كتاب لمحمد دلبح: سيرة مغايرة لحركة «فتح»: مسار قتل الثورة الفلسطينيّة

Submitted on Sat, 08/31/2019 - 09:32
غلاف كتاب ستون عاما من الخداع

أسعد أبو خليل:

يُكابر من ينفي حجم الكارثة الفلسطينيّة في القرن الواحد والعشرين. ليس هناك مِن مسار تصاعدي في حياة الثورة الفلسطينيّة. على العكس، فقد نجح فريق أوسلو المتنفّذ في تدجين وإلهاء وقمع وتكبيل الشعب الفلسطيني لمنعه من الثورة ضد الاحتلال، وضد الأنظمة التي تقمع الشعب الفلسطيني (كما يجري في لبنان حاليّاً). لم يمرّ في تاريخ القضيّة الفلسطينيّة منذ الثلاثينيّات حقبة انعدم فيه عمل — جدّي أو طفولي — لتحرير فلسطين ومجابهة الصهيونيّة كما الحال اليوم. ليس هناك اليوم من منظمّة تسعى، كما سعت منظّمات في الماضي، لتحرير فلسطين، أو حتى بالحدّ الأدنى لإقلاق راحة إسرائيل. حركة «فتح» حوّلتها أوسلو، أو هي حوّلت نفسها من خلال أوسلو، إلى أداة طيّعة بيد الاحتلال، وهي قبلت تسلّم السلطة من إسرائيل بعد اغتيال قائدها، الذي لم تسعَ إلى التحقيق في قتله، لأن البعض في سلطة أوسلو متورّطٌ حتماً في الاغتيال وفي لفلفة القضيّة. ومأساة الشهيد باسل الأعرج وحديثه عن «المثقّف المُشتبك» هو نتيجة يأسه من إمكانيّة قيام عمل تنظيمي جماعي ضد الاحتلال (وكان ذلك واضحاً لكلّ من تواصلَ معه). 

المعضلة الرئيسة في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة أن هناك حاجةً لردم مرحلة ماضية من العمل السياسي الفلسطيني والقطع معها بالكامل، وإنشاء عمل تنظيمي سياسي - عسكري جديد ضد الاحتلال الإسرائيلي. المعضلة تكمن في أنه لا يمكن التقدّم نحو الثانية من دون المرور بالأولى، لكن عمليّة ردم المرحلة الماضية تتطلّب مواجهة جريئة مع الماضي ومكاشفة صريحة عن الدور التدميري الذي لعبه ياسر عرفات في القضاء على الثورة الفلسطينيّة، وفي توليد مرحلة محمود عبّاس. هذه المكاشفة غائبة وهناك حالة عبادة لشخصيّة ياسر عرفات وتعظيم لها. كيف يمكن تصوير ياسر عرفات على أنه شبيه بقيادات حركات التحرّر الوطني وهو قاد شعبه من رهانات سياسيّة خاسرة إلى رهانات سياسيّة خاسرة، ومن عمل عسكري فاشل إلى آخر؟ كيف يمكن تعظيم من سلّمَ مفاتيح منظمّة التحرير وسمح لإدارة بيل كلينتون بتعديل مواد ميثاق منظمّة التحرير الفلسطيني؟ هنا تصل المناقشات إلى طريق مسدود لأن هناك من يعارض عبّاس لكن لا يعارض المرحلة التي أتت به. الكتاب الجديد (صدر للتوّ عن دار الفارابي تحت عنوان: «ستون عاماً من الخداع: حركة «فتح» من مشروع الزعيم إلى مشروع التصفية») للصحافي الفلسطيني، محمد دلبح، يقوم بهذا الدور المهم. 
دلبح، صحافي فلسطيني عمل في الصحافة العربيّة ويعرف السياسة في العاصمة الأميركيّة (حيث يقيم) خير معرفة. وفي هذا الكتاب، يسدي دلبح خدمة وطنيّة لشعبه، وللعرب جميعاً، في دراسة التاريخ الطويل لصعود وسقوط تجربة حركة «فتح»، وشخصيّة عرفات بكل ملابساتها. وشخصيّة عرفات، الذي فشل في تحقيق كل الشعارات التي انطلق في العمل الوطني على أساسها، باتت أسطورة من المحرّمات المساس بها. لكن دلبح، أهمل كل المحاظير السياسيّة الفلسطينيّة في تناول شخصيّة ودور عرفات من دون تزييف أو خداع. ولم تخضع الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، في مرحلتها العرفاتيّة، إلى مسائلة أو دراسة مستفيضة عميقة وشاملة من قبل. كتبَ يزيد صايغ دراسة قيّمة لتجربة الكفاح الفلسطيني المسلّح (في كتاب «الكفاح المسلّح والبحث عن الدولة»)، لكن دراسته انطلقت من تأييد المشروع السياسي لحركة «فتح»، ومن دون الربط بين فشل تجربة «فتح» في الكفاح المسلّح وبين الأفق السياسي الذي طغى على مسار منظمّة التحرير. 
