حوار مع د. حميد دبّاشي: فلسطين اليوم والغد

Submitted on Thu, 08/08/2019 - 15:04
الشهيد إبراهيم أبو ثريا

(نقله إلى العربية: سماح إدريس)

المقابلة الآتية حصلتْ في ديسمبر 2018 بين طالبة فلسطينيّة، هي مجد حمد، وبيني. ناي إدريس، وهي طالبة لبنانيّة في جامعة كولومبيا، حوّلت المقابلة المسجّلة إلى نصّ مكتوب في أيّار 2019. أنا شاكرٌ لهما.

*نريد أن نتحدّث عن القضيّة الفلسطينيّة اليوم. نشرتَ مقالًا في الجزيرة إنجليش عن نقل السفارة الأميركيّة إلى القدس، وعن أحداث غزّة. فلنبدأْ من هنا. كيف ترى تطوّرَ الأحداث بعد شهورٍ من الاحتجاجات الأسبوعيّة في غزّة؟

-  أعتقد أنّ "يومَ الأرض" هذا العام تحديدًا، وقد بدأ كما قد تذكرين في 30 آذار [1976]، يومٌ عالميّ، نسجِّله جميعًا [في ذاكرتنا]. لكنّ انتباهَنا يتركّز اليومَ على غزّة، لأنّه بات اليومَ الذي يدشِّن العودةَ الكبرى، حتى قبل أن تطلَقَ طلقةٌ واحدةٌ أو يُقتلَ شخصٌ واحدٌ أو يُجرح.

ثم إنّ هذا اليوم يؤشِّر أيضًا على زخمٍ جديدٍ في تاريخ النضال الفلسطينيّ. فقبل هذه المسيرات المميّزة [على سياج غزّة]، كانت أحداثُ المنطقة والعالم تَدْفع بالقضيّة الفلسطينيّة إلى النسيان. وإذ - بحركةٍ جريئةٍ وعامرةٍ بالمبادئ - اتّخذ الفلسطينيون المبادرةَ، وأعادوا الانتباهَ العالميَّ إلى نضالاتهم.

تذكّري: إحدى أبرز خطط إسرائيل هي حرْفُ الأذهان. واليوم، يجري حرْفُ الأذهان باسم "المشروع النوويّ الإيرانيّ" غير الموجود، في حين يجلس الإسرائيليون أنفسُهم على ثكنةٍ نوويّة هائلة. وهم يَخلقون حرْفَ الأذهان هذا كي يستطيعوا سرقةَ بقيّةِ فلسطين بهدوء. غير أنّ "مسيرات العودة الكبرى" تثْبت أنّ بعض الفلسطينيين لا يمكن أن يُخْدَعوا.

لكي نفهمَ مسيراتِ العودة الكبرى، علينا أن نفهمَ طبيعةَ المقاومة الفلسطينيّة. هذه المقاومة متعدّدةُ الوجوه، ولا شكلَ محدَّدًا لها. وهي لم تخضعْ أبدًا، ولا تخضعُ اليوم، لقيادة حزبٍ أو فصيلٍ واحد. نعم، هناك حركة فتح، والجبهةُ الشعبيّة لتحرير فلسطين، وحركةُ حماس، وتشكيلاتٌ سياسيّةٌ أخرى، وكلُّها أقسامٌ وجوانبُ من المقاومة، ومن ثمّ تجلّياتٌ للشعب الفلسطينيّ ولمشاعرِه وسياساتِه وإيديولوجيّاته. الفلسطينيون شعبٌ مكافحٌ، متَحَدٍّ، ولديهم بالتالي عدّةُ أنماطٍ من التعبير عن إرادتهم الجمعيّة. إذا عدتِ إلى اللحظات الأولى من النكبة، بل قبل النكبة، فستريْن أنّ الفلسطينيين فاجأوا التاريخَ؛ فهم لا يسيرون على أيّ طريقٍ محدّد، وذلك يعود جزئيًّا إلى أنْ لا شرعيّةَ كاملةً لأيٍّ من التمثيلات السياسيّة. فلسطين نظامٌ حيٌّ متنوّع من المقاومة والتحدّي. فقصيدةٌ لدرويش، أو قصّةٌ قصيرةٌ لغسّان كنفاني، أو لوحةٌ فنّيّةٌ لمنى حاطوم، أو فيلمٌ لإيليا سليمان - - كلُّ ذلك هو بأهمّيّة أيّ تحرّكٍ سياسيٍّ أو اجتماعيّ.  

