الماركسية على محك العولمة

Submitted on Thu, 09/05/2019 - 00:27

معين حداد

أدّى انتشار مفردة «العولمة» في مختلف الخطب والسرديات، والتخلّي عن مفردات «الامبريالية» و«الاستعمار الجديد» و«الاستعمار »، خلال العقود الأخيرة، وفي مختلف الأوساط بما فيها الاشتراكية منها، إلى تساؤلات حول ما إذا كان ذلك إيذان بإعلان العجز عن ممارسة الصراع الطبقي والذهاب به إلى الثورة الاشتراكية على ما أوصت به الماركسية منذ نشأتها، لا سيما أن مفردة العولمة، واكبتها مفردات أخرى مثل «المجتمع المدني» و«الجماعات غير الحكومية»... وغيرها من المفاهيم المشوشة للرؤية الطبقية الاجتماعية على الرغم من الاستفحال المتزايد للتفاوت الاقتصادي الاجتماعي أينما كان.

العولمة في الماركسية
تثير العولمة مفارقة غريبة تتمثل في أن مصطلح العولمة صيغ حديثاً لكنه يعبّر عن ظاهرة تاريخية سابقة على صياغته. وهي وإن كانت تتخذ أشكالاً متعددة، اقتصادية، سياسية، وثقافية، إلا أن الشكل الذي اتخذته في تمظهرها الراهن يرتبط، بوسائل الاتصال الإلكترونية التي راحت تغطي الكرة الأرضية تدريجياً منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين. ففي عام ١٩٦٢، صاغ الباحث الكندي مارشال ماكلوهان مفهوم «القرية الكونية» ليقول إن العالم يتحول إلى ما يشبه القرية، بفضل التقدم المتسارع في تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصالات بناءً على ما تؤديه من تقليص للمكان واختزال للزمان، بحيث يغدو الجميع على معرفة بما يدور عند الجميع، كما هو الحال في القرية الصغيرة. وانطلاقاً مما أوحت به فكرة القرية الكونية، ظهر مصطلح العولمة وما لبثت أن تتالت التعريفات والدراسات الخاصة بمختلف جوانبها، وعلى نحو واسع.
على أننا إذا تجاوزنا مفهوم العولمة من حيث هي ظاهرة سياسية اقتصادية ومعلوماتية، وتناولنا منها الآليات التي وصلت بها إلى ما هي عليه، نجدها تبدو وكأنها، تعبّر راهناً بشكل أساسي عن عولمة النظام الرأسمالي، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، مع العلم أن الأنشطة الاقتصادية والمالية التي تشكّل الطاقة المحرّكة لآليات العولمة قد بدأت فعلها منذ زمن بعيد حتى أننا يمكن أن نجد بوادرها عام ١٤٩٢ عند بدء اجتياح اقتصاد السوق الحرة للقارة الأميركية وإلحاقها بالاقتصاد الأوروبي المتّجه، منذ ذلك التاريخ وحتى ما قبله نحو ما يمكن أن نصفه بالعولمة. ثم إن ماركس وانغلز كانا منذ «بيان الحزب الشيوعي» الشهير والصادر في عام ١٨٤٨، قد أوضحا على أفضل وجه آليات العولمة التي كانت تديرها البورجوازية الصناعية الجديدة في حينه. وهي آليات ما زالت مستمرة إنما بإدارات أخرى كان من أهمها مؤخراً المعلوماتية وتكنولوجيا التواصل الإلكتروني. ومما جاء بخصوص العولمة في البيان المذكور نورد ما يلي: «... فاكتشاف أميركا والطواف البحري حول إفريقيا، أوجد للبورجوازية الناشئة مجالاً جديداً . إن سوق الهند... والصين واستعمار أميركا، والتبادل مع المستعمرات، وازدياد وسائل التبادل والسلع عموماً، وفّرت... الأسواق الجديدة... والصناعة الحديثة أوجدت السوق العالمية التي مهّد لها اكتشاف أميركا. والسوق العالمية... تتسع حاجة البورجوازية باستمرار إلى تصريف دائم لمنتجاتها، تسوقها إلى كل أرجاء الكرة الأرضية... والبورجوازية، باستثمارها السوق العالمية طبعت الإنتاج والاستهلاك، في جميع البلدان، بطابع كوسموبوليتيكي، وانتزعت من تحت أقدام الصناعة القديمة أرضيتها القومية.. فالصناعات (القديمة) دُمّرت... لتحلّ محلّها صناعات جديدة أصبح اعتمادها مسألة حيوية بالنسبة إلى جميع الأمم المتحضرة، صناعات لم تعد تستعمل المواد الأولية المحلية فقط، بل المواد الأولية من أقصى المناطق، صناعات لا تُستهلك منتجاتها في البلد نفسه فحسب، بل أيضاً في جميع أنحاء العالم. فمكان الحاجات القديمة، التي كانت المنتجات المحلية تسدّها، تحُل حاجات جديدة تتطلب لإشباعها منتجات من أقصى البلدان. ومحل الاكتفاء الذاتي والإقليمي والقومي والانعزال القديم، تقوم علاقات شاملة من كل النواحي...».