دلبح لا يساوم أو يهادن في منطلقاته: هو يعرّي تجربة السعي وراء سراب السلام على مدى عقود طويلة، ويفضح نمط الخداع الذي وسم تجربة حركة «فتح»، وقيادة عرفات تحديداً. ليس هناك ما يُبهر دلبح في تجربة، «فتح»، وهو مُحقّ في ذلك. لكنه منصف في سرديّته إذ أنه لا يبرّئ المنظمّات الفلسطينيّة الأخرى من الغرق في وحل أوهام حلّ الدولتيْن ومن الاستفادة من مال عرفات مقابل الصمت عن تجاوزاته وفساد قيادته ومساوماته الكثيرة. ويعود دلبح إلى البدايات ليكتشف أن حركة «فتح» بادرت إلى الكذب والتضليل منذ نشوئها. ويقارن دلبح بين مختلف السير لقادة «فتح» ليجد أنه ليس هناك من اتفاق بين قادة «فتح» ومؤسّسيها على موعد تاريخ إنشاء الحركة. عرفات يريد الإنشاء مبكرّاً للتدليل على دوره، فيما يريد أبو أياد أن يؤخّر ولادة الحركة بضع سنوات كي يضع نفسه بين المؤسّسين، وعرفات يغيّر في رواية التأسيس لـ«أبو جهاد»، كي يعود عرفات إلى موقع الصدارة (لم تذكر وثيقة «البدايات» الأصليّة لـ«أبو جهاد» اسم ياسر عرفات، فقام الأخير بمنعها، ص. ٦٨).
والمؤلّف محقّ في التشديد على عامليْن في نشوء «فتح»: العلاقة القويّة بين المؤسّسين وبين حركة «الإخوان المسلمين»، وهذا العامل بالغ الأهميّة لأن «الإخوان» كانوا في ذلك الحين (ولا يزالون إلى حد بعيد) عنصراً فاعلاً في معسكر الرجعيّة العربيّة، والعامل الثاني يرتبط بعلاقة الحركة بالبورجوازيّة الفلسطينيّة وبأنظمة الخليج. و«الإخوان» عملوا في معسكر الرجعيّة الخليجيّة ضد النظام الناصري الذي مثّل المعسكر التقدمي المشغول بالتحدّي الإسرائيلي على مدى سنوات. وفي هذا الدور لـ«الإخوان» (عندما كانت على وئام مع المعسكر الغربي في الحرب الباردة)، تبلورت عقيدة «فتح». ويستعير دلبح من الاقتصاد السياسي ليربط بين دور حركة «فتح» وبين البورجوازيّة الفلسطينيّة. وهذا الجانب نادراً ما يحظى بالتحليل في تقييم فشل الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة. لقد راهنت البورجوازيّة الفلسطينيّة مبكراً على «حلّ الدولتيْن» كما أنها استثمرت في القيادة العرفاتيْة وكانت اللوبي المُساوِم في تاريخ الحركة. وهناك روايات كثيرة عن الصعود الصاروخي المريب لياسر عرفات في حركة «فتح»، وكيف أن مصادر تمويله الخاصّة منعت زملاءه، الذين أرادوا تحجيم دوره في الحركة في أواخر الستينيّات، من إحداث تغيير في القيادة. والبورجوازية الفلسطينيّة التي ازدهرت في الشتات في أعمال في الخليج ارتبطت أيضاً بمصالح دول الخليج (ص. ٢٦) وكان