ما نحتاجه اليوم ليس التحزّر حول طبيعة الدولة الفلسطينيّة، بل الأهمّ في رأيي بكثير هو التنظيرُ حول [مآل] الشعب الفلسطينيّ. لطالما قلتُ إنّ الفلسطينيين شعبٌ بلا دولة، تحكمهم دولةٌ بلا شعب. لقد عاش اليهودُ دومًا في فلسطين، وسيبقون دومًا جزءًا من الشعب الفلسطينيّ، مثلما أنّ اليهودَ في إيران أو الارجنتين أو الولايات المتحدة ينتمون إلى تطلّعات [شعوب] هذه البلدان. ونتيجةً لذلك، فإنّ المقاومة الفلسطينية عضوٌ حيّ: ينمو، يتمدّد، ينضج، يتعلّم، يختبر، ويتجلّى بأشكالٍ مختلفة. نحن هنا نتحدّث تحديدًا عن تاريخٍ طويلٍ منذ أن خبر الجيلُ الأوّلُ النكبةَ؛ نتحدّث عن أجيال متعدّدة من الفلسطينيين التقوْا: بعضُهم يعيشون في فلسطين المحتلّة عام 48، وآخرون من 67، ومن المخيّمات، ومن الشتات؛ بعضُهم أقوياء وأغنياء وناجحون، وبعضُهم عاديّون. علينا أن نكوّن فكرةً كلّيّةً شاملةً عن كلّ فلسطين والفلسطينيين.

بسبب عضويّة هذه الظاهرة الحيّة التي اسمُها المقاومة الفلسطينيّة، ثمّة على الدوام ما يفاجئ العالمَ الخارجيَّ بتمظهرات الأشياء فيه. فقد تبدو على شكل مسيرةِ عودةٍ كبرى في غزّة، أو على شكل فيلمٍ جديد أو قصيدةٍ أو بحثٍ أكاديميّ، أو - ببساطة - على شكل زواج فلسطينيّةٍ شابّةٍ من فلسطينيٍّ شابّ، على نحوِ ما رأيتُ في صبرا وشاتيلا، وكيف ذهبا إلى شقّة من شقق الأونروا (وكالة غوث اللاجئين وتشغيلهم)، مع معرفتهما بأنّهما فلسطينيان، وهما يحتفظان بذكرى العودة إلى وطنهما حيّةً.

إنّ تفاهةَ الدعاية الصهيونيّة هي في أنّ الصهاينة حاولوا - عبثًا - تصويرَ الفلسطينيين وكأنّهم هدفٌ ثابتٌ، بلا حياة، يستطيعون إسقاطَه؛ فأخفقوا، وسيُخفقون دائمًا.

وبالعودة إلى سؤالكِ الأصليّ، فإنّ ظاهرةَ غزّة مهمّةٌ خصوصًا لأنّها مستمرّة. لقد كان الردُّ الإسرائيليُّ عليها شرّيرًا، وعنيفًا، ومبتذلًا، ويائسًا. الإسرائيليون لا يعرفون كيف يتعاملون مع احتجاجٍ سلميٍّ إلّا بالرصاص؛ خلافًا للدعاية الصهيونيّة (الهاسبراه)، القويّةِ في الولايات المتحدة بشكلٍ خاصّ، والتي وَصفت المقاومةَ الفلسطينيّةَ دومًا بأنّها عنيفة، في حين أنّ غالبّيتها الساحقة غيرُ عنيفة، وتحْدث بواسطة أناس عاديين يعيشون حياتَهم العاديّة.

صحيح أنّ الفلسطينيين - وهذا حقُّهم - قاوموا "بأيّ وسيلةٍ ضروريّة"؛ وهذه ليست عبارةً قادمةً من فلسطين ولا هي فلسطينيّةٌ حصرًا. "بأيّ وسيلة ضروريّة،" عبارةُ مالكوم أكس الشهيرة، تشير إلى شعبٍ مقموعٍ آخر.   

الحقيقة هي أنّ قسمًا أساسيًّا من الشعب الفلسطينيّ الذي يعيش في غزّة تَقدّم باتجاه وطنه - - ومن المهمّ جدًّا هنا ألّا نسمّيَ ما تقدّم هذا الشعبُ في اتجاهه "حدودًا" أبدًا لأنْ لا حدود هناك: فالغزّاويّون مشوْا، عزّلًا من أيّ سلاح، في اتجاه بيوتهم التي كانوا قد طُردوا منها. وكان هناك مَن غنّوا ودبكوا، إلى جانب الطواقم الطبّيّة، والتغطية الإعلاميّة؛ ومع ذلك أُطلق الرصاصُ عليهم، وقُتلوا بدمٍ بارد.    

