جمال علي الحلاق: أنا مسكون بالأسئلة منذ طفولتي

Submitted by alaa on جمعة, 08/02/2019 - 02:07
جمال علي الحلاق

حاوره علي الربيعي

س1 : ما الشروط التي يجب أن تتوافّر للمثقف العربي لكي يبدع بحريّة وأمانة ومسؤوليّة؟

  • هذا السؤال يتطلّب منّي أن أعيد تعريف (المثقّف)، لذا أطرح سؤالاً آخر : هل المثقّف هو الفرد الذي يمتلك رؤية خاصّة للتاريخ – مثلا – تنطلق من عنديّاته اتّكاء على ما أنتجته المؤسّسات المتضادّة؟ وهنا أجدني واقفاً إزاء تعريف آخر للمثقّف باعتباره ذلك الفرد الذي لا يعرف الإقامة طويلاً تحت سقف معرفي واحد، لأنّه – ببساطة شديدة – يمتلك نزوعاً جارفاً الى محاكمة معرفته بشكل دائم، وهذه الميزة تحديداً تجعله لا يطمئن للنتائج التي يصل إليها إلا باعتبارها احتمالات يمكن دحضها أيضا في لحظة قادمة. عندما أصل الى هذا الحدّ من التعريف أكون قد أشرفت على الإجابة، ولهذا أقول : أحد أهم شروط البحث بحريّة أن لا أكون أنا فقط، بل أن يكون (الآخر) بمستوى هذا الطرح أيضا، لأنّ الوصول الى هذه الرتبة من التفكير يعني أوّل ما يعنيه تقليم أظافر الكراهية، وهنا نصل كلانا معا (أنا والآخر) الى حدّ أن يكون كلٌّ منّا مرآة، لأنّنا نتشابه، لكنّنا لا نتطابق. (أنا والآخر) كلانا سيكون بداية، فأنا أتساءَل وأُحاكِم ما وصل إليّ لأنّني بداية مثلما يساءل ويحاكم هو باعتباره بداية أيضا. أنا بدايةٌ تمتلك قلقها الوجودي الخاص بها، ولا تتآلف مع ما تمّ نقله إليها من موروث، ولأنّني معني بالباحث كقيمة أكثر، يمكنني أن أشير الى الشروط التي يجب توفّرها فيه :

  • أن يحترم ذاته، وهذا يتجلّى بالصدق معها أو تجاهها.

  • القلق إزاء مصداقيّة الموروث.

  • عدم المجاملة في تبنّي ما توصّل إليه مّما يظنّ أنّه الحقيقة الأرجح، حتى ولو كان في ذلك نسفٌ لكلّ ما نشأ منه وفيه وعليه.

بالنسبة لي هذه هي الشروط التي تتشكّل منها هويّة الباحث الحقيقية، وبغيرها لن يكون إلا موظّفاً حزبيّاً، أو موظّفاً مؤسّساتيّاً.

س2 : كان كتابكم (آلهة في مطبخ التاريخ) مدوّياً وعاصفا وناسفاً لكثير من المفاهيم المستقرّة! هل دفعتم ضريبة لهذا الكتاب …ما هي؟

  • أن تكون مسكوناً بالبحث عن الحقيقة فهذا بحدّ ذاته يمثّل إقصاءً اجتماعيّاً، لأنّ الكثيرين الذين يحيطون بك سيكون لهم اهتماماتهم وانشغالاتهم الحياتيّة الخاصّة، وفي الأغلب الأعم ترى أنّ الناس لا تشغلهم الحقيقة، ولا يقلقهم البحث عنها.

علينا أن ننتبه هنا أيضا الى أنّ الإقصاء قد يكون قراراً ذاتيّاً  صِرفاً، ووفق تجربتي المتواضعة أستطيع القول أنّني أنا من قرّر الابتعاد، ليس مكانيّاً فقط، بل مزاجيّاً أيضا، إبتعدت عن الريف الى المدينة، وأراني الآن أتّجه الى الطبيعة، لكن ليس بحسّها الريفي، الطبيعة التي تشبه الحبل السرّي الذي يربطني بالكون، بل يمكنني القول إنّ الاقتراب من الطبيعة هو بداية انتماء فعلي للكون، وهي نافذة هائلة تمنحني التحليق أعلى وأبعد، متحرّراً من الانتماءات والتحجيمات.

