العربدة الإسرائيلية على الحشد ورد الفعل البائس عليها!

Submitted on Sat, 08/24/2019 - 10:17
متطوعون في الحشد الشعبي

علاء اللامي*

أصبح من المؤكد تورط دولة العدو الصهيوني في عمليات القصف التي تعرضت لها قواعد ومخازن عتاد تابعة للحشد الشعبي العراقي، والتي أسفرت عن استشهاد وإصابة عدد من المقاتلين في أربعة مواقع على الأقل. وكانت أول عملية قصف جرت قرب الحدود السورية العراقية وذهب ضحيتها عشرات المقاتلين من أحد الفصائل المحسوبة على الحشد الشعبي العراقي ومرت بصمت من قبل الحكومة وحتى من قبل قيادة الحشد.

 أما المواقع الأخرى التي أعلن عن استهدافها مؤخرا فواحد منها يقع في قاعدة الصقر بمحافظة بغداد في أول أيام عيد الأضحى الماضي، والثاني هو موقع حشدي قرب القاعدة الجوية في قضاء بلد بمحافظة صلاح الدين.

القصف الأول والذي قيل في البداية إنه انفجار لأعتدة حربية وكمية من الوقود الصلب نتيجة أسباب منها ارتفاع درجات الحرارة وتماس كهربائي (رغم أن مصدرا قريبا من لجنة التحقيق في هذا "التفجير" قال لقناة الميادين  التلفزيونية إن الموقع المذكور ليس فيه تأسيسات كهربائية أصلا)، جاء بعد يوم واحد من سقوط طائرة مسيرة أميركية من طراز(MQ-1C) في منطقة الرضوانية في ضواحي بغداد.

أما القصف الثاني على قاعدة بلد العسكرية فقد حدث في اليوم التالي، وربما بعد ساعات على تصريح لرئيس وزراء "إسرائيل" نتنياهو، لمح فيه إلى مسؤولية حكومته عن قصف قاعدة الصقر؛ فقد (نقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن نتنياهو قوله للصحافيين المرافقين له، خلال زيارته إلى أوكرانيا (ليس لإيران حصانة في أي مكان وسنتحرك ضدهم أينما تستدعي الحاجة، وأيدينا طويلة). وحين سُئل عن العراق كهدف عسكري محتمل لإسرائيل قال (لا أريد أن أحدد نفسي)!

الموقف العراقي الحكومي من هذه الأحداث وطوال الأيام الماضية، جاء مضطربا ومترددا ومتناقضا فقد كرَّت مسبحة التصريحات النافية لأية علاقة لإسرائيل بالموضوع، وشددت على أن ما حدث هو تفجيرات داخلية، وانفردت بعض القيادات الحشدية بالإشارة الى أن ما حدث يتعلق بقصف جوي مجهول. وقد استمر الصمت الحكومي، وتأخرت صدور تقرير لجنة التحقيق التي شكلها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي حول الحدث حتى صدر بيان مساء أمس الأربعاء 21 آب، يحمل توقيع نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي جمال جعفر آل إبراهيم المعروف باسمه الحركي "أبو مهدي المهندس".

بيان المهندس حسم الجدل حول طبيعة ما حدث، وقال إنه قصف جوي، ووجه أصابع الاتهام إلى "إسرائيل" بالتعاون والتنسيق مع قوات الولايات المتحدة الأميركية في العراق وقال في بيانه (إن الأميركيين قاموا هذا العام بإدخال أربع طائرات مسيرة إسرائيلية عن طريق اذربيجان لتعمل ضمن أسطول القوات الأميركية على تنفيذ طلعات جوية تستهدف مقرات عسكرية عراقية). وأكد المهندس أن لدى الحشد (معلومات أخرى وخرائط وتسجيلات عن جميع أنواع الطائرات الأميركية متى أقلعت ومتى هبطت وعدد ساعات طيرانها في العراق، وقامت مؤخرا باستطلاع مقراتنا بدل تعقبها لداعش، وجمعها المعلومات والبيانات التي تخص ألوية الهيئة ومخازن أعتدتها وأسلحتها، وقد عرضنا ذلك على الأخوة في العمليات المشتركة والدفاع الجوي).

وقبل بيان المهندس، كان عبد المهدي قد أصدر قرارا مفاجئا بحصر فيه صلاحية إصدار رُخَص التحليق في الأجواء العراقية به شخصيا، ووجهَ بالتعامل الدفاعي مع أي هدف غير مرخص له يحلق في الأجواء العراقية كهدف معادٍ. ولكن رئيس الوزراء العراقي لم يصرح بأكثر من ذلك، حتى بعد حصول القصف الثاني لقاعدة بلد ولم يشر إلى حاجة العراق الى الوسائل الدفاعية ضد الطيران المعادي وهي وسائل شبه معدومة بعد ان انيطت مهمة مراقبة الأجواء العراقية والدفاع عنها بالقوات الأميركية منذ سنوات الاحتلال الأولى.