هناك أمثلةٌ كثيرةٌ على البطولة الاستثنائيّة. لكنّي أرى أنّ صورةَ إبراهيم أبو ثريّا، المقطوعِ الرجليْن، وهو يتلقّى رصاصَ الإسرائيليين بدمٍ بارد، فيُستشهد بينما هو جالسٌ على جذعه الأعلى حاملًا العلمَ الفلسطينيّ، قد تكون أهمَّ الصور الأيقونيّة في هذه المرحلة. أقول "أيقونيّة" بتردّد؛ فثمّة صورةٌأُخرى لشابٍّ فلسطينيّ، نصفِ عارٍ، يَرفع علمًا، ويرمي حجرًا. وأقول "بتردّد" لأنّنا حين نقول "أيقونيّة" فكأنّنا نتحدث عن شيءٍ خارج التاريخ؛ والفلسطينيون ليسوا خارج التاريخ. مقاومة الفلسطينيين تاريخيّة، وهي مستمرّة ومدعومة ومتعدّدة الوجوه. ونتيجةً لذلك، فإنّ الظاهرة نفسَها، المقاومة، يجري تمثيلُها من خلال الحقيقة الأيقونيّة للحركة المتواصلة. علينا أن نُبقي توازنًا دقيقًا بين فلسطين كجرح متدفّق، وفلسطين كاستعارة.

ما شهدناه في الحلقة الأحدث من الانتفاضة الفلسطينيّة هو بدايةُ نمطٍ جديدٍ من المقاومة. فبعد الانتفاضتين الأولى والثانية، كان الناس يتساءلون متى تحدث الانتفاضةُ الثالثة. ففاجأ الفلسطينيون العالمَ، كعادتهم دومًا، على الرغم من التغيّر الهائل في الإعلامِ الجماهيريّ، وعلى الرغم من التغطية الإخباريّة سبعة أيّام في الأسبوع، 24 على 24؛ وهي تغطية  قصّرتْ قدرةَ الناس على الانتباه. ومع ذلك، استطاع الفلسطينيون أن يستدعوا انتباهَ العالم إلى مأزقهم الخاصّ.

*هل تعتقد أنّ الفلسطينيين ما زالوا يمتلكون الطاقةَ على التظاهر، وعلى مواصلةِ ما يفعلونه؟

- يصعب الحسمُ، وليس من الإنصاف أن نتنبّأ بأيّ أمر. ثمّة مستوًى ممتاز من المقاومة بين فلسطينيّي غزّة، وهناك تضامنٌ من الضفّة الغربيّة والشتات. لكنّ الضغط ينصبّ بشكل خاصّ على غزّة، حيث الظروفُ قاسيةٌ واستطاعوا تحمّلها. نحن الآن في منتصف كانون الأوّل، والمسيرات بدأتْ في آذار. أي إنّها استمرّت طوال الربيع والصيف والخريف.

ما تعلّمتُه من المقاومة الفلسطينيّة أنّه قد كانت هناك، على الدوام، حلقاتٌ تنبعث، وتستمرّ، ثم تستنفدُ نفسَها، ثم تلِدُ نمطًا آخرَ من المقاومة. لا أعتقد أنّ الانتفاضة الحاليّة في غزّة قد استنفدتْ نفسَها؛ فهي مستمرّة، وكلَّ يومٍ تحصل أمورٌ. والمصابون والأموات والمشوَّهون والجرحى، الجرحى إلى الأبد: إنّ كلّ ما تحمّله الفلسطينيون يتجاوز الملحمة. هذا نمطٌ مختلفٌ تمامًا من المقاومة، علينا أن نراقبَه بدقّة، ونتعلّم كيف يعمل. أعتقد أنّ التاريخ البشريّ قلّما شهد نمطَ مقاومةٍ مكوَّنًا من أناس عاديين؛ فهي ليست تنظيمًا عسكريًّا. هناك اتهامات بأنّ حركةَ حماس هي وراء مسيرات العودة الكبرى، لكنْ لا دليل على أنّ حماس بدأتْها؛ أو إذا كانت قد بدأتها فعلًا، فهي (أيْ حماس) لم تهبطْ من السماء، بل هي جزء من المقاومة الفلسطينيّة.

إلام تستمرّ المسيرات؟ لا أعرف. لا أحد يعرف. بعد أن تأخذ مجراها الطبيعيّ، شأن أيّ بعد آخر من المقاومة الفلسطينيّة، فحينها نستطيع أن نرجعَ خطوةً إلى الوراء وننظرَ إليها لنرى دلالتَها التاريخيّة. لكنّ الوقتَ مبكّر جدًّا الآن.

فمنذ إعلان بلفور سنة 1917 والصهاينةُ يظنّون أنّ الفلسطينيين سينكسرون ويتظاهرون بالموت. وها نحن الآن بعد أكثر من 100 سنة على بلفور، وما زال الفلسطينيون يقاومون النهبَ المسلّح لوطنهم بصلابةٍ أكبر من أيّ وقتٍ مضى.

