أخلاق الخوف واخلاق القناعة. الورقة الأولى.

Submitted on Thu, 08/01/2019 - 14:40

سليم جواد الفهد
موضوع الأخلاق موضوع فلسفي ينتمي الى حقل في الفلسفة يسمى (فلسفة الاخلاق) تطمح هذه الفلسفة الى تقييم السلوك الإنساني على ضوء القواعد الأخلاقية السامية وهدفها هو وضع معايير للسلوك الإنساني القويم من أجل سمو الإنسان وإعزاز كرامته. حتى يصل الإنسان الى قناعة بأنه إنسان لنفسه.
وهذه محاولة في فهم الفرق بين اخلاق الخوف واخلاق القناعة حيث أسس الدين الأخلاق على الخوف من الله في ثنائية (الترهيب والترغيب) أو(الجنة والنار) مما أورث النفاق في نفوس معتنقيه لأن الخوف يجعلك تظهر خلاف ما تبطن خاصة إذا كان الفعل محبب إليك ولكن الدين يحرمه.
في الدين الخوف يحكم مجمل خيارات الفرد العبادية إنما يؤطر بالقداسة في مسعى نفاقي يخفي حقيقة الطمع المؤجل الذي يبتغيه الإنسان المتدين من الجنة والنعيم بينما اخلاق القناعة تنبع من صفاء روحك وسمو فكرك و تجعلك منسجما مع نفسك لا تفعل إلا ما كنت مقتنعا به وبذلك تحترم ذاتك وفعلك وتكون مسؤولا عنه مسؤولية اخلاقية كاملة أمام نفسك وأمام الآخرين.
الأخلاق في اللغة: الأخلاقُ جَمع خُلُق، وهو الطبع والسَّجية والدِّين، وتعني الأخلاق أيضاً حالٌ للنَّفْس رَاسِخَةٌ تَصدُرُ عنها أفْعالُ الخَير أو الشرٍّ مِن غير حاجةٍ إلى تُفكّر أو تمهّل، بل تصدر بناءً على ما يتلازم مع الطبع والعادة، وهي مجموعةُ من الصِّفاتِ البشريَّةِ والسُّلوكياتِ التي يمكن وصفها بالحُسنِ أو القُبْح.(1).
هذا هو التعريف اللغوي للأخلاق ورغم أنه يخلط بين المفاهيم المتباينة إلا أن المهم فيه هو : أن الاخلاق تصدر عن تلازم مع الطبع والعادة التي يتشربها الإنسان منذ طفولته من بيئته الاجتماعية التي نشأ فيها.
الأخلاق اصطلاحًا: عرَّف الجرجاني الخلق بأنَّه: (عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويَّة، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خلقًا حسنًا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقًا سيئًا).(2). 
وعرفه ابن مسكويه بقوله: (الخلق: حال للنفس، داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا رويَّة، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيًّا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب، ويهيج من أقل سبب، وكالإنسان الذي يجبن من أيسر شيء، أو كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه، أو يرتاع من خبر يسمعه، وكالذي يضحك ضحكًا مفرطًا من أدنى شيء يعجبه، وكالذي يغتمُّ ويحزن من أيسر شيء يناله. ومنها ما يكون مستفادًا بالعادة والتدرب، وربما كان مبدؤه بالرويَّة والفكر، ثم يستمر أولًا فأولًا، حتى يصير ملكة وخلقًا).(3). 
نستخلص من هذه التعاريف أن الاخلاق هي : سلوك نفسي تلقائي عفوي يمتزج بتطبيع اجتماعي وتربية اسرية وعن طريق التراكم بمرور الزمان ونفس المكان يتحول إلى طبع راسخ يصعب تغييره وقد يستحيل تبديله.
مفهوم الأخلاق في الفلسفة : 
الأخلاق في الفلسفة هي : فهم معيارية (الخير والشر) من أجل التحكم في الأخلاق والارتقاء بها الى مستوى المبادئ الثابتة وتخليصها من المتغيرات في الواقع الاجتماعي.