الإبتعاد منحني القدرة على التعمّق أكثر في دهاليز البحث. يقلقني اليقين، أيّ  يقين، لذا فأنا أعيش منفتحاً على الآخر، لكن ضمن حدود أجدها مهمّة لي وله.

ثمّة حادثة رواها لي أبي قال : “عندما كنتَ طفلاً لم يكن أحدٌ يقترب منك، كنتَ مكروهاً من قبل الجميع”، فسألته : لماذا؟  قال : “لأنّكَ كنتَ تسأل كثيراً ، تسأل حتى عن الأشياء التي  تعرفها”. من هنا يمكن أن أجيب على سؤالك : “هل دفعت ضريبة ؟”، نعم، شكل الحياة التي عشتها وأعيشها الآن هي ضريبتي، أن أختار الهجرة والإبتعاد عن كلّ صخب، كيفما كان شكله، وأن أستمتع بفرصة وجودي في الحياة عن طريق طرح أكثر كمٍّ من الأسئلة المهمّة بحسب ما أعتقد. أشعر أنّني ممسوس بمحاكمة وجودي في العالم. من هنا تحديداً يمكنني القول : لا يقلقني الآخر النقيض بقدر ما يقلقني أن لا أتمكّن من طرح أسئلة مهمّة حقّاً. أنا محض وقت محدود على الأرض، والضريبة التي أدفعها الآن تتجلّى نتيجةً لسرعة مرور الوقت في تنامي قلق الوصول الى فهم واضح قبل أن أبلغ نهاية وقتي الخاص على الأرض.

س3 : يشعر من قرأ كتابيك (آلهة في مطبخ التاريخ، مسلمة  الحنفي) أنّ هناك خيطاً خفيّاً بين الكتابين، فهل من الممكن أن تدلّنا على إمتدادات بعضهما على بعض؟ وما الذي دفع الحلاق الى دراسة سورة الفاتحة بالذات؟

  • نعم هناك صلة نسب بين الكتابين لأنّهما نتاج بحث معرفي واحد أعمل عليه – قراءة – منذ أكثر من ثلاثين عاما، لكنّني بدأت في الكتابة فيه منذ عام 2003، وميزة هذا البحث أنّه يتّسع ويتفرّع، ولأنّني لا أمنع أيّ سؤال يمكن أن ينبت هنا أو هناك، فإنّ البحث إنشطر أكثر من مرّة، وقفز الى أزمنة مختلفة أيضا، إنّه يشبه خليّة أميبيا، تنمو وتنشطر، إلا أنّها في كلّ مرّة تنتج خلايا أميبية أيضا. كتاب (آلهة في مطبخ التاريخ)، وكتاب (مسلمة الحنفي) هما غصنان في شجرة أعمل على إنمائها بشكل يومي، دون أن أدري الى أيّ مدى ستنمو هذه الشجرة، رغم أنّني أعرف بعض أغصانها الأخرى، وأعرف إمتداد بعض ظلالها أيضا.

وبالعودة الى الكتابين فيمكنني القول أيضاً أنّهما يتّصلان خيطيّاً بإسم (الرحمن) تحديداً، وهو تجربة معرفية نمت وتأثّثت تأريخيّاً في نجد واليمن، بينما نمت وتأثّثت تجربة إسم (الله) في الحجاز حصراً. وقد توصّلت عبر البحث الى نتيجة يمكن اختزالها بتأخّر دخول إسم (الرحمن) في سورة (الفاتحة) الى السنة التاسعة للهجرة، علماً أنّ المؤسّسة الدينيّة تؤكّد أنّ إسم (الرحمن) هو أقرب الأسماء الى الله! وأستطيع القول هنا أنّ دخول الإسم كان نافذة لقراءة تحالف بين دعاة النبوّة في الحجاز واليمن تحديدا، تحالف تمّ السكوت عنه تأريخيّاً.