*هل يمكن أن نرى حركة مسلّحة؟ هل تظنّ أنّه يمكن أن نرى لاحقًا تسلّحًا أكبر؟

- أولًا، المقاومة المسلّحة لم تتوقّف يومًا، وكانت ولا تزال جزءًا من المقاومة الفلسطينيّة. أحيانًا، المقاومة المسلّحة جزء من مقاومة تمارسها حركةُ فتح، أو الجبهة الشعبيّة، أو الجبهة الديمقراطيّة، أو حركةُ الجهاد الإسلامي، أو حماس... وأحيانًا، هي مجرّدُ أن يَحمل فلسطينيٌّ سكّينًا وينزلَ إلى الشارع بعد أن ضاق ذرعًا بكلّ شيء. لكنْ، من جديد، وكما سبق القول، من المهمّ جدًّا أن نتأمّل كلّ نمطٍ من أنماط المقاومة المسلّحة - وللفلسطيني الحقُّ فيها شأن أيّ شعب آخر. فليست ثمّة مرحلةٌ في التاريخ لم يقاومْ فيها الناسُ الخاضعون للاحتلال، الناسُ المسروقةُ بيوتُهم، "بأيِّ طريقةٍ ضروريّة" (by any means necessary). ألم يقاوم الأميركيّون الأصليّون، أو الفيتناميّون، أو الجزائريّون، أو الهنود، أو الكوبيّون، بالسلاح؟!

أمّا إذا كان ذلك سيشكّل بدايةً لنمطٍ جديدٍ من المقاومة المسلّحة، فيصعب الجزم. المهمّ بالنسبة إلى المقاومة الفلسطينيّة أنّه لا يمكن التنبّؤُ بها؛ فهي لا تتبعُ أيَّ نصٍّ مكتوب. لكنْ عليكِ أن تنظري إلى المسألة من الجهة الأخرى: وهي أنّ الصهاينة - - بسبب ثبات المقاومة الفلسطينيّة المتعدّدة الوجوه، ومعظمُها سلميُّ بشكل ساحق - - قد حُرموا أيَّ عذرٍ، وأيَّ شرعيّة. ليس للصهاينة أيُّ شيء، أيُّ كلمة، أيُّ مفهوم، أيُّ إيديولوجيا، أيُّ تفسير، أيُّ نظريّة. لا شيء لديهم إلّا البروباغندا غيرُ المجْدية. وذلك لأنّ الضغط المستمرّ الذي تمارسه المقاومةُ السلميّةُ الفلسطينيّة حَرمت الإسرائيليين كلَّ الأعذار. الشيء الوحيد الذي يملكونه هو العسكرُ الهائلُ والقنبلةُ النوويّة. وكلاهما بلا جدوى في وجه كرامة المقاومة الفلسطينيّة السلميّة.

* فلننتقلْ قليلًا إلى فلسطينيّي 48. لقد شاهدتَ الاحتجاجات طوال السنوات الماضية، وكانت أكثرَ من ذي قبل، أو هي من نمط مختلف. إلى أين تعتقد أنّها تتجه؟ إلى أين يتّجه فلسطينيّو 48 في رأيك؟ 

- الفلسطينيون الذين يعيشون داخل فلسطين المحتلّة عام 48 مواطنون من الدرجة الثانية. يعيشون مع الأعداء، وصاروا وإيّاهم "أعداءَ حميمين،" لو كان لنا أن نستعيرَ تعبيرَ آشيس ناندي. فهم يذهبون وإيّاهم إلى المدرسة نفسِها، والجامعةِ عينها، والعملِ ذاته، لكنْ كمواطنين من الدرجة الثانية. وهم يتعلّمون لغةَ محتلّيهم ومعذِّبيهم.

وبالمناسبة، فإنّ هذه اللغة ليست، في ذاتها، هي العدوّ. لا لغةَ هي العدوّ. العبريّة ليست العدوّ. إنّ المسألة هنا هي كيفيّة استغلال الصهاينة للعبريّة وتحويلِها إلى لغة المحتلّين. بل يمكنكِ القول إنّ العبريّة، في ذاتها، لغةٌ فلسطينيّة، على ما برهن أنطون شمّاس في رائعته الفخمة أرابيسك، التي كتبها أصلًا بلغته العبريّة الراقية.

نظرًا إلى الترابط بين الأبعاد المتعدّدة للمقاومة الفلسطينيّة وللوعي الذاتيّ الفلسطينيّ (48، 67، المخيّمات، الشتات)، فقد أثّر كلٌّ منهما في الآخر على نحوٍ محفّز. إذا حصلتْ حادثةٌ ما في غزّة، فسيكون لها صدًى داخل 48؛ وحين هوجم المسجدُ الأقصى مثلًا في الليل، تدفّق الفلسطينيون إليه وبدأوا الصلاةَ فيه، بصرف النظر إذا كانوا مسلمين أو مسيحيين. وهذه إشارةٌ إلى وجود وعي جمعيّ يؤثّر في فلسطينيي 48، وهم واعون ومدركون تمامًا لِما يجري في 67 وغزّة وباقي الشتات. هذا وعيٌ متشظٍّ، وجمعيٌّ، في الوقت نفسه. لا يمكن احتواؤه، أو استيعابُه، أو إيقاعُه في الشرك.

