ما أشبه اليوم بالبارحة!

الشاعر الرصافي

سلام موسى جعفر
بين العملية السياسية التي أقامها المحتل الأمريكي قبل خمسة عشر عاما، وبين العملية السياسية التي أقامها المحتل البريطاني في عشرينات القرن الماضي، أوجه تشابه عديدة. دستور وبرلمان وعلم وأحزاب وحكومة وانتخابات حرة مية المية تجسد مبادئ الديمقراطية وحقوق السياسيين بالنهب والفساد وانتشار الفقر والأمراض والأمية والجهل. أوجه الشبه بين العمليتين تعود الى أن كلتاهما أقيمتا من أجل إنجاز أهداف الاحتلال بأيدي متعاونين محليين. صور لنا شعراء ذلك الزمن حال النظام السياسي الذي أقامه المستعمر البريطاني بأبيات تغني عن عشرات الكتب والصور. فهذا معروف الرصافي يكتب: 
من يقرأ الدستور يعلم أنه ..............وفقا لصك الانتداب مصنف
وكأنه أراد أن يخبرنا ان لدى بريطانيا نسختها الخاصة بها من نوح فريدمان وبيتر غالبيرث اللذان أشرفا على صياغة دستور بريمر. وفي بيت آخر يعلن الشاعر بوضوح أن تحسين أوضاع الناس مستحيل في ظل استمرار الاحتلال:
من أين يُرجى للعراق تقدمُ ..........وسبيل ممتلكيه غير سبيلهِ

أما القصيدة الساخرة للشاعر الشعبي ملا عبود الكرخي " برلمان أهل المحابس" فهي معروفة عند أغلب القراء. وكأن الوصف الساخر للشاعر من نواب وسياسي ذلك العهد، قصد به المشاركين في عملية بريمر الحالية. من أبياتها:
برلمان اهل المحابس والمدس
عگب ماچانوا يدورون الفلس
هسه هم يرتشي وهم يختلس

مع كل أوجه الشبه المشار لها بين العملية السياسية البريطانية والعملية السياسية الامريكية، إلا أننا نلاحظ وجود بعض الاختلافات في هذا الجانب أو ذاك. من أبرزها أن سقف الخراب والفساد والسرقة والتجهيل كان أوطأ في عهد الاحتلال البريطاني عنه في عهد الاحتلال الأمريكي. والباحث عن أوجه الاختلاف بين العمليتين السياسيتين لابد أن يعثر على ضالته إذا ما ثابر في التعمق بدراسة الظروف التاريخية التي صاحبت تأسيسهما. ولكي أوفر على الباحث جهداً ووقتاً أشير الى وجود أربعة عوامل موضوعية تستحق الدراسة. أما العامل الخامس وضع لتسلية القراء وللسخرية من الببغاوات! 
العامل الأول: ان المحتل البريطاني كان بحاجة ماسة الى بناء خطوط سكك حديدية وطرق سيارات وخطوط للاتصال التلفوني ومشاريع انتاج صغيرة تلبي حاجة الجيوش البريطانية المنتشرة في انحاء العراق. أما المحتل الأمريكي فلم يكن بحاجة الى سكك حديدية وطرق سيارات، بل الى مطارات عسكرية ومشاريع خدمات فندقية. فلكل عصر مواصلاته.
الثاني: حجم الثروة النفطية ومقدار السيولة النقدية، نسبة الى السكان في عهد الاحتلال الأمريكي هو أكبر بعدة أضعاف عنها في عهد الاحتلال البريطاني. ولذا فمن الطبيعي ان يعلو سقف السرقات.
الثالث: لم تكن دولة الكيان الصهيوني قد قامت بعد في بداية عهد الاحتلال البريطاني. وبالتالي لم يكن للحركة الصهيونية تأثير على سياسيي ذلك العهد بنفس قوة التأثير الحالي. ولم يكن مشروع تدمير الدولة العراقية لدى الحركة الصهيونية آنيا وقتذاك.
الرابع: وجود حركة وطنية منظمة معادية للعملية السياسية التي أقامتها بريطانيا. تمكنت هذه الحركة من تعبئة وتنظيم الجماهير بفضل بساطة ووضوح خطابها السياسي الذي أسس وعيا معاديا للاحتلال البريطاني. اما في ظل الاحتلال الأمريكي الحالي فقد حدث العكس تماما. جماهير بدون طليعة.
أما العامل الخامس، فهو العامل الحاسم وراء الاختلافات. بل يمكنني القول أن هذا العامل هو أبو كل العوامل! يتمثل في انه لا يوجد في العراق حاليا شخصية يهودية وطنية نظيفة اليد والملبس مثل حسقيل ساسون! فلو كان لدينا ساسون عند وقوع الاحتلال الأمريكي، وتولت وزارة المالية، لما حدث هذا الانحدار في المجتمع! حظ العراق في عهد الاحتلال البريطاني ان حسقيل ساسون تولى حقيبة وزارة المالية في خمس تشكيلات وزارية! استحدث الرجل نظاما ماليا عبقرياً حدد خلال بصرامة سقفا للسرقات القانونية، لا يمكن لأحد تجاوزه. وإذا ما صادف أن تجاوزت السرقات السقف المسموح به وسببت عجزا كبيرا في الميزانية العامة للدولة، فأن الرجل لا يتوانى عن تسديد هذا العجز من جيبه الخاص عن طيبة خاطر. ومعروف عن الرجل عداءه الشديد لبريطانيا العظمى، حيث ألحق بمصالحها النفطية في العراق أضرارا بالغة دفعتها الى معاقبته بمنحه أرفع أوسمتها!