وهنا تبرز عدة إشكاليات منها : هل أن الأخلاق واحدة في جوهرها لا تتجزأ وفي الواقع الاجتماعي متعددة بحسب المصالح الإنسانية المتصارعة دوما؟ وهل هذا الإقرار كفيل بتحديد طبيعتها ؟ وباي معيار وعلى أي أساس نقيم القيم الخلقية ؟
جوهر الإشكال أذن هو : موضوع واحد وأحكام مختلفة هذا يعني أن هناك اختلاف في تحديد قيمة القضية.
لنحدد معنى القيمة أولا :
القيمة في الاصل مصطلح اقتصادي يعني (الثمن) أو عوض المنفعة بين البائع والمشتري. وهي عموما تعني المبدأ والمرجعية الأخلاقية التي تستند إليها أفعالنا وسلوكنا بشكل عام. وتدرس القيم في مبحث نظرية القيم (الاكسيولوجيا Axiology) وهي أحد المحاور الرئيسية الثلاث في الفلسفة : مبحث (الوجود الانطولوجيا) ومبحث (المعرفة الأبستمولوجيا) ومبحث (القيم الاكسيولوجيا) والمراد به البحث في طبيعة القيم وأصنافها ومعاييرها وهي ثلاثة : الحق ويدرسه علم المنطق والخير ويدرسه علم الأخلاق والجمال ويدرسه علم الأستاطيقا (Aesthetics) وهذا الفرع من الفلسفة لم يكن معروفا حتى قام الفيلسوف الألماني ألكسندر جوتليب بومجارتن (1714–1762) في آخر كتابه (تأملات فلسفية) عن بعض المعلومات المتعلقة بماهية الشعر عام ( 1735) إذ قام بالتفريق بين علم الجمال وبقية المعارف الإنسانية وأطلق عليه لفظة الأستاطيقا (Aesthetics).
القيمة في اللغة :
القيمة واحدة القيم واصله الواو لأنه يقوم مقام الشيء يقال قومت السلعة والاستقامة الاعتـدال وقومـت الشيء فهـو قـويم أي مستقيم والقوام العدل قال تعالى : (وكان بين ذلك قواما).(1).
مما سبق يتبين ان مادة(قَ َو َم)استعملت في اللغة لعدة معان منها:
1-قيمة الشيء وثمنه. 2-الاستقامة والاعتدال.
3-نظام الامر وعماده. 4-الثبات والدوام والاستمرار.
القيمة في الاصطلاح :
هي مجموع من المعايير والأسس والصفات الأخلاقية التي يتميز بها الإنسان حصرا وتقوم وتتقوم بها حياته الاجتماعية وتتجسد بأقواله وأفعاله.
خصائص القيم :
تتميز القيم بعدة خصائص هي :
1- القيم ذاتية : بمعنى أنها تحتوي على عنصر مشترك بين جميع التقديرات المختلفة للقيم وهو (عنصر التقديري الشخصي) ومن هذا العنصر يدخل متغير السلب والإيجاب فما يكون سلبي في مجتمع يكون إيجابي في مجتمع آخر وما يكون مقبول عند شخص يكون مرفوض عند شخص آخر. 
2- القيم إنسانية بامتياز: وهذا يعني أن الإنسان هو الكائن الوحيد الحامل للقيم.
3- القيم محددة للسلوك : ومعناه على ضوء ما يؤمن به الإنسان من قيم يكون سلوكه وطريقة عيشه في المجتمع.
4- القيم نسبية : أي انها تخضع لمتطلبات الزمان والمكان والحاجة والرغبة والإرادة والقوة والضعف أمام المصاعب وصروف الدهر.
5- شموليتها : أي أن الجميع – عامة الناس - ترغب بأن تكون صاحبة قيم معينة ويندر أن تجد إنسان بلا قيم.

القيم مصادرها وانواعها.
.............................
أولا : مصادر القيم.
1- الاساطير والمعتقدات الخرافية : لازال بعض المجتمعات خاصة في قارة آسيا وافريقيا يستمدون قيمهم من أساطير وخرافات موروثة عبر الأجيال أصبحت جزء لا يتجزأ من الوعي الجمعي وثقافات تلك المجتمعات التي لاتزال في مرحلة السحر ولم تصل بعد الى مرحلة الدين.
2- منظومة الأعراف والتقاليد والعادات : وهي في الاصل مجموعة من حلول مقترحة هدفها فك الصراع والنزاع الذي ينشب بين المجموعة البشرية-البدائية- بسبب التنازع على الأرض أو مصادر العيش وعبر التراكم التاريخي تترسخ في وعي الجماعة وتصبح في قوة القانون.