فلسطينيو 48 مرتبطون ببقيّة فلسطين. وغسلُ دماغهم فشل فشلًا ذريعًا، حتى بعد إمرار قانون القوميّة اليهوديّة (19/7/2018) - - وهذا القانون ليس جديدًا، بل كان ينفَّذ دومًا على أرض الواقع. لكنْ في ظلّ حكومة نتنياهو والليكود، ولأنهما مبتذَلان، فقد أدرجاه ضمن القوانين الأساسيّة.

لقد حاول الصهاينة فصلَ الدروز عن بقيّة الفلسطينيين، فأخفقوا في ذلك. وما أريد قولَه هنا بسيطٌ جدًّا: كلّما حاول الصهاينةُ ممارسةَ سياسة "فرِّقْ تسُدْ،" ارتقى الفلسطينييون المتشظّون إلى مستوى الحدث ليشكّلوا كُلًّا لا يقْدر الصهاينةُ على فهمه أو ضبطه.

*هل تعتقد أنّ مردّ ذلك يعود إلى الوعي [الفلسطينيّ] المتزايد بالهويّة العربيّة؟

- لستُ شديدَ الميْل إلى الحديث عن الهويّة العربيّة (أو الهويّة الإيرانيّة أو الهويّة التركيّة...). الفلسطينيون عربٌ بالطبع. وأحدُ أنماط مقاومة الاحتلال الصهيونيّ هو وعيُ الفلسطينيين بانتمائهم إلى العالم العربيّ الأكبر، بل أقول إلى عالم المقاومة الثوريّة الأكبر. فالقضيّة الفلسطينيّة ليست قضيّةً عربيّةً فحسب. لقد ذهبتُ إلى أميركا اللاتينية. سافرتُ إلى مدينة مكسيكو، إلى الأرجنتين... حجمُ التضامن مع الفلسطينيين لا يقتصر على الجامعات والمثقفين فقط! نحن نتحدّث هنا عن دعم الأميركيين الأصليين، عن دعم الشعوب الأصليّة، من كندا إلى الأرجنتين، بسبب الشهرة الأسطوريّة للمقاومة الفلسطينيّة. علينا أن نفهم أنّ القضيّة الفلسطينيّة أكبرُ بكثيرٍ من العالم العربيّ، حيث نجد أيضًا زعماء ورجالَ أعمالٍ فاسدين جدًّا يعملون بدأبٍ ضدّ القضيّة الفلسطينيّة.

نعم، الفلسطينيون جزءٌ من العالم العربيّ الأكبر، من العالم الإسلاميّ الأكبر، من عالم المقاومة الثوريّة الأكبر في العالم الثالث. لكنّ ما نحتاجه، في رأيي، هو "فلسطنة" القضيّة العربيّة، لا تعريب القضيّة الفلسطينيّة. على العرب أن يتعلّموا من الفلسطينيين، لا العكس. أتحدّث هنا عن الحكومات، عن أهوال الحكومات العربيّة، لا عن الشعوب العربيّة. انظري إلى السعوديّة، الإمارات، البحرين، عُمان، الخ. "أفضلُ" هذه الأنظمة يساير الصهيونيّة، ويعتقد أنّ الطريقة الوحيدة لحماية نفسه من شعبه هي في خدمة الأميركان من خلال التزلّف إلى الصهيونيّة. وهذا افتراضٌ خاطئ. الدول التي تفعل ذلك لا تعرف المجتمعَ الأميركيّ!

أستاذ في جامعة تمبل، في علوم الميديا، وكان كاتبُ عمود لـ سي. ان. ان، اسمُه مارك ليمونت هِلْ، ذهب منذ مدّة إلى فلسطين، وقال إنّ عليها أن تتحرّر من النهر إلى البحر. هذا رأسُ جبل الجليد، وليس استثناءً. ففي المؤتمر العامّ للحزب الديمقراطيّ في فيلادلفيا سنة 2016، تجدين تضامنًا ملموسًا مع الفلسطينيين. صحيح أنّهم رفضوا (بتأثيرٍ من الشقّ المؤيّد لكلينتون) أن يتلفّظوا بكلمة "احتلال" في وصف الوضع في فلسطين، لكنْ إذا تتبّعتِ الكاميرا، فستريْن بحرًا من الأزرار الصفْر التي طُبع عليها: "الحريّة لفلسطين!" و"التضامن مع فلسطين!" والأمر نفسه ستجدينه مع مؤتمر حزب العمّال في المملكة المتّحدة.