لها جناحها القوي في داخل حركة «فتح» (وتمثّل في خالد الحسن وهاني الحسن، كما تمثّل في قيادة عرفات نفسه). والبورجوازيّة الفلسطينيّة كانت على تواصل مع الإدارات الأميركيّة وكانت صلة الربط عبر المؤرّخ الفلسطيني، وليد الخالدي، الذي كان أوّل من فصّل تصوّر الدويلة الفلسطينيّة في مجلّة «فورين أفيرز» في تموّز عام ١٩٧٨. وباسل عقل وحسيب الصبّاغ وسعيد الخوري كانوا قريبين جداً من وليد الخالدي، ودفعوا باتجاه التواصل بين «فتح» وبين كميل شمعون وبيار الجميّل بعد إعلان «عزل الكتائب» على أثر مجزرة عين الرمّانة في ١٩٧٥. وهذا الدور للبورجوازيّة الفلسطينيّة غُيِّب في سير «فتح» لأن شعار الحركة (الباطل) عن «القرار الفلسطيني المستقل» لم يكن إلا ستاراً لربط القضيّة الفلسطينيّة بأنظمة الخليج وبالمحاولات المتكرّرة لإرضاء العاصمة الأميركيّة. (ربما بالغ المؤلّف في الحديث عن دور إميل بستاني ويوسف بيدس في تمويل حركة «فتح» إذ أن الاثنيْن لم يكونا معروفيْن في نصرة الكفاح المسلّح). وتحليل دلبح الطبقي كان صائباً: البورجوازيّة كانت تصنع القرار وتموّل دكاكين المنظمّة، فيما كان فقراء المخيّمات يقاتلون ويموتون. وكان سقف الفريق الأوّل هو التسوية وسقف الفريق الثاني تحرير فلسطين.
أما الخلفيّة الإخوانيّة لمؤسّسي حركة «فتح» فيكشف الكتاب عن جوانب غير معروفة عنها. عادة، يُشار في بحث خلفيّة مؤسّسي الحركة على أن «فتح» استقلّت عن «الإخوان» بمجرّد إعلانها، فيما يقول دلبح إن القطع بين «فتح» و«الإخوان» لم يحدث إلّا في عام ١٩٦٣ (ص. ٥٣). وهذا يعني أن علاقة أنظمة الخليج (الراعية لـ«الإخوان» في ذلك الحين) بالحركة كانت مبكرة. ويفصّل الكاتب في أدوار لمجهولين في تأسيس «فتح» (مثل عادل عبد الكريم، ص. ٥٨) لكن نجاح عرفات في السيطرة على الحركة في فترة قصيرة وبأساليب بعضها معروف (مثل عامل المال) وبعضها غير معروف (ماذا كان دور الأنظمة الخليجيّة في دفع عرفات إلى الواجهة؟) يعطي فكرة عن قدرات سياسيّة بارعة لعرفات، وإن صعبَ على دلبح الاعتراف له بها. لقد استطاع عرفات عبر المال وعبر السياسة وعبر المهارة في التكتيك والخداع والكذب الحفاظ على موقعه في وسط خليط متنافر من منظّمات الثورة الفلسطينيّة. يكفي تذكّر ما يرويه المؤلّف عن قرار اللجنة المركزيّة لحركة «فتح» في عام ١٩٦٦ والقاضي بسحب الثقة من عرفات وإحالته على التحقيق الفوري بتهم شتّى (ص. ١١٧). لكن عرفات كعادته تحايل على خصومه، وعطّل فرع الحركة في الكويت وحافظ على موقعه.