لقد كانت سورة الفاتحة مدخلاً مهمّاً يمتلك القدرة على البوح بأسرارٍ تمّ إيصالها لنا عبر مستويات متعدّدة ومختلفة، عملية جمعها يقود الى نتائج يمكن أن تعيد تركيب ليس تاريخ بناء السورة وحدها، بل تاريخ بناء سور أخرى، وهذا ما أعمل عليه الآن. تجربتي في قراءة سورة الفاتحة فتحت لي الباب المقفل لتاريخ القرآن فاتّسع زمنيّاً، لم يعد ممكناً القول بزمن النبوّة المثبت مؤسّساتيّاً، إنّ قراءة تاريخ سورة الفاتحة وحدها جعلت الزمن لعمليّة إنتاج النصوص القرآنيّة يمتد لأكثر من خمسين عاماً، وليس ثلاثاً وعشرين عاماً كما هو متّفق عليه. أعتقد أنّنا متّجهون الآن بحثيّاً الى فتح ملفّات زمنيّة مسكوت عنها، ورغم هذا السكوت العميق فإنّ بإمكاننا أن نصل إليها عن طريق استنفار مجسّاتنا القرائيّة في الإنتباه لآليّات تهريب الحقيقة التاريخيّة ضمن المدوّنات الرئيسية للمؤسّسة الإسلاميّة ذاتها.

س4 : ما القرآن؟ وما الآليّة المثلى في التعامل المنهجي مع نصوصه المختلفة والمثيرة للحساسيّة الدينيّة برأيك؟

  • “ما القرآن ؟”، هذا ليس سؤالاً، بل لغماً، لكن مع شحنة كافيّة من الجرأة، يمكنني الإبتعاد عن زخم الهالة العاطفية المتراكمة عبر التوارث، أستطيع القول إنّه أخطر كتاب عربي على الإطلاق، خطورته تتجلّى في أنّه قصم ظهر من قبله ومن بعده، القرآن التهم تأريخ من كان قبله، وعطّل تأريخ من جاء بعده، وهذه ليست إدانة للكتاب، بقدر ما هي إدانة لمن عمل على تأويله، فمنذ اللحظة التي تمّ فيها جمع النصوص في زمن الخليفة الثالث، توقّفت هذه النصوص عن أن تُقرأ كما كانت هي حقّاً، لقد تمّ تفريغها من زمانها الحقيقي، وبهذا فإنّ قراءة القرآن في هذه اللحظة تحديداً – إتّكاء على التآويل فقط – هي ابتعاد زمني عن لحظة توقّف تدوين النصّ بقرابة ألف وأربعمئة عاما، وابتعاد عن لحظة إنتاج النصّ بأكثر من ألف وأربعمئة وخمسين عاما.

س5 : ما المنهج الذي يتبعه الحلاق في رصد الظاهرة القرآنيّة وتحليل أبعاده؟ وإلى أيّ مدى يتخوّف من النتائج التي قد تقتضيها المناهج الجديدة؟

  • علينا أن نعترف أنّ كتب الأديان الثلاثة – وليس القرآن فقط – توقّفت عمليّة إنتاج نصوصها عندما كان الاعتقاد البشري يقول بمركزية الأرض ودوران الشمس حولها، وأنّ ذرّة الغبار المرئية هي أصغر جزء في العالم، وهذان الأساسان المعرفيّان تمّ دحضهما علميّاً عن طريق المراصد الفلكيّة ومجاهر المختبرات. من هنا يمكنني القول صراحة أنّني لا أنتظر من القرآن أن يمنحني تفسيراً علميّاً لحركة كونيّة تحتاج الى تلسكوب أو الى مجهر. وإذا تحدّث القرآن عن حقائق فإنّه يتحدّث عن ما يمكن أن يُرى بالعين المجردة، لأنّه نتاج مرحلة تاريخية / إجتماعيّة لها حدودها المعرفيّة.

الشيء الأكثر خطورة تكمن في أنّ القرآن – كنصوص – جمع الأضداد الإجتماعيّة كلّها، أي أنّ بإمكاننا، واتّكاءً على القرآن، أن نصل الى مراحل نمو الحسّ الديني العربي من بداية القرن السادس الميلادي وإلى لحظة جمع نصوص القرآن في كتاب واحد. وبالتأكيد فإنّ هذا الأمر ليس سهلاً، لكنّه ليس مستحيلاً أيضا، لقد تمّ جمع القرآن بطريقة تُرضي الأطراف المتعارضة كلّها، فالعربي مهما كان اعتقاده سيجد في القرآن جملة من السور، أو سورة واحدة تُرضيه، أو آية، أو عنوان سورة، من هنا جاء رفض الخليفة الرابع (علي بن أبي طالب) لعمليّة اعتماد القرآن في المحاججة، فالقرآن من وجهة نظره “حمّال أوجه”، وهذا رأي حقيقي تماماً، ومن هنا نرى أنّ القرآن  شيء، وأنّ السنّة النبويّة شيء آخر، لأنّ السنّة أكثر التصاقا بنبي الحجاز منها بأنبياء نجد واليمن، أمّا القرآن فيجمع نتاج الأقاليم الثلاثة، وهذا الأمر قاد الى صرامة التدقيق في سند الحديث في ما بعد.

أمّا في ما يخصّ التخوّف من النتائج التي يقود إليها البحث فهذا أمر لا يقلقني، ولا يقلق كلّ باحث عن الحقيقة. ما يقلقني حقّاً  ألا أتمكّن من طرح السؤال بطريقة صحيحة، لأنّه يجعلني أستغرق وقتاً أطول في الوصول الى الحقيقة المسكوت عنها.

س6 : ما أهم المرجعيّات والمفاهيم التي غذّت فكر الحلاق، وهل هو مشدود الى مرجعيّة دون سواها؟

  • لقد كنتُ طفلاً لجوجاً في الأسئلة، ومصاباً بفضول معرفي هائل ، فضول أن أعرف كلّ شيء، وهذا الأمر جعلني أتلفّت كثيراً. لم تنحسر قراءاتي ضمن إتّجاه واحد، على العكس تماماً، كان فضول المعرفة يتجاوز كلّ حدّ، ومع الوقت رأيت أنّ العقل الديني يتحدّث بيقينية مفرطة بثقتها، ورأيت أنّ العقل العلمي يتحدّث بمعرفة تعرف حدودها، ويبحث دائما عن ما يمكن أن يفنّد طرحه، العلماء في المراصد الفلكيّة، وفي المختبرات يبحثون عن النقطة الأضعف داخل كلّ نظريّة، النقطة التي تمتلك القدرة على زعزعة وهدّ البناء النظري ومنح رؤية جديدة مغايرة، ورأيت العالم البشري يتغيّر ولا يثبت على حالة، فعرفت أنّ جوهر العالم البشري أقرب الى العقل العلمي منه الى العقل الديني، بل رأيت أنّ العقل الديني متطفّلٌ على العقل العلمي في كلّ خطوة، محاولة منه في جعل مساحة العلم جزءاً من مساحة الدين، بل يبدو وكأنّ وظيفة العلم تكمن في تحقيق مصداقيّة الدين، وهذا هو الهراء بعينه.

إنّنا لا نفهم القوانين التي تحرّك الكون من خلال قراءتنا للكتب  المقدّسة، سواء أكان قرآنا، أو إنجيلاً، أو توراتاً، وأنّ ما يتم فعله حقّاً هو لي وكسر أعناق الكلمات بحثاً عن تأويل جديد يخفض من شدّة التضاد بين النصوص الدينيّة القديمة والاكتشافات العلميّة الحديثة.

س7 : كيف يفسّر جمال الحلاق سطوة التديّن الزائفة في عموم البلاد العربيّة؟ وإلى أيّ مدى يثق بالعقلانيّة والنقد في ظلّ الحجاب الكثيف من ظلمات البلاد العربيّة في السنوات الأخيرة؟

  • ها أنت تقول إنّها زائفة، أي أنّها دمى يتمّ تحريكها وفق الإشارة، ولأنّ الدين لا يحتاج الى عقل فإنّ القطيع يركض، يتنافس، يتصادم مع بعضه البعض، يكفي أن ترى المساجد تُبنى بالرخام في وسط أحياء سكنيّة جدران بيوتها من الصفيح لتعرف مدى الغبن الاجتماعي التي تنهض عليه المؤسّسة الدينية. أذكر مرّة أنّ زلزالاً ضرب حيّاً سكنيّاً للفقراء في تركيا في تسعينات القرن المنصرم، فانهارت بيوت الناس على أهلها، وبقي المسجد في الحيّ السكني منتصباً دون أن يمسّه أيّ ضرر، كانت مهزلة العقل الديني لحظتها أنّه اعتبر بقاء المسجد معجزة، وبدأ ينشر صورة الكارثة كدليل إعجازي، بالنسبة لي كان هذا الإعجاز إدانة للإله المعبود، لأنّه عجز عن حماية عباده المساكين واستبقى بيتاً من خالياً إلا من الرخام!

أمّا في ما يخصّ العقلانيّة والنقد فإنّني أرى الشارع الحيّ ينمو داخل المدن أيضا، وأرى الشباب الواعي يتّجه نحو تفعيل الحسّ المدني، ثمّ أنّ رجال الدين بأنفسهم يجهزون على ما تبقّى من الدين الآن، فالحتميّة التاريخية ترفع شعارها بوضوح (إذا أردت أن تقضي على دين ما فإجعل شريعته دستورا للبلاد)، إنّها الطريقة المثلى للقضاء على الدين، لكن يجب الإنتباه هنا، أنّني أتحدّث عن نهاية الأديان، ولكنّني لا أتحدّث عن نهاية حسّ التديّن.

أقول : رغم أنف الدمى ومن يحرّكها فإنّ حركة العقل العلمي تمسك بياقة العقل الديني لتقوده الى أقصى تضادّ له مع الحياة اليوميّة، يجب أن نعترف أن لا بقاء للدين الآن إلا ببقاء الجهل وإدامته، أمّا المعرفة، وهنا أعود الى إجابة السؤال الأوّل، المعرفة التي لا تعرف التوقّف عند حدّ، وتبحث عن النقاط الضعيفة داخل كلّ نظريّة، أقول : أنّ هذه المعرفة تكنس الموروث الخرافي، وتمهّد لحسّ ديني ذاتي لا يتّكئ على نصّ مقدّس، أو حتّى على تأويل له، سيعي الجميع في لحظة قادمة حتماً أنّ حسّ التديّن لا يحتاج الى وسيط، ولا يحتاج الى كتب  مقدّسة، إنّه شعور ذاتي وعلاقة فرديّة، علاقة شفّافة جدّاً تخصّ الفرد وما يشعر به، لقد أدرك المتصوّفة ذلك وابتعدوا عن كلّ الترّهات التي تحجّم علاقة الفرد سواء بالكون، أو بالإله.

س7 : كيف يفهم الحلاق التفكيك؟ وإلى أيّ مدى تمّ استثماره علميّاً في دراساته؟

  • بالنسبة لي فإنّ التفكيك كمنهج للقراءة يبدأ من لحظة تحسّس الفوضى داخل النظام الصارم، لقد عشت لأكثر من ثلاثين عاماً داخل نظام سياسي دكتاتوري، صرامته تجلّت في قمع الآخر المختلف والمعارض، لقد كان واضحاً أنّ عدم الاعتراض ليس دليلاً على عدم وجود المعارضة، هذه التجربة الحياتيّة منحتني القدرة على الإنتباه لصرامة النصّ المؤسّساتي الديني، الصرامة القامعة، بل المبيدة الى درجة لا يبدو الدكتاتور إلا طفلاً من أطفالها. النصّ المقدّس أكثر قمعاً من أيّ دكتاتور، قمعيّته تأتي من كثرة المؤمنين به. أريد القول أن تجربتي الذاتيّة كانت درساً عميقاً في الإصغاء للمكبوت في ما هو معلن حقّاً، بل إنّني عملت على ذلك في كتابتي الشعرية، فقد نشرت نصّاً في إحدى الصحف الرسميّة في التسعينات في بغداد هرّبتُ فيه رسالتي التي أريد نقلها الى الآخر في زمن قادم، فلو قام قارئ ما بجمع الأحرف الأولى لكلّ سطر في النصّ لوجد عبارة تقول صراحةً : “صدام والحجاج توأمان”، لقد فعلت ذلك حقّاً، وهذا ما دفعني الى البحث عن الحقيقة المهرّبة داخل ما تبثّه المؤسّسة، لقد كانت تجربتي الذاتيّة مفتاحاً للانتباه، ودرساً في الإصغاء، وبهذا أصبح الحاضر مرآة تعكس لي صورة الماضي. أقول : لا يمكن قراءة النصّ القديم دون الاتّكاء على فهم اللحظة الحياتيّة الراهنة.

ومن خلال القراءة المكثّفة لما عبر إلينا عن طريق صرامة المؤسّسة الدينية أصبحتُ أتحسّس الفوضى داخل النظام، بل أراها عياناً، سواء داخل نصوص المؤسّسة، أو داخل القرآن ذاته ككتاب. من هنا بدأت رغبتي في إعادة تفكيك الفوضى الظاهرة عياناً، وإعادة تركيبها داخل بنية نظام جديد.

عن أوان