زمنُ الخداع ولّى، وانكشف المستورُ. وهذا لا يعود إلّا إلى صلابة الشعب الفلسطينيّ. نعم، نحن نعرف المثقفين الشاهقين الفلسطينيين، الروائيين، الشعراءَ، الفنّانين، صانعي الأفلام الفلسطينيين؛ كلُّهم عظماءُ ورائعون ولا غنى عنهم. لكنّ أساس المقاومة هو الشعب الفلسطينيّ - وأوّلُ كلمتين تعلّمتُهما حين كنتُ في الخامسة من عمري: "الشعب الفلسطينيّ."

*دائما ما نتحدّث عن "الشعب الفلسطينيّ،" ولكننا لا نتحدّث عن احتمال صعود قائد فلسطينيّ. ولا أحد يعْلم ما سيحدث الآن، خصوصًا في الضفّة الغربيّة.

- نقطة جيّدة جدًّا. لقد فشلت القيادةُ الفلسطينية، بما في ذلك أفضلُ ما فيها. علينا أن نكون واعين للتاريخ ومتنبِّهين. حين تأسّستْ فتح، والجبهة الشعبيّة، كنّا إزاء أجيال من الثوريين البطوليين. لذا، حين ينظر جيلي إلى رموزٍ مثل ليلى خالد، التي كانت بطلةً في زمن طفولتي ومراهقتي، فسيكون عارًا أن أقولَ إنّ كلّ القيادات الفلسطينيّة فشلتْ. لا، لم تفشلْ كلُّها. غسّان كنفاني لم يفشل. وغيرُه كثيرون. لقد فعلوا ما استطاعوا، وتطوّرت الأمور. بين الشعب الفلسطينيّ اليوم وقيادتِه الفاشلة، خصوصًا في مسار اتفاقيّات أوسلو وما بعدها، والخداعِ الصهيونيّ عبر أوسلو الذي انهارت القيادةُ الفلسطينيّةُ أمامه، لم يفشل المفكّرون الفلسطينيون النقديّون. أذكر جيّدًا أنّ إدوارد سعيد كان، منذ البداية ضدّ أوسلو، مثلما كان كثيرون من الفلسطينيين.

ما نحتاجه اليوم هو أن يبدأ جيلٌ أكثرُ شبابًا من المفكّرين والمثقّفين والصحفيين والفنّانين الفلسطينيين في التفكير النقديّ النشيط التقدّميّ التفاعليّ في ما أسميتُه "سياساتِ ما بعد الصهيونيّة" (post-zionist polity). الصهيونيّة انهارت! الصهيونيّة لا تملك ولو القدرةَ على ادّعاء السلطة الأخلاقيّة، أو الشرعيّة السياسيّة. ما يربطُها بعضَها ببعض هو سقالاتٌ مهلهلةٌ من السياسيين الفاسدين والرجعيين الأميركيين، ومِن نظرتهم المعادية للساميّة؛ فما إنْ يروْا يهوديًّا حتى يروْا علامة الدولار!

ما نراه اليوم في إسرائيل ليس الصهيونيّة، كما تصوّرها آباؤها المؤسِّسون  أنفسُهم، بل أبعدَ من ذلك. مع فشل الصهيونيّة، ومع العنف الوحشيّ الذي نراه في الاحتلال، هناك إشاراتٌ إلى أنّ الصهاينة يفكّرون في "سياسات ما بعد [انهيار] الصهيونيّة." وهنا، لا فرقَ بين أن تكون صهيونيًّا متصلّبًا أو صهيونيًّا ليبراليًّا؛ بل الحقّ أنّ النوعَ الأسوأ هو الصهاينةُ الليبراليون لأنّهم يقدِّمون "الدُّهنَ" لتزييت آلة القمع والاحتلال. وعلى الفلسطينيين، أثناء تصوّرهم لـ"سياسات ما بعد الصهيونيّة،" والتنظيرِ لها، دورٌ رئيس. أن يسمَّى ذلك "حلَّ الدولة الواحدة [على كامل فلسطين التاريخيّة]" قد يكون ضروريًّا، لكنّه غيرُ كافٍ. والحقّ أنني أقلُّ اهتمامًا بالجزء المتعلّق بـ "الدولة" من السياسة التي ستتبعها هذه الدولة.

إنّ المهمّة الرئيسة التي تواجه الجيلَ الشابَّ من الفلسطينيين، جيلَكِ أنتِ، هي وجهةُ فكره النقديّ. حركةُ المقاطعة العالميّة (BDS) هي بالتأكيد مهمّة، لأنّها كونيّة وعابرةٌ للقوميّات، وإسرائيل يائسة ولا تستطيع وقفَها. حركةُ المقاطعة بدأتْ مع الفلسطينيين، لكنّها اليوم ظاهرةٌ عابرةٌ للقوميّات. غير أنّها ما تزال ضمن أشكال المقاومة، وما نحتاجُه في رأيي لم يعد المقاومة، بل الانتصار.

وللوصول إلى الانتصار، علينا أن نبدأ التفكيرَ النقديّ - - من خلال المؤتمرات والأعداد الخاصّة من المجلات وهكذا - - وكلُّ ذلك باتّجاه تصوّر "سياسات ما بعد [زوال] الصهيونيّة." كثيرٌ من اليهود ما بعد الصهيونيّة بدأوا التفكيرَ في هذا الاتجاه، وعلى الفلسطينيين التعاونُ معهم.

لقد خذلت القيادةُ الفلسطينيّةُ الشعبَ الفلسطينيّ، فهي اذن خارج المعادلة. ما نحتاجه، وما ينقصُنا، وما ينبغي عملُه، كطلّاب وأساتذة ومفكّرين نقديين وصحافيين، هو أن نلتقي، فلسطينيين أو ملتزمين بالقضيّة الفلسطينية، وأن نبدأ التفكيرَ في شكل المجتمع الفلسطينيّ ما بعد انهيار الصهيونيّة - حيث يعيش الفلسطينيون اليهود والمسيحيون والمسلمون معًا. الفلسطينيون منذ النكبة، بل قبلها، أسهموا جدّيًّا في التفكير في شكل الحكم ما بعد الصهيونيّة. لكنّ عليهم أن ينْظروا إلى الحَراكات الثوريّة الأخرى، في أفريقيا وأميركا اللاتينية، وجنوب أفريقيا بالتاكيد، وإلى الحركة الزاباتستيّة، وإلى الشقّ الأصيل من حَراك روجافا الثوريّ، لا الشقّ الذي يستغلُّه الأميركيون والصهاينة لأهدافهم الخاصّة.

نحتاج أن نبدأ التفكيرَ في شكل المجتمع الفلسطينيّ ما بعد انهيار الصهيونيّة

المهمّة المطلوبة هي البحثُ في العالم، في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينيّة؛ أن نبدأ التفكير في إطار سياسات ما بعد الصهيونيّة: سياسات فلسطينيّة متجذّرة في التاريخ الفلسطينيّ والمعاناة الفلسطينيّة؛ سياسات تتوقّف عن إخبار العالم كيف ظُلم الفلسطينيون. يكفي ذلك!

*إذًا، لا تعتقد أنّ بإمكان الفلسطينيين البقاءَ ضمن الحدود السياسيّة نفسها؟

- بإمكانهم ذلك، بلى. لكنّ الدولة التي ستمثّلهم أقلُّ أهميّةً من الصيغة السياسيّة الشعبيّة التي ستجمعُهم. صيغتُهم هذه، ما بعد الصهيونية، ستكون متجذّرة في أين سيكونون. لكنّ هذا، نفسَه، متشظّ: ففلسطينيو 48 لديهم تجربة مختلفة قليلًا عن فلسطينيي 67، وعن فلسطينيّي المخيّمات، وفلسطينيّي الشتات. كلُّ ما نفعله في هذه المرحلة هو توثيقُ القمع، والاحتلالِ، والحرمانِ، والمعاناةِ، والتضحية. وهذا ضروريّ ومهمّ، لكنه ليس كافيًا. فالمطلوب هو ما يتخطّى هذا التوثيق، أي التفكير النقديّ الفاعل في شكل المجتمع الذي يريده الفلسطينيون. والمطلوب أن يضيفوا الى ذلك الاستشرافِ مسائلَ كالجندر والطبقة والعِرق ومكوِّنات من المجتمع المدنيّ الذي سيبنون فيه مؤسسات الحياة الديمقراطيّة [الجديدة] استنادًا إلى مقاوماتهم التاريخيّة. طبعًا هذا كلُّه رأيي المتواضع، وسأذعن لخيارات التجارب الفلسطينيّة نفسها. حسبي أنني أقترحُ هنا ما أعتقدُ أنّه مكوِّن مهمٌّ، لكنّه يبدو لي ناقصًا [من التداول] حين يجتمع مفكّرون نقديّون فلسطينيّون.

من دون أن نبدأ في تصوّرٍ، فاعلٍ وتفاعليّ، ليومِ ما بعد التحرير، فسيبدو يومُ ما قبل التحرير معتمًا ويائسًا على الدوام. وحين كتبتُ ذاتَ مرّةٍ أمتدحُ أفلامَ إيليا سليمان، قلتُ: حين يتحرّر الفلسطينيون سيروْنه في انتظارهم!

 

*آخرُ ما أودّ أن تتحدّث عنه هو دورُ الفلسطينيين في الخارج، في الولايات المتحدة. كيف تراه، وكيف تغيّر؟

- الفلسطينيون ليسوا نوعًا واحدًا، كما تعلمين. هذا أوّلًا. ثانيًا، اللغة العربيّة، لأسبابٍ مشروعةٍ وصحيحة، حاسمةٌ (محدِّدةٌ) لهويّة الفلسطينيين، لأنها كانت وما تزال شكلًا من أشكال مقاومة ذوبانهم ودمارِ شخصيّتهم في نهاية المطاف.

لصديقي العزيز إسماعيل الناشف كتابٌ يصِفُ فيه ما حدث للغة العربيّة أثناء الاستعمار. المفارقة أنّه كتبه ونشره بالعبريّة أوّلًا (لكنّ النسخة العربيّة ستظهر قريبًا، وبعدها الإنكليزيّة). فكأنّ الناشف يعيد إلى الفلسطينيين سيطرتَهم على العِبريّة؛ فالعبريّة لغة فلسطينيّة، شأن الإنكليزيّة. العبريّة كانت دومًا لغةً يتحدّث بها الناسُ في فلسطين، مثل العربيّة ولغاتٍ أخرى، قبل أن يسيطر الصهاينةُ المستوطنون الكولونياليون عليها بزمنٍ طويل.

اليوم، الإنكليزيّة لغةٌ فلسطينيّةٌ أيضًا! أسافرُ من نيويورك إلى مكسيكو والأرجنتين متحدِّثًا عن فلسطين بالإنكليزيّة. كنّا، أنا وايلان بابه، في جلسةٍ أكاديميّة في مدينة مكسيكو، محورُها فلسطين. إذا تركنا بابِه لعِبريّته، وأنا لفارسيّتي، والجمهورَ لإسبانيّته، فلن نستطيع أن نتحدّثَ ونفهمَ بعضَنا بعضًا - تحديدًا حين نحكي جميعُنا عن فلسطين. هذا ما قصدتُه بالقول "إنّ الإنكليزية قد تحوّلتْ إلى لغة فلسطينية": لقد أزلنا الاستعمارَ عن الإنجليزيّة، وحرّرناها من إرثها الكولونياليّ. إدوارد سعيد، جوزيف مسعد، رشيد الخالدي، ناديا أبو الحاج، ليلى أبو لغد، من بين عشرات الباحثين والمفكّرين النقديين الذين كتبوا عن فلسطينِهم بالإنكليزيّة. قد يترجَمون إلى العربيّة، لكنّهم يفكّرون ويكتبون بالإنكليزيّة. من المهمّ جدًّا ألّا "نُفَتْيِشَ" (نقدِّس: fetischize) اللغةَ. اللغة ناقلٌ أو وسيط (medium). غالبيّةُ الفلسطينيين الساحقة تتكلّم بالعربّية، لكنّنا في أميركا اللاتينية نجد فلسطينيين عميقي الالتزام بفلسطين ويتكلّمون الإسبانيّة. الأمر نفسه ينطبق على فلسطينيين يتكلّمون الإنكليزيّة أو الفرنسيّة في الخارج. فما العمل في هذه الحال؟ المهمّ أنّهم يعرفون مَن هم، وأنّهم واعون لهويّتهم. اللغة تنتمي إلى الناس الذين يتكلّمونها، ولا ينتمي الناسُ إلى اللغة التي يتكلّمونها.    

إنّ فلسطين كانت، وستبقى، مركزَ هذه الرؤية الشاملة، ومركزَ المقاومة الفلسطينيّة. غير أنّ أبعادَ هذه الحركيّة الثوريّة هي أبعادٌ عالميّة؛ وكلّما زادت عالميّتُها زادت ضرورةُ أن نَحْشدَ طاقاتِنا معًا، وأن ندعمَ حركةَ المقاطعة العالميّة (BDS) بكلّ الوسائل. هذه الحركة نشأتْ من المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ، لكنّها ليست كافيةً. هي ضروريّة، لكنّها ليست كافية. علينا أن نفكّر في ما بعد نجاح هذه الحركة، وبعد أن تعودَ فلسطين إلى طبيعتها التاريخيّة المتعدّدة الثقافات، التي تمثّلها دولةٌ ديمقراطيّةٌ واحدة تعبِّر عن إرادة جماعيّة لكلّ ناسها، بمختلف معتقداتهم ومشاربهم الفكريّة. لكنّ الهدف ينبغي ألّا يكونَ الدولةُ فقط؛ فكلُّ الدول - تعريفًا - هي احتكاراتٌ للعنف. الهدف ينبغي أن يكون دومًا ما بعد الدولة، ما بعد الصهيونيّة.

*أستاذ الدراسات الإيرانيّة والأدب المقارن في جامعة كولومبيا، نيويورك. له أكثر من 20 كتابًا، في التاريخ الإيرانيّ، والسينما الإيرانيّة، والسينما الفلسطينيّة، والإسلام، والاستشراق. عُرف بتأييده الحاسم للقضية الفلسطينيّة.

الآداب