من الصعب أن نجد وصفاً للعولمة أشد إقناعاً مما ورد في هذا البيان، والعولمة هنا هي حاصل ما توصلت إليه الرأسمالية في سياق تشكيل بنية مجالها الجغرافي على مدى الكرة الأرضية. ثم أن تحليل العولمة في البيان انتهى إلى رفع شعار ينضح بما هو معولم أيضاً، عبر الدعوة الشهيرة إلى العمال في العالم بالقول: «يا عمّال العالم اتحدوا» لمواجهة النظام الرأسمالي العالمي.
لاحقاً تعزّزت هذه الرؤية العالمية بما أضاف عليها كلّ من لينين، عندما تناول التوسع الجغرافي لرأس المال المتمثل بالإمبريالية بما هي أعلى مراحل الرأسمالية، وروزا لوكسمبورغ التي وجدت في الإمبريالية عينها، الحل المنقذ لتراكم الرأسمال واضطراره للذهاب باتجاه أقاليم جغرافية بعيدة. وكذلك صاغ سمير أمين وايمانويل فاليرشتاين واندريه غونتر فرانك ووالتر رودني وغيرهم نظريات تفصيلية ودراسات معمّقة استخدموا فيها مفاهيم جديدة على علاقة معيّنة، بالبعد الجغرافي للأنشطة الرأسمالية، مثل «مراكز مراكمة الرأسمال العالمي»، «المركز والأطراف»، و«تنمية مجالات التخلف» وغيرها في معالجاتهم لما آل إليه الصراع الطبقي، على مستوى الكرة الأرضية، ومع ذلك بقيت هذه الجهود النظرية أسيرة معالجة التطور الزمني دون ما يكفي من معالجة الفعل المكاني في توسع الرأسمالية، بمعنى أنه لم تأخذ هذه الأفكار والنظريات بالاعتبار بما يكفي دور المكان وبالتحديد مميزات هذا المكان أو ذاك في ما يمكن أن تدخله من تبديلات وتعديلات على التطور الزمني للرأسمالية ولا التبديلات والتعديلات الذي يُدخله الرأسمال على هذا المكان أو ذاك. بتعبير آخر لم تعالج هذه النظريات فعل البعد الجغرافي بالعمق وبالتفصيل في علاقته مع التطور التاريخي للرأسمالية. غير أن ممارسة النضال الطبقي على الأرض وفي مختلف البلدان، أوصلت المعنيين إلى حقيقة جغرافية اقتصادية اجتماعية وسياسية، مفادها أن المطالب والأهداف والأولويات تتباين ما بين مكان وآخر، تبعاً لنوعية العوامل الجغرافية المختلفة، وعليه فإن العناصر الجغرافية باختلافاتها بين هنا وهناك، إن لم تؤخذ بالحسبان، من شأنها أن تشكل عائقاً لا يُستهان به أمام تحقيق اتحاد المناهضين للإمبريالية، وفي هذا الأمر يردّد المفكر الماركسي ريموند وليامس، ويؤيده العديد من الماركسيين لا سيما الجغرافيين منهم وفي مقدمهم ديفيد هارفي، بما معناه أنه لا بد من نظرية جديدة في الاشتراكية خاصة بمسألة المكان (بالمعنى الجغرافي عموماً والجغرافي السياسي والثقافي خصوصاً). ويضيف أن الفكرة القائلة إن البروليتاريا ليس لها لا وطن بخلاف الطبقات المالكة، ليس لها ما يسوغها. وفي هذا السياق نذكر على سبيل المثال لا الحصر ما بيّنته التجارب المتعددة الجارية في إطار الاقتصاد المعولم، حيث إن انتقال المؤسسات الاقتصادية من بلد إلى آخر بهدف خفض التكاليف وزيادة الأرباح يؤلب العاملين في البلاد المزمع تركها على العاملين في البلاد المنوي الذهاب إليها، كما أن استقدام عمال أجانب للإفادة من تدنّي أجورهم، يضعهم في مواجهة سافرة مع عمال البلاد المحليين، الأمر الذي من شأنه أن يطيح بشعار «يا عمال العالم اتحدوا» ويخالف ما جاء أيضاً في بيان ١٨٤٨ المشار إليه سابقاً من أن «العمّال لا وطن لهم، فلا يمكن أن يُسلب منهم ما لا يملكونه... مع حرية التجارة، مع السوق العالمية... وتزول التناقضات بين الشعوب».

