عن منع "مشروع ليلى": البحث عن ثقافةٍ تُقاوم

نصري الصايغ

ماذا يُقال للمريض الذي لا شفاءَ له؟

فقط نقوم بلِياقة الوداع!

فالأسئلة حول لبنان بلغتْ نهايتَها، بلا أجوبةٍ شافية. الأسئلة متكرّرة وبديهيّة. مشقّةُ الإجابة أنْ لا جديدَ... سوى الأسوأ.

إنّه المريضُ الذي لا شفاءَ له، ولكنّه حيٌّ يُرزق، ولا يموت. ليته يموت، ليَفْسحَ للبنانَ الآخرِ أن يَحْضرَ، وأن يكونَ على صورةِ دولةٍ ديمقراطيّةٍ علمانيّةٍ عادلة، وأن تكون الثقافةُ السياسيّةُ شقيقةَ ثقافة الإبداع والمعرفةِ والمصالحِ النبيلة.

أضغاثُ حلمٍ هذا، أليس كذلك؟

لقد حدث ما يَخجَل به الأمّيُّ: حملاتٌ همجيّةٌ "مقدّسة،" حربٌ "صليبيّةٌ" على الفنّ بذريعة "الحشْمة الدينيّة." هذا الذي حدث [بمنع "مشروع ليلى" من عرض حفلتها في مهرجانات جبيل ـــ الآداب] لا صلةَ له بالأحابيل السياسيّة التي تلتقي - ضمن حلقاتها - قوًى سياسيّةٌ تَنْصب الكمائنَ، يوميًّا، ليقعَ في أفخاخها "شعبٌ" تدرّبَ على الحقارات الطائفيّة.

هذه السياسات متْخمةٌ بالأقاويل والأكاذيب. وهي بنتُ ثقافةٍ رثّةٍ، موروثةٍ، متكرّرةٍ، محفوظةٍ عن ظهر قلب. واللبنانيّون يُدمنون تأييدَها، والدفاعَ عنها، بكلِّ ما ملكت الطائفيّةُ من أسلحةٍ طاعنةٍ في الصدأ.

لا جديدَ أبدًا. فصولُ السياسة تُبْدع عارًا ينافِس عارًا آخر.

أكرّر: لا يصحُّ ربطُ ما تُصاب به ثقافةُ الإبداع بـ"التآمر السياسيّ" و"التوظيفِ التآمريّ." الاصطفافات السياسيّة لها ميادينُها الصراعيّة، ولكنّها تَخْرس عندما تَحْضر أزمةٌ ثقافيّةٌ ذاتُ بعدٍ جديدٍ وجريءٍ وجميل. حينها، يَخْرس السياسيّون، فيتولّى النطقَ غوغاءُ، يَنتظم فيها "رجالُ دين" وكلُّ ما يدلّ على همجيّةٍ تتدرّب على الفتك بحجّة الدفاع عن "المقدَّس."

ما يتجرّأ عليه "رجالُ الدين" ليس نتاجَ تآمرٍ سياسيٍّ من فريقٍ لإحراج أفرقاءَ آخرين. "رجالُ الدين" في لبنان يلعبون أدوارًا مكشوفة: فهم مع زعماء طوائفهم، في الاعتداء على فلان، وفي صدّ العدوان عن علان، لكنّهم مستقلّون عن الثقافة السياسيّة وأتباعِها وأذنابِها عندما يَشْعرون أنّ هناك مسًّا بـ"المقدَّس." ولبنان، يَدسُّ فيه "رجالُ الدين" كلَّ "مقدَّس" لحماية مكانتهم السياسيّة والاجتماعيّة والدينيّة. "المقدَّس" حرام لا يُمَسّ. "المقدَّس" ركنٌ من أركان الثقافة الطائفيّة، وهو يوظَّف تحقيقًا لغرضٍ سلطويّ دينيّ، ذي أساسٍ دنيويّ نجس.

لبنان، الذي كان مساحةَ حريّةٍ وثقافة، لم يعد كذلك. ذلك كان ماضيًا مضى؛ وإلّا، فكيف نفسّر الصمتَ الذي رافق أحداثًا تسبّبتْ بها أحكامُ المحاكم الجعفريّة الشرعيّة؟ وقعُ الصدمة كان أقوى بكثيرٍ من الكلام الكثير الذي أثارته نفوسٌ نبيلةٌ تقدِّس الحرّيّةَ وتدعو إلى مقاومة تقاليد الوأد. هذا عارٌ لبنانيٌّ كبير: أن يكون الجوابُ على هذا السقوط قصيرَ القامة، مشلولَ القبضة، ويمضي سريعًا بلا أثر.

إنَّ نظامَ "الكهنوت الدينيّ" عاتٍ جدًّا، ومدعومٌ بقوّة، ومسيَّجٌ بصمتٍ إلزاميّ، وإلّا...! إنّه نظامٌ معترَفٌ به دستوريًّا، وشديدُ الوطأةِ تربويًّا. "الكهنوت" وطبقة "رجال الدين،" على اختلاف مشاربهم، قلعتان محصَّنتان ضدّ النقد، وضدّ عرض - مجرّد عرض - ما يُرتكب من "كبائر." رجالُ السياسة من الأحزاب كافّة، وتحديدًا الأحزاب "المُتحكّمة" و"الحاكمة،" لا يتجرّأون على المسّ، ولو باللين، بالمقامات التي تُسند وجودَها وظهرَها إلى "المقدَّس." النظام الطائفيّ يشرعن هذا النفوذَ، ويتعامل معه كشريكٍ حقيقيّ.

"مشروع ليلى" كان من المفترض أن يثيرَ نقدًا فنيًّا يقوِّم هذه التجربة، ويبحثُ في ريادتها ومستوياتِ أدائها الفنيّ، كما يُفترض في بلدٍ ديمقراطيٍّ متحرّرٍ من عُقدِ الماضي وعقائدِه، خصوصًا أنّ الفنّ إبداعٌ وتطلّعٌ دائمٌ إلى الجديد، والجديدُ ابنُ المستقبل دائمًا.

ولكنّ ذلك ممنوع؛ فنحن محكومون بالماضي، والسلطةُ السياسيّةُ اللبنانيّة تَقوم ركائزُها على ماضٍ طاعن، وعلى تقديم هذا الماضي كأنّه "مقدَّس لبنانيّ." الطائفيّة الملعونة هي هذا المُقدَّس، المُجْزي سياسيًّا وماليًّا. لذا، يَكْثر النفاقُ الصافي في صياغة "العيش المشترك" الكريه، و"الميثاقيّة" التافهة، و"الوطن الواحد" في أجزائه المُبعثرة وأجنحتِه الغارقة في التخلّف والسخف والاستباحة.

ممنوعٌ، ثقافيًّا، المساسُ بالمقدَّس الدينيّ. وممنوعٌ، كذلك، المسُّ بقدِّيسي الطوائف السياسيّة. لكلّ طائفةٍ رصيدٌ من التخلّف، تَغْرف منه طبقةُ السياسيين، وطبقةُ "الكهنوت،" و"رجال الدين." هم لا يطيقون الحداثةَ إلّا بمعناها الارتزاقيّ والماليّ: مصارف، شركات، أزياء، إنفاق، سخْف، لذائذ منحطّة، برامج سخيفة، استهلاك بذيء، إلى آخره.

أيُّ ثقافةٍ لدينا في لبنان؟

مؤسفٌ جدًّا أنّ الثقافة السائدة هي إعادةُ ترويجٍ للغثّ من ماضينا، ومن ثمّ تقديمُه في ثيابٍ فاقعةِ الألوان ونسيجٍ متهالك؛ أو هي تقليدٌ أعمى لأسوإ الصرْعات الغربيّة التي تندلق من أدوات الإعلام السيّء.

لقد وُلدنا على ثقافة هذه المراجع والمرجعيّات. عيب! هذه ثقافة رجعيّة، "أنيقة،" لا غير.

الثقافة الإبداعيّة يتيمة ولا إمكانيّات لديها. لذا، نستيقظ على إيقاع ضربةٍ قاسيةٍ نتلقّاها، فنعترض، ثمّ نغوصُ كضوءٍ شاحبٍ، وننسحب إلى هبائه.

لو كان للبنان أن يتذكّرَ ماضيَه، منذ نصف قرنٍ فقط، لعرفْنا أنّ بيروت تصدّرتْ - بين العواصم - ثقافةَ الإبداعِ والتجديدِ والالتزامِ والحداثةِ وجرأةِ التحدّي والقدرةِ على الثبات. وكانت ثقافةً عنيدةً ومعاندة. لذا، ردّت على كلّ تحدٍّ...، باستثناء التحدّي الذي يمسُّ المقدَّس.

فعلى الرغم من تلك الحقبة الإشعاعيّة والإبداعيّة، فإنّ طبقة المقدَّس لم تحتملْ تجرُّؤَ صادق جلال العظم على تبرئة إبليس،[1] فعوقب بالطرد من عمله الجامعيّ ومن لبنان. ولن ننسى كيف اقتُلع الكاتبُ السعوديّ عبد الله القصيْمي، صاحبُ الجرأة في القول، ونُفي إلى القاهرة، حيث فُرض عليه أن يَخرس. ونتذكّر مسرحيّة مجدلون التي مُنعتْ بالقوّة، فاُنزل الممثّلون عن الخشبة، وطُردوا من المسرح، فمضوْا بجرأةٍ وتحدٍّ لإكمال مشاهدها في مقهى "الهورس شو" في شارع الحمرا.[2]

المسألة الدينيّة طاعنةٌ في القمع. وهذه ليست خاصّيّةً لبنانيّةً أبدًا.

فالتكفيرُ، وهدرُ الدم، والتهديدُ بهدر الدم، مسألةٌ عاديّةٌ في دول المحيط العربيّ (قتلُ فرج فودة، ومحاولةُ قتل نجيب محفوظ، وتطليقُ نصر حامد أبو زيد من زوجته وفقًا لقانون "الحسبة،"...). للدِّين عندنا، وعند "الجيران،" مكانةُ الثابت والدائم. والمساسُ به يُعتبر من الكبائر.

وعليه، فإنّ ما حدث في لبنان [بمنع "مشروع ليلى" من العرض] ليس مكيدةً سياسيّةً أبدًا. لا يجوز إدخالُ ما حدث في باب الصراعات السياسيّة بين التيّارات الحاكمة والمُتحكّمة. كما لا يجوز توظيفُه، كأنْ يُقال إنّه "محضُ افتعالٍ لصرف الأنظار عن المشكلات الحقيقيّة" التي يُعانيها اللبنانيّون، الغلابى فقط.

من ظواهر الفتك الدينيّ: الاعتداء على المطران غريغوار حدّاد

إنّ لظواهر الفتك الدينيّ (تذكّروا ما حصل مع المطران غريغوار حدّاد)[3] والتأثيمِ المذهبيّ والتكفيرِ الطائفيّ استقلاليّةً عن مسارات "السياسة،" التي تُستعمل في لبنان لغاياتٍ طفيليّةٍ واستثماريّة، وتنتهجها ممالكُ الطائفيّة السياسيّة، فتفتحُ ذراعيْها - بحرارةٍ لكنْ بلا إيمان - لارتهانات "الطبقة الكهنوتيّة" وللتعامل معها - - إمّا بالتحالف معها، أو بالسكوتِ عنها، أو بدعمها سرًّا.

الطائفية السياسيّة والطبقة  الكهنوتيّة وجهان لعملةٍ واحدة، وكلُّ وجهٍ أقبحُ من الآخر.

يملي هذا الوضعُ مسؤوليّةً على مثقّفي لبنان وعقوله، وعلى المؤمنين بأنّ الثقافة ليست مجرّدَ إضافة. أبدًا! الثقافة يَلْزم أن تكون في أساس الكيان السياسيّ والاجتماعيّ والتربويّ. بيروت هذه تخلّتْ عن دورها، بعد الحرب، وبعد إقحامها في مشروع الاستهلاك اليوميّ حتّى الاختناق. الثقافة حمْلٌ ثقيلٌ، ومسؤوليّةٌ كبيرة، ووعيٌ إيجابيّ يَنظر إلى السياسة اللبنانيّة وآفاتِها (الماثلة في الاستدانة، والسرقة، والنهب، والاحتيال، والفساد،....) في وصفها مشروعًا انتحاريًّا، للبنان أوّلًا، ولمن فيه أيضًا.

السؤال الذي يضعني على منصّة العجز هو الآتي: ما العمل؟ لا أعرف. هناك نشاط  مضادّ موزّع. هذا جيّد، لكنّه غيرُ كافٍ. ليس عندنا ثقلٌ وازنٌ ثقافيًّا لمواجهة هذا النكوص، وهذا الانحدار، وهذا التخلّي.

أختم وأقول: جدّيًّا، لا أعرف. الجواب الفرديّ إنشائيّ، وليس كلّيًّا. الجواب الجماعيّ ما زال قاصرًا: يُفصح عن نفسه في المناسبات، وتحديدًا حيث يكون الإبداعُ ضحيّةً من ضحايا الاضطهاد "الدينيّ"؛ أمّا غير ذلك، فيبدو أنّ المشهدَ ناقص دائمًا. ولأنّ ذلك كذلك، فلا تراكُمَ ممكنًا.

التراكم يحتاج إلى متابعةٍ مؤسساتيّة. مجلّة الآداب تقوم بدورٍ لافت. مَنْ غيرُها أيضًا؟ أفرادٌ وجماعاتٌ من طينة التحدّي الموقّت. لا منصّةَ ثابتةً، جامعةً، عندنا، ذاتَ صوتٍ داوٍ دائمًا. تبًّا لفقرنا! عليها أن نجترحَ أعجوبة الولادة الشاقّة. إنّما متى؟ أيضًا لا أعرف.

شكرًا لكلّ من وقف مع "مشروع ليلى،" ومع مَن يقف مع القضايا العادلة ولو كانت في حالةِ خسران. ليس عندنا إلّا هذا الأمل. فهل نحن محكومون، فعلًا، بالأمل؟ برهنوا على ذلك!

بيروت

[1]  راجع: صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني (بيروت: دار الطليعة، 1968).

[2]  https://bit.ly/2Kz7kQm

[3]  تعرّض المطران حدّاد في ربيع العام 2002 إلى اعتداء من "مسيحيّ" معترض على أفكاره. راجع: https://bit.ly/2YKtLLI 

الآداب