بعد ساعات على بيان المهندس، الذي اتهم فيه صراحة دولة العدو "إسرائيل" بالتعاون والتنسيق مع القوات الأميركية في العراق، صدر بيان لرئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، عقب اجتماع طارئ له بعد المهدي، تبرأ فيه صراحة وباسم الحشد من بيان المهندس، وقال إن هذا البيان (لا يمثل الموقف الرسمي للحشد الشعبي). ورغم تبرأ الفياض من بيان نائبه المهندس، ولكنه أكد أن (التحقيقات الأولية التي قامت بها اللجان المشكلة بأمر القائد العام للقوات المسلحة حول الانفجارات الأخيرة في مخازن العتاد التابعة للحشد الشعبي تمت بعمل خارجي مدبر)! هذا يعني أن الفياض المحسوب على جناح أصدقاء أميركا وانشق على حليفه السابق حيدر العبادي ثم التحق بتحالف البناء بقيادة العامري والمالكي، أكد بموقفه هذا أنه باقٍ في مواقعه ذاتها، وأنه لم يختلف مع المهندس حول حقيقة ما حدث، أي في كونه "تم بعمل خارجي مدبر" كما قال، ولكنه ربما يختلف معه في توجيه الاتهام لإسرائيل وأميركا، لتفادي الغضب الأميركي، وهذا يتطلب من الفياض أن يبحث عن طرف خارجي آخر قام بهذا العمل المدبر ومن المستبعد أن يجده!

إنَّ أول استنتاج يمكن للمتابع أن يصل إليه هو أن أميركا قد قررت حسم ملف الحشد الشعبي بطريقتها الخاصة والتخلص من هذا العائق الذي يربك إدارتها للملف العراقي الداخلي ككل وبما يجعل تبعية العراق لها ترتقي الى درجة الاحتلال والإدارة المباشرة وانهاء حالة ما سمي بـ "التوافق الأميركي الإيران" حوله. أما إسرائيل وبعد أن لمست ضعف بل وبؤس رد الفعل العراقي، والحشدي تحديدا، على عربدتها واعتداءاتها الدموي خلال الأشهر الماضية فيبدو واضحا أنها قررت التمادي في ذلك لتكون لاعبا في الميدان العراقي والاستمرار بتوجيه ضربات مباشرة، حتى لو كانت قليلة المردود عسكريا، إلى من تعتبرهم حلفاء إيران في العراق ستسجل في الحساب الانتخابي لنتنياهو المأزوم.

الاستنتاج الثاني والمهم في ما يتعلق بالحشد الشعبي هو أن هذه المؤسسة التي بدأت كهبة شعبية تطوعية، ورغم إلحاقها مؤخرا بالمؤسسة العسكرية الحكومية وتغيير بنيتها التنظيمية والمراتبية العسكرية ما تزال هدفا أميركيا من الدرجة الأولى بعد مساهمته الفعالة والرئيسة في الانتصار على التمرد التكفيري الداعشي. غير أن واقع الحال يقول إن الحشد الشعبي قد نفَّذَ على أفضل وجه المهمة التي نشأ من أجلها، وأن حلَّهُ أو تبديده في المؤسسة العسكرية الرسمية لا يعني الكثير على أرض الواقع فهو كمبادرة شعبية قاعدية أفرزها الواقع العراقي قابلة للولادة من جديد وبزخم وقوة أشد في أي ظرف استثنائي جديد ينشأ في العراق. وعلى هذا، فإن الحشد الشعبي يمكن اعتباره ظاهرة شعبية قامت بمهمتها وانتصرت وانتهت بانتهاء هذه المهمة عمليا ولن يستفيد المحتل الأميركي وحليفه الإسرائيلي كثيرا من ضربه وحله نهائيا لأنه ليس موجودا في المعسكرات الحكومية المعرضة للقصف بل في النسيج الاجتماعي والإرادة الشعبية العراقية المضمرة ويمكن لهذه الظاهرة أن تتجدد وبسرعة في أي ظرف مشابه للظرف الذي أوجدها!

أما مؤسسة الحشد الشعبي حاليا فهي ليست إلا هيكلا من المراتب والأجهزة وقد تحول فعلا إلى ورقة سياسية بيد الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية والدينية المتصارعة والمتنافسة التي تحاول الاستفادة منه في صراعاتها البينية بعد مرحلة حرب القضاء على داعش، وهذا أمر لم يعد سراً، وقد أشارت إليه المرجعية الشيعية العليا في كلمة المرجع السيستاني التي وجهها بمناسبة ما سمي صدور فتوى الجهاد الكفائي!

غير أنَّ الأمر الذي يكتسب أهمية قصوى، ويحمل دلالة مباشرة، هو سكوت القوى والأحزاب الإسلامية الشيعية التي لهجت طويلا بخطاب امتداحي للحشد الشعبي حتى بلغ الأمر ببعضها حدَّ تقديسه فصارت تسميه في أدبياتها "الحشد الشعبي المقدس" على هذا الاستهداف الصهيوأميركي العسكري والمباشر والأكيد.

حتى الآن لم يصدر رد فعل من هذه الجهات يكافئ خطورة العربدة الإسرائيلية والتواطؤ الأميركي معها. فتحالف الصدر "سائرون" ومكوناته، وتحالف البناء –باستثناء حركة العصائب التي انفردت بالدعوة لتقديم شكوى لمجلس الأمن وعقد جلسة طارئة للبرلمان العراقي - وغالبية القوى السياسية الإسلامية الشيعية خارج هذين التحالفين تلتزم الصمت التام، ولم تعلق على الحدث؛ ومثلها تلتزم الصمت القوى السياسية الكردية وتلك التي تمثل العرب السنة!  وإذا كان من السهل تفسير الصمت الكردي والعربي السني بأسباب الحفاظ على الوجود العسكري الأميركي الضمان لاستمرار تمتعها بامتيازات ما بعد الاحتلال سنة 2003 والحد من نفوذ خصومها ومن يساندهم، أي إيران، فإن من الصعب تفسير صمت الأحزاب ولقوى الشيعية وخصوصا تلك القريبة من إيران كمكونات تحالف البناء بزعامة العامري والمالكي. أما سكوت تحالف "سائرون" بزعامة الصدر والذي بات يضم بعض القوى اللبرالية الهشة والمحدودة التأثير في الشارع العراقي فهو لا يعني في النهاية سوى تحبيذه لخيار زوال أو تهميش الحشد الشعبي الذي ليس له فيه "حصة" من قياداته ومراتبه.

إن هذا الواقع السياسي العراقي المعقد وشديد التحلل والتداخل هو الذي يفسر لنا بؤس ردود الفعل العراقي الرسمي على تفاقم العربدة والعدوان الإسرائيلي الأميركي، وتشبثها بمقولة " رفض سياسة المحاور والحرب بالوكالة" قافزين على حالة الحرب والاعتداءات التي تشن على العراق، وهذا ما يفتح الباب واسعا على احتمالات أشد خطورة مما حدث حتى الآن.

أما ردود الأفعال الشعبية وغير الرسمية على هذه الأحداث فلم تتبلور بعد وتتخذ شكلا ملموسا يمكن رصده وتحليله وهي ردود أفعال مختلفة وشديدة التنوع وتتراوح بين مرحب بأي ضربة توجه للحشد وللنظام طالما كانت تنال من إيران وتحد من نفوذها وأصحاب وجهة النظر هذه يمثلون طيفا واسعا يبدأ من تحالف "سائرون" وصولا إلى عملاء إسرائيل الصرحاء المقيمين في إقليم كردستان شمالي العراق كالنائب السابق مثال الآلوسي، ولا ينتهي بقوى تقليدية خسرت مواقعها في النظام كآل النجيفي وغيرهم. أما الرافضين لهذا العدوان من منطلقات وطنية واستقلالية والداعين إلى الرد عليه بقوة تكافئ خطورته من خلال الأخذ بخيار إلغاء "معاهدة الإطار الاستراتيجي" مع واشنطن عن طريق جلسة طارئة لمجلس النواب وطرد قواتها العسكرية من العراق والتصدي للعدوان الإسرائيلي، وهؤلاء لا يمثلون قوة وازنة لها كيانها في المشهد السياسي العراقي حاليا، أما ما قد يصبحون عليه مستقبلا فأمر تحدده تطورات الواقع العراقي على الأرض.

فهل سيفلح الأميركيون وحلفاؤهم المحليون في أحزاب الطوائف والقوميات في لملمة الموضوع والعودة الى لعبة عضِّ الأصابع التقليدية واقتسام غنائم الفساد ليستمر الوضع المتفسخ ذاته في دولة المكونات التابعة للأجنبي، أم أنه سيدخل منعطفا جديدا يؤدي الى تغيرات جوهرية في الوضع العراقي؟ سؤال ليس من السهل الإجابة عليه في ضوء المعادلات السائدة.

*كاتب عراقي