حاجة الماركسية إلى الجغرافيا
في الواقع إن الفكر الماركسي، كما هو معروف، قد تأسس على الأممية العابرة للمشاعر المحلية أو الوطنية، وهو بقي مربكاً إزاء الانتماءات السياسية ذات البعد الجغرافي أي الوطنية أو القومية، حيث يجد فيها عائقاً أمام حركة الأممية الاشتراكية. والحال كان ماركس وانغلز ومن بعدهما لينين وستالين يحذرون من الأخذ بالأفكار الوطنية من حيث إنها تغلّب الانتماء السياسي إلى المكان على حساب الانتماء الى الطبقة الاجتماعية العابرة للأمكنة أي للجغرافيا، وبالتالي تساهم في حرف النضال من أجل تحرير الإنسانية عن مساره الأممي الصحيح. هذا وقد جاءت «الأممية الثالثة» التي أطلقت الأحزاب الشيوعية (الماركسية اللينينية) غداة انتصار الثورة البولشفية عام ١٩١٧ في روسيا، لتعترض على ما شاب أحزاب «الاشتراكية الثانية» مما وصفه لينين بالنزعة القومية أو الوطنية التي ينبغي فضحها واجتثاثها، ومنذ ذلك الوقت أي منذ نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، سعت الأحزاب الشيوعية الفتية في حينه إلى التركيز على العمل ضد حشو الأدمغة المنادي بحب الأوطان. مع العلم أن «الأممية الثالثة» بإشراف لينين لطالما شدّدت على حقوق الشعوب بأراضيها الوطنية من ضمن حق تقرير المصير، ما يشي بإرباكات معيّنة على الصعيدين النظري والعملي في هذا المجال. وقد اضطرت الأحزاب الشيوعية في ما بعد إلى تبديد هذه الإرباكات بمقاربات جغرافية تقود إلى التركيز على التباينات بين البلدان التي تنشط فيها، وهي مقاربات تؤسس لصياغة استراتيجيات تُعلي من الشأن الوطني أو القومي بالتساوق مع الشأن الاشتراكي الأممي.
والواقع أن الجغرافيا لم تغب لا عند ماركس ولا عند انغلز، ذلك أن الفقرات المستلّة من البيان الشيوعي عام ١٨٤٨ والواردة أعلاه، تشير إلى أن البورجوازية في سعيها إلى استدامة سيطرتها على الشرائح الاجتماعية الأخرى تلجأ إلى الحلول الجغرافية، ما يعني أن للبعد الجغرافي حضوراً مهمّاً في ذهن محرري البيان المذكور، لكن سرعان ما يتخلّيان عنه تحليلياً وتفصيلياً لصالح مآل التطور التاريخي للرأسمالية والتشكيلة الاجتماعية الطبقية التي تنتجها. والحال إن التركيز على مفهوم «المادