فوكوياما يتراجع ويطالب بعودة الاشتراكية

Submitted on Fri, 08/09/2019 - 18:15

د.أسامة سماق

اقتصاد السوق الاجتماعي، من السوق بقدر الممكن ومن الدولة بقدر الضرورة،  هو القانون الأساس لإقتصاد السوق الإجتماعي، بمعنى  أن العرض والطلب يسود النشاط التجاري والصناعي والخدمي،  وتتدخل الدولة بمساحة تسمح بحماية الشرائح الأضعف في  المجتمع، كيف يتم ذلك؟

من خلال أولًا: تسعير عوامل الإنتاج بسعرها الفعلي، وعوامل الإنتاج  هي: رأس المال- المادة الأولية-قوة العمل، وثانياً: تحصيل الضرائب والرسوم المختلفة بقيمها الحقيقية من  أصحاب المال والأعمال التجارية والصناعية والخدمية، وتوظيف  هذه الأموال بإنشاء مشافي ومؤسسات تعليمية؛ وفتح وصيانة  الطرقات، وتأمين شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وتمويل  شبكات الحماية الإجتماعية من ضمان التقاعد وبدل البطالة والتأمين  الصحي... إلخ.  

يعتبر عالم الاقتصاد الإنكليزي جون مينارد كينز مؤسس الإقتصاد  الكلي الكينزي، هو الأب الروحي لاقتصاد السوق الاجتماعي، وقد زاد الأهتمام بالمدرسة الليبرالية الإجتماعية لكينز بعد الأزمة  الإقتصادية العالمية في 2008 ،  إلى ذلك أول من اعتمد إقتصاد السوق الإجتماعي كانت ألمانيا  المدمرة بعد الحرب العالمية الثانية، واليوم دول الإتحاد الأوروپي  بالمجمل تتبنى في سياساتها الإقتصادية حماية الطبقات الأفقر  بخدمات مجانية أو شبكات تأمين مختلفة، وفي مقدمة هذه الدول  السويد والدول الإسكنديناڤية.  ف

في عام 2018 تراجع الإيديولوجي الأميركي المعروف يوشيهيرو  فرانسيس فوكوياما عن نظريته(المثيرة للجدل) بأن الليبرالية قد  انتصرت، وبأن البشرية بلغت سقف تطورها النهائي في الرأسمالية،  وبالتالي فالتاريخ قد انتهى، بمعنى بعد فشل تجربة الإشتراكية في دولتها الإتحاد السوڤييتي؛ فإن  النظام الإجتماعي والإقتصادي الوحيد القابل للحياة هو الرأسمالية  بالتالي إقتصاد السوق الحرة، وعرض هذا المنظر الأميركي أفكاره في  كتابه المثير "نهاية التاريخ والإنسان الأخير ".

في العام الماضي نشر فوكوياما مقال في "زا نيو ستاتيسمان في  17.10.2018" تحوي معزوفة التراجع عن نظرته السابقة، نقتبس: إذا  كانت الإشتراكية تعني برامج إعادة تصحيح الخلل الكبير في الدخل  والثروة، فنعم لست فقط أعتقد أنها يمكن أن تعود، بل بجب أن  تعود، يبدو لي أن الأشياء التي قالها ماركس يتضح أنها صحيحة، لقد تحدث  عن فائض الإنتاج وأن العمال سيصبحون أكثر فقراً، وأن الطلب  على السلع لن يكون كافياً!  انتهى الاقتباس.  

من الواضح أن الماركسية التي بدأت تعود إلى الواجهة منذ أزمة  2008 على شكل ليبرالية إجتماعية وعلى طريقة جون كينز، تبقى  النظرية الأكثر تماسكاً في تاريخ الفكر الإنساني الباحث عن العدالة  الإجتماعية، رغم سقوط التجربة الإشتراكية السوڤيتية ذات الطبيعة  الشمولية، والتي انتقدها تروتسكي في حينه عندما أعلن أن الاقتصاد  المخطط بحاجة للديمقراطية كحاجة الجسم للأوكسجين،  كما إن الإضطرابات الاجتماعية والاقتصادية التي أصبحت متزايدة  في الغرب وآخرها تظاهرات القمصان الخضراء في فرنسا، وتصويت  البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروپي، تأتي كنتيجة طبيعية للأزمات  الاقتصادية المستمرة والتي بدورها أدت إلى تراجع مستوى المعيشة،  وتقلص التغطية التي كانت تؤمنها شبكات الأمان الإجتماعي من  صحة وتقاعد وبدل بطالة ومكافحة الفقر، تلك الإمتيازات التي جاءت  في وقتها كتنازلات من أثرياء الرأسمالية على شكل تحصيل ضريبي  كاستجابة للتحدي الذي أفرزته الإشتراكية في روسيا وأوروپا طيلة  القرن العشرين تقريباً، وكإجراءات وقائية من هزات إجتماعية محتملة.

 في ذروة النشوة الرأسمالية بسقوط الإتحاد السوڤييتي، بدأت  الطبقات المالية الحاكمة في أميركا وأوروپا بالتحول إلى أوليغارشية  متوحشة، وأخذت بالتراجع عن المكاسب التي حققها العمال  والطبقات الأضعف في هذه الدول، وخاصة بعد الإحساس بالأمان  بسبب زوال التهديد الإشتراكي المجاور،  بزوال هذا التهديد لم تعد الأوليغارشية مضطرة للإستمرار في  التنازلات التي قدمها قدامى الرأسمالية في فترة الصراع بين نمطي  الحياة الرأسمالي والإشتراكي، فبرز جشعهم إلى العلن في التنافس  على الربح وعلى مصادر النفط والغاز، والثروة، وأسواق لفوائض  إنتاجهم، فأشعلوا الحروب والإضطرابات حول العالم، وخاصةً في  دول الشرق الأوسط الغني بثرواته، وعمدوا إلى إخضاع الشعوب،  وأخذ التنافس بينهم يأخذ شكل لهث الكلاب المتنازعة على قطعة  اللحم.

 من الجدير بالذكر هنا، أن مجتمعات الدول التي بقيت تنعم بالاستقرار  النسبي؛ هي ألمانيا والسويد والدانمارك والنرويج، أي الدول التي  اعتمدت حرية السوق وحافظت على الدور الإجتماعي التدخلي للدولة  لحماية الطبقات الأضعف، أو اعتمدت الإشتراكية الليبرالية على الطريقة السويدية، بالنتيجة فالإشتراكية والعدالة الإجتماعية كانت وستبقى محرك لعجلة التاريخ الإنساني، هذه العجلة التي دارت في عام 1991 وأدت لانتصار الرأسمالية وقد بدأت تدور مع العقد الثاني للقرن 21 لصالح الإشتراكية، وذلك باعتراف فوكوياما نفسه الذي ركب قطار التاريخ مرة أخرى.

عن / المشهد الكامل