالي والإداري والأمني والقضائي، ولكن هذا الموضوع معروف في عموم العراق، ويبدو أن هناك مَن يتغاضى عنه لأسباب حزبية وطائفية. ومما ذكره التقرير قوله (إن بعض من يدعون انتماءهم للحشود لديهم مكاتب اقتصادية ولديهم قوات كبيرة تقوم بابتزاز الدوائر وسرقة النفط وتهريب البضائع والمواد وتردنا احيانا كتب رسمية من مكتب رئيس الوزراء ومركز العمليات لتسهيل نقل كميات كبيرة من السكراب والسكائر والأغنام).

ولكن التقرير لم يتوقف عند حيثية (كتب رسمية من مكتب رئيس الوزراء ومركز العمليات) ولم يوصِ بشأنها بأية توصية فمرت مرورا عابرا.

كما قامت لجنة تقصي الحقائق أحيانا بالقفز على المشكلة الحقيقية فذكرت جزءا صغيرا من تداعياتها، وخصوصا عند مقاربتها لتجاوزات سلطات الإقليم وقوات البيشمركة الكردية، فقد ذكر تقريرها ضمن تجاوزات تلك القوات ما يلي (امتناع قوات الاقليم من السماح بعودة بعض سكان القرى العربية في منطقة ربيعة كالمحمودية وصفية والقاهرة ودرية، وكذلك قرى منطقة الخازر ومنها الفاطمية وشريكان وتركماز وتل أسود كبير وتل أسود صغير وحسن شامي وغيرها، وفي منطقة الشيخان قرى دوشيفان). لنلاحظ لغة التقرير الناعمة حين يتطرق لذكر قوات البيشمركة فيقول (امتناعها من السماح) ولا يقول الكلمة المناسبة (رفضها عودة السكان)، وكان الأحرى بلجنة تقصي الحقائق أن تفتحت هذا الملف الخطير وتسلط الضوء على حيثياته منذ البداية، لأن المشكلة لم تبدأ مع "عدم سماح قوات الإقليم لسكان القرى العربية بالعودة الى قراهم" بل بدأت مع تشريد وطرد هؤلاء السكان من قراهم، فلماذا لم تفعل ذلك؟ ألا يستحق هذا الملف والذي يحتوي على حقائق وأحداث قاسية بلغت درجة إزالة قرى عربية بكاملها من الوجود وما يزال سكانها يعيشون في مخيمات النازحين بل أن بعضهم ما يزال يعيش في أراضي الجمهورية العربية السورية ولم يُسمح لهم بالعودة إلى ديارهم؟

ثمة مواضيع وعناوين أخرى كثيرة تتصف بالأهمية والخطورة لم يتوقف عندها التقرير، أو أنه توقف عندها وقوفا عابرا وسريعا ومن باب تسجيل الحضور، ومن ذلك:

-المئات من طلبات عوائل المفقودين في الحرب بحثا عن ذويهم المفقودين.

-انتشار المخدرات والمتاجرة غير الشرعية بكل شيء في تلك المناطق.

-تجاوزات الأجهزة الأمنية والقضائية ضد أهالي المحافظة.

وكم كان حريا باللجنة بأن تعطي هذه الملفات شيئا من وقتها الثمين والذي بددت الكثير منه على معمعة المتاجرة بالخردة والسكراب الحديدي الذي خلفته العمليات العسكرية، حيث بلغ الصراع بين أطراف الفساد أشده على ملايين الدولارات المتأتية من المتاجرة به مع دول الجوار وانعكس ذلك واضحا في التقرير.

أما نتائج تقرير لجنة تقصي الحقائق على الأرض فلم تتعدى إعفاء محافظ الموصل السابق من منصبه وإحالة بعض مساعديه الإداريين الى القضاء، وكان ذلك تحصيل حاصل، ولا ندري إن كان قرار إعفاء قائد عمليات نينوى اللواء نجم الجبوري، الذي يحمل الجنسية الأميركية وقد استدعي من محل إقامته في ولاية فرجينيا قبل بدء عمليات تحرير نينوى بفترة قصيرة، لا ندري إذا كان ذا علاقة بهذا التقرير، أم أنه يتعلق بإحالة طبيعية الى التقاعد المستحَق؟

وأخيرا، فمن الواضح أن لعبة جر الحبل بين أصدقاء السفارة الأميركية ببغداد والمدافعين عن الحشد الشعبي الذين يتهمون نجم الجبوري بتنفيذ مخططات أميركية معادية، ما تزال مستمرة تحت الطاولة وفوقها أحيانا، ولن تتوقف قبل أن تتوقف معركة التصارع على ملايين الدولارات من سكراب الحديد بين المسؤولين الفاسدين وغيرها، أما أهالي محافظة نينوى في مخيمات النازحين والمدن المدمرة فسيظلون يرنون بحزن وأسى إلى أنقاض مدينتهم زمنا طويلا قبل أن تبدأ عملية إعادة إعمار حقيقية!

*كاتب عراقي