ذكرى فتاة مغتَصَبَة

Submitted by alaa on أحد, 08/11/2019 - 22:58

رعد اطياف

بين الحين والآخر تراسلني بعض الصديقات، يحملنَ معهنّ قصصًا لا يمكن لمنظومتنا الثقافية استيعابها إطلاقًا. لقد نقلت لي أكثر من صديقة تاريخ المعاناة الذي ظل مطمورًا في دهاليز الذاكرة، ومحاطًا بطقوس سرانية يصعب فكّ طلاسمها خشيةً على حياتهنّ، ذلك أن جميع أفراد العشيرة سيصيبهم هذا الوباء (العار)، ولا يسلم منه حتى الأباعد. وسيحكم على هذه المسكينة إمّا بنهاية حياتها بدافع "غسل العار"، أو بالسجن المؤبّد، وبكلتا الحالتين أضحت حياتها في ذمّة المجهول، وستطوى قصتها في دهاليز النسيان، ولا "يشرّف" أحد من الذكور التفوّه بقصتها أو الترحم عليها!.

 

 إن أكثر الذكريات ترويعًا حينما تٌروى سرًا ولا تتعدى حال المناجاة، فيما لو كانت تتعلق بقصة طفلة تمّ اغتصابها سرًا، أو التحرش بها على أقل تقدير

 

 إن أكثر الذكريات ترويعًا حينما تروى سرًا ولا تتعدى حال المناجاة، فيما لو كانت تتعلق بقصة طفلة تمّ اغتصابها سرًا، أو التحرش بها على أقل تقدير. فهي مهددة من الناحيتين: في حال شكواها أو الإمساك بها تحت ضغط الاغتصاب. ويبقى الألم النفسي صديقًا وفيًا، فهو الصديق الوحيد الذي يبقى عصيًّا عن البوح إلا لأولئك الثقاة، فهم لا ينتهزون الفرصة لاغتصاب آخر.

اقرأ/ي أيضًا: من عنف العوائل إلى "شبكات الدعارة": فتيات في شباك منظّمات مجتمع مدني!

كل هذا يجري داخل منظومة مُحافِظة، تأبى الإصغاء لهذا البوح في مثل هذه القصص التي تثير الرعب وتميت القلب. وهي قصص نسمع عنها دائمًا في البلدان الغربية كونها تسلّط الضوء على هذه المشاكل وتضع لها الحلول المناسبة. لكن في ثقافتنا يغدو الكتمان هو الهوية الأبرز لهذه العقلية المحافظة التي تفضل الموت على البوح بهذا السر الخطير. ولهم الحق في ذلك، فستغدو حياتهم على المحك كما قلنا.

لا ينفرد المجتمع العراقي بهذه الحالات، فهي شائعة في باقي البلدان، إلّا أن الفارق هو وجود مؤسسات عريقة وفاعلة في المجتمع، ولم تعد حالات الاغتصاب سرًا من الأسرار هناك، فيما بقيت مثل هذه الأمور في مجتمعاتنا طقس سرّاني محاط بطلاسم معقّدة.

ستخسر الفتاة عش الزوجية، وسيعاقبها المجتمع بردود أفعال قاسية ووحشية، وستتعرض إلى كل أشكال النبذ، وفي تلك اللحظة يغدو الموت أهون عقوبة!. ومن النادر للغاية الارتباط بفتاة مغتصبة، فنحن لم نصل بعد للنظر إلى المطلقة كشخصية سوية!.. فكيف بهذه المغدورة والمغضوب عليها التي تم اغتصابها؟!. الأمر شديد التعقيد ولا يمكن لمقال أو دراسة أن تعوّض هذا الألم المبرّح.

 ليست لدي إحصائية قائمة على استبيان، وإنما عن "سلسلة رواة" أبطالها فتيات تدرّعنَ بالشجاعة المعنوية فأفضت مكنوناتهنّ بما يصعب البوح فيه لأحد. وعلى سبيل المصادفة أطلعت على قصص مروّعة كانت أبطالها نساء مختفيات تحت أسماء مستعارة أفضنَ بمكنوناتهن الموجعة.

 

من النادر للغاية الارتباط بفتاة مغتصبة، فنحن لم نصل بعد للنظر إلى المطلقة كشخصية سوية!

 

وقد أكدنَ لي قصصًا مروّعة لفتيات بعمر الزهور تعرضن للتحرش الجنسي أو الاغتصاب، وبالطبع لم يتعرّضن لهذا الفعل المشين من أناس غرباء!.. بل "تأتي الحمّى من القدمين"، كما يقال في مأثورنا الشعبي. ولنا أن نقيس حال المغتصبة حينما يكون سبب الاغتصاب أحد الأقارب.

اقرأ/ي أيضًا: الابتزاز الإلكتروني.. الجنس والأموال مقابل التستر على "الفضائح"!

وبالطبع أن إثارة مثل هذه القصص ليس للمتعة السردية والتشويق الأدبي وتحريك خيال القارئ، بل هي محاولة خجولة وحذرة للفت الانتباه لدور الأم والتقرب من بناتها وزرع الثقة فيهنّ فيما يتعلق بالمكاشفة والبوح في مثل هذه القصص، وتجنّب خشية الأم وغضبها وتسلّطها المفرط. ذلك أن الأم يمكنها أن تحول إلى صدر رحيم، أو إلى كارثة تحرق الأخضر واليابس. إن الأم في مثل هذه الحال ستكون المؤسسة الوحيدة التي تعتني بشؤون المغتصبات، وإلا سيكون الموت هو الحل الأقرب للفتاة.

لا تتوفر في منظومتنا مؤسسة اجتماعية عظيمة سوى الأم!. لا توجد مؤسسات تربوية عريقة سوى المؤسسات الدينية والجماعات العشائرية، فالمؤسسة الأولى أكثر تفهمًا من الناحية الشرعية، فهي لا تأخذ الأمور على محمل شخصي، فيما تجنح الجماعات العشائرية، في مثل هذه الأمور، للتصفيات الجسدية ربما، فالستر أرحم بكثير من البوح. وجرائم الشرف خير شاهد على ذلك.

لذا يبقى الدور الرائد والفعال هو دور الأم لتمنح أبناءها هامشًا من الحرية للمكاشفة في مثل هذه الأمور، وإلّا سيتحول المجتمع العراقي إلى جيش من الحشاشين والمتسولين والمعذّبات بصمتهن.. كم ظاهرة اغتصاب شهدها أحدنا في زمن الطفولة أو المراهقة وظلّ "وفيًّا" عن البوح بها خوفًا من سلطان التقاليد الذي لا يرحم؟ ترى ماذا سنرى لو أزحنا الغبار عن أبواب السراديب المظلمة؟!. ربما سنكتشف قصصًا لا نرويها لأحد سوى "الحيطان"!.

ألترا عراق