والذي يراجع مسيرة الكفاح المسلّح لحركة «فتح» يدرك كم كان عملها العسكري عفويّاً واعتباطيّاً ومزاجيّاً وغير مرتبط بخطة عسكريّة استراتيجيّة (خلافاً لمقاومة اليوم في لبنان وغزة). لا بل إن خطة عرفات في الكفاح المسلّح (ص. ١٠١) كانت مثل أوّل يوميْن من حرب أكتوبر ١٩٧٣ لأنور السادات: عمل عسكري يهدف لا لتحرير الأرض وإنما للفت نظر واشنطن للتوسّط مع إسرائيل. وتقارن ذلك مع العمل الجدّي والمثابر الذي بنته مقاومة «حزب الله» في لبنان، أو حتى مقاومة «حماس» في غزة — وإن بدرجة أقل لأسباب كثيرة — فإنك تدرك أن سقوط الثورة الفلسطينيّة لم يكن فقط بسبب عوامل موضوعيّة. وعمل عرفات من خلال العمل الدعائي الذي نشط فيه (والذي من خلاله بزَّ جميع أقرانه) اعتمد على الإفراط والمبالغة الفظيعة في سرد أعمال المقاومة، وهذا أدّى عبر السنوات إلى فقدان المصداقيّة لكل قوى الثورة الفلسطينيّة: عرفات كان أسوأ من أحمد سعيد، لأن الثاني كان مذيعاً فيما كان الأوّل مسؤولاً عن بيانات الأكاذيب والأباطيل والسير الملحميّة المتخيّلة. وقد اقترن عمل «فتح» العسكري بشخص «أبو جهاد»، مثلاً، لكن ما هو العمل العسكري الكبير الذي خطّط له أبو جهاد ونجح؟ ما هي العمليّة التي ارتبط اسمه بها؟ كان إطلاق العمليّات العسكريّة (خلافاً لحالة المقاومة في لبنان الآن) انفعاليّاً ومرتبطاً إما بمزاج الجماهير أو بأعياد التنظيمات الفلسطينيّة حيث يكون العدوّ متأهباً لإفشالها. لا يعني هذا التقليل من التضحيات الجسام لآلاف مؤلّفة من المناضلين الفلسطينيّين والشهداء. لكن عرفات لم يسخّر كل هذه المصادر الجبّارة التي توفّرت لديه خصوصاً في الساحة اللبنانيّة، والتي سهّلت إدارته الفاسدة لها في اختراقها من قبل جهات عدوّة. كانت لدى عرفات جيوش وفرق مؤهلة لحروب عصابات لكنّه أهملها ولم يربط وجودها في لبنان بخطة عسكريّة معيّنة. ومسؤوليّة عرفات في إهمال حماية الثورة هي التي عبّدت الطريق أمام الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام ١٩٨٢. لم يكن هناك لا أنفاق حماية ولا خنادق خرسانيّة تقي من غارات الجوّ (وحدها «الجبهة الشعبيّة القيادة العامّة» كانت تتحصّن في لبنان، وكانت تصطدم دوماً بقيادة عرفات حول طبيعة العمل في جنوب لبنان).
المرحلة القاتلة
وتجربة الأردن كانت تجربة فاشلة للثورة الفلسطينيّة فهي حاولت أن تهادن النظام ولم تنجح في إجهاض محاولات النظام لاختراق صفوف المقاومة وإفساد سمعتها بنظر الناس (وهذا عاد وتكرّر على نطاق أوسع بكثير في الساحة اللبنانيّة). ودلبح على حق أنه لم تجر محاسبة جديّة في أي من التنظيمات لمرحلة الأردن، وحتى أبو أياد (الذي ظهر في وسائل الإعلام الأردني داعياً المقاتلين للاستسلام، فيما كان القتال مستمرّاً) لم يتعرّض لعقوبة مسلكيّة لا بل إن صعوده التنظيمي تسارع بعد الخروج من عمّان. لكن المرحلة المفصليّة القاتلة في سيرة «فتح»، وسيرة الثورة الفلسطينيّة ككلّ، كانت في لبنان (مع أن الكاتب أهمل تلك المرحلة). ودور المال كان أساسيّاً. تدفّق المال النفطي على منظمّة التحرير وكان عرفات يستخدمه من أجل الحفاظ على عرشه، ومن أجل السيطرة على باقي التنظيمات الفلسطينيّة. كان له في كل تنظيم فلسطيني (وحتى في داخل «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين») رجاله وقادته الذين كان يشتريهم بالمال. لكن ليس هذا فقط، فهو كان يوزّع المال المتدفّق على باقي التنظيمات الفلسطينيّة من أجل إسكات صوتها والسماح لعرفات بتمرير مواقفه التسووية. ولهذا، فإن منظمّات ما كان يُعرف بجبهة الرفض وقعت هي أيضاً تحت سيطرة عرفات (كما أن عبّاس يوزّع اليوم فتاتاً من ميزانيّة السلطة الفاسدة على كل التنظيمات، وهذا يفسّر كيف أن قادة «الجبهة الشعبيّة» في الضفة يشيرون إلى عباس بصفة «الرئيس»، بالرغم من معارضتهم الاسميّة لأوسلو). والمال هو الذي ولّد بيروقراطيّة فلسطينيّة هائلة (وبعضها كان لغايات ضروريّة مثل الإنفاق على عوائل الشهداء والإعلام والأسرى والهلال الأحمر، لكن حتى في هذه الأقسام والإدارات ذات الطابع الإنساني ساد فساد فظيع)، وهذه البيروقراطيّة كانت تحتاج إلى دفق مستمرّ من المال وإلا انهارت، وانهارت معها قيادات المنظمّة. نقطة الضعف هذه هي التي قتلت بيروقراطيّة «الثورة» — حتى عندما لم تكن «الثورة» إلا اسماً لكسب الشرعيّة السياسيّة. وعندما اختار عرفات الوقوف إلى جانب نظام صدّام، وجدت أميركا وإسرائيل الفرصة سانحة كي تقطع التمويل الخليجي عنه. وحدث ذلك بعد مرحلة لبنان الذي كان عرفات مسؤولاً عن سوء إدارتها: هو كافأ الفاسدين بسبب ولائهم، وأفسد المناضلين للسيطرة عليهم، وعمل على تعطيل كل الخطط العسكريّة (من فك الحصار عن تل الزعتر إلى منع خرق خطوط التماس، إلى تمويل دكاكين طائفيّة لبنانيّة على أنواعها، وصولاً إلى منع توحيد الجهود العسكريّة الفلسطينيّة في الجنوب باتجاه محاربة إسرائيل). والحركات الطائفيّة الإسلاميّة (من «أمل» إلى «الجماعات الإسلاميّة» بدأت بتمويل عرفاتي) وقيادات الحركة الوطنيّة (خصوصاً محسن إبراهيم وجورج حاوي وإنعام رعد) كانت مرتهنة بالكامل لقيادة عرفات (بالرغم من تحالف عرفات مع حاوي، فإن «فتح» وحلفاءها من حركة «التوحيد» كانوا مسؤولين عن أكبر مجزرة ضد الشيوعيّين في تاريخ لبنان: في صيف ١٩٨٣، عندما كان الحزب الشيوعي يقاتل في صف قوات النظام السوري، وسقط في المجزرة نحو ٥٠ شيوعيّاً).
فقد عرفات تمويله بالتدريج: بعد ١٩٩٠، ثم بعد القضاء على القدرات الماليّة للنظام العراقي، وابتعاد النظام الليبي عن القضيّة الفلسطينيّة بعد استغلالها لصالح الطاغية على مدى عقود. ثم أتت المعركة الأميركيّة «ضد الإرهاب» والتي انخرطت فيها كل الدول العربيّة، مما وفّرَ لإسرائيل الفرصة لوقف تمويل تنظيمات المقاومة بحجّة محاربة «الإرهاب» - التي وافقت الأنظمة العربيّة على محاربته بتعريف اللوبي الإسرائيلي في واشنطن. وبعد ١١ أيلول، عملت وزارة الخزانة الأميركيّة إلى تهديد البورجوازيّة الفلسطينيّة إذا هي استمرّت في تمويل عرفات. والبورجوازيّة، حتى لو كانت «وطنيّة» حسب الأدبيّات الماركسيّة، فإن مالَها يعلو على الوطن بأشواط. ودلبح على حق في أن «أزمة المال كانت الأكثر أهميّة» في اتخاذ عرفات القرار بالفرار نحو أوسلو. أي أن الثورة لو بقيت فقيرة كان يمكن لها أن تستمر كمقاومة ومن دون أن تخضع لضغوطات الأنظمة — وهذا يسري على كل التنظيمات الفلسطينيّة من دون استثناء.
نواقص الكتاب
لكن هناك نواقص في الكتاب. الاعتراض الأوّل أن هذه الدراسة المستفيضة عن تجربة حركة «فتح» تستثني المرحلة اللبنانيّة، والتي كانت مقبرة الثورة الفلسطينيّة. (المؤّلف يقول إن حجم الكتاب— أكثر من ٥٢٠ صفحة — منعه من تناول المرحلة اللبنانيّة). كما أن الكتاب يحتاج إلى تحرير، حيث يتناول الكاتب مرحلة الستينيّات ثم يعود إليها في مرحلة لاحقة في الكتاب ثم يقفز إلى المستقبل، وهلم جرا. وهناك حواشي لمراجع فارغة. هل أنصفَ الكاتب ياسر عرفات؟ لا شك أن سيرة نقديّة لعرفات ولـ«فتح» هي أكثر من ضروريّة خصوصاً لما تمرّ به القضيّة الفلسطينيّة هذه الأيّام، ودور عرفات كان مركزيّاً في دفع القضيّة إلى الهاوية. لكن الاعتماد على مراجع غربيّة وحتى إسرائيليّة (كتاب الإسرائيلي داني روبنستاين مثلاً) لم يكن موفّقاً خصوصاً وأن مراجع روبنستيْن لم تكن أوليّة. وفي تناول الاغتيالات التي طالت قادة المقاومة وناجي العلي، يتطرّف الكاتب في التلميح إلى مسؤوليّة عرفات مع أن الواجب (المنطقي والوطني) يكمن في اتهام إسرائيل حتى يثبت العكس. والقول إن قادة المنظمة من منافسي عرفات تعرّضوا للاغتيال لا يعني أن عرفات كان مسؤولاً، وهو — للإنصاف — لم يُعرَف عنه اغتيال خصومه على طريقة الأنظمة البعثيّة. والمؤلّف، مثلاً، يتهم أبو هاجم (المعروف بفساده وعدم كفاءته) باغتيال أبو الوليد، فيما كانت إسرائيل المتهم الأوّل في الاغتيال نظراً إلى دور أبو الوليد الفعّال. والكاتب يعوّل أحياناً على ما ليس موثوقاً (مثل قصّة الأصول البهائيّة لمحمود عبّاس، أو ربط البهائيّة ككل بالصهيونيّة). وهو يعتمد أحياناً على مراجع ثانويّة (أطروحة في جامعة) لنقل معلومة خاطئة (لم يكتب فيليب حبيب مذكّراته، خلافاً لما ورد، ص. ٢٧٦).
لا يمكن تحميل عرفات وحده مسؤوليّة قتل الثورة الفلسطينيّة. الثورة قُتلت على يدها قبل أن تصل جحافل الغزو الإسرائيلي إلى لبنان في عام ١٩٨٢. والمسؤوليّة عن عدم التحضير لاجتياح ١٩٨٢ (بعد أربع سنوات فقط من افتضاح أمر عدم التحضير أمام اجتياح عام ١٩٧٨) هي مسؤوليّة جماعيّة، وهي أعطت العدوّ المتربّص لفرصة لتوجيه الضربة القاضية. لم يعد هناك ثورة فلسطينيّة بعد ١٩٨٢ عندما تشتتت قوى الثورة بعيداً عن أرض فلسطين. ولو أن الثورة لم تخسر القاعدة الشعبيّة التي كانت ملكها في الستينيّات وأوائل السبعينيّات كان يمكن الصمود ورفض الانسحاب من بيروت (يمكن مقارنة ذلك بصمود أهل الجنوب في ٢٠٠٦ مع أن الثورة الفلسطينيّة كان تعاني من تعييرات شوفينيّة لبنانيّة بأنها دخيلة على لبنان). وفشل المقاومة الفلسطينيّة في لبنان كان فشلاً مشتركاً لقوى الثورة: هي كلّها لم تدرك المخاطر التي أحالت بالثورة قبل ١٩٨٢، كما أن فصائل جبهة الرفض (بسبب ارتباطها المالي بالنظام العراقي ثم الليبي) كانت عرضة لتغييرات السياسة الخارجيّة للدولتيْن، وهي حلّت جبهة الرفض في عام ١٩٧٧ لأن النظاميْن البعثيّيْن تصالحا. ودلبح لا يوفّر التنظيمات في أحكامه القاطعة — عن حق— ضد نهج التسوية: فـ «الجبهة الشعبيّة» عقدت تسوية مع عرفات في عام ١٩٨٧ بعد أن كان قد خالف كل شعارات وأهداف «الجبهة» (ص. ٢٨٩).
قد يكون أخطر ما تركه عرفات وراءه هو، حسب وصف دلبح: «إصابة الصورة التقليديّة للخيانة بالخلل والاهتزاز، إذ أصبحت الخيانة تتستّر وراء مصطلح تبادل المعلومات والتدابير المشتركة لمكافحة ما يُسمّى بـ«الإرهاب»» (ص.٤٥٨). لكن كيف نعود إلى المفاهيم السابقة للوطنيّة والتفاني والنضال من دون أن نفكّك أسطورة عرفات لبنةً، لبنةً؟ هنا المعضلة.
* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» asadabukhalil@)

الأخبار