3- الدين : الدين مجموعة من القيم المقدسة الثابتة والمفاهيم الهلامية التي تطرح تصورا متعاليا للحياة عبر ربطها بأصول مقدسة غائبة غير خاضعة لمتغيرات الزمان والمكان في نص مقدس منزل لا يمكن دحضه او مواجهته او محاكمته. وكل مجتمع يستمد منظومته القيمية عبر طريقين الاول ذاكرته الدينية والاجتماعية والثاني طريق التلاقح الحضاري مع سواه مثل المثاقفة والتأثر والتأثير واعادة استجلاء التراث الذي تحمله تبعا لمقومات مستوردة.
4- القانون : يمثل القانون آخر مرحلة من مراحل تطور الإنسان العقلي حيث يمثل قمة نضوج الوعي الجمعي بالنظام على وحدة المجتمع وهو عبارة عن : مجموعة من القواعد العامة المجردة الملزمة والتي تحكم سلوك الافراد داخل المجتمع ويترتب على مخلفتها جزاء توقعه السلطة العامة بالمخالف.
5- سمو الذات الفردية : هناك فئة من البشر موصوفون بالقلة في كل زمان ومكان تسمو نفوسهم على مستوى الصغائر والغرائز والانتماءات الضيقة فيتخذون من الإنسانية المجردة عن كل قيد أفقا للروح والجسد.
ثانيا : أنواع القيم.
1- القيم العرفية : هي مجموعة من الاعراف والعادات والتقاليد التي نشأت من خلال تفاعل الإنسان مع بيئته الطبيعية والاجتماعية عبر الاستجابة للمتطلبات التي تفرضها هذه البيئة على الإنسان من أجل البقاء والاستمرار في العيش. مثل النخوة وإكرام الضيف عند بدو الصحراء فلولا هذا العرف لما سار أحد في الصحراء ونجا عندما ينفذ طعامه وشرابه.
2- القيم الدينية : هي عبارة عن وصايا الوحي وهي في اساسها تعاليم ارشادية فيها العام وفيها الخاص والغاية من تنفيذها هو رضا الله والطمع في جنته وثوابه كالإحسان والعدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب الرؤية الدينية لكل دين لأن الأديان في النهاية لا تنظر بعين واحدة للإنسان بما هو إنسان بل على اساس ما يعتنق من دين فالهندوسي يعد كافرا في الإسلام لا يستحق السلام والعدل والرقة والشفقة فهذه مخصوصة بالمسلم فقط وكذلك اليهودي مغضوب عليه والنصارى ضالين والعكس بالعكس مما أدى الى الى تخصيص القيم الدينية بالإتباع فقط دون الناس كافة. مما يجعلني لا أعتقد بجوهرية (القيم الدينية) وإنما هي تعاليم مخصوصة بالاعتقاد الديني وهي فعلا لا ترقى الى مستوى القيم لأنها تفتقر الى الشمول والكلية.
3- القيم القانونية : للقانون قيمة اعتبارية في كل مجتمع متقدم راقي ومتحضر حيث تسود القيم القانونية في كل مناحي المجتمع يحترمها الافراد ويعتبرونها اس الحياة والاستقرار الأمني في حياتهم مما يؤدي الى الاستقرار النفسي والأمان العام الذي يتمتع به الفرد داخل المجتمع حيث تسهم في تنمية النفوس والعقول لأن القيم تدور مع المتغيرات والتطورات التي تحدث في بنية المجتمع أي أنها تنطلق في مسار حركة الزمان الاجتماعي فتساهم في النمو الحضاري والرقي والثراء والتقدم في المجتمع بأبعاده وأنساقه المتباينة. 
هذ هو ما يصطلح على تسميته بضوابط السلوك الاجتماعي: 
وهي :- 
1- (الحرام) ويمثله الدين. 
2- (العيب) ويمثله العرف. 
3- (الممنوع) ويمثله القانون.
للحديث بقية.
..........................................
1-"معنى أخلاق في معجم المعاني الجامع"
2- التعريفات،الجرجاني،ص101.
3- تهذيب الاخلاق، ابن مسكويه،ص41.
4-الصحاح في اللغة،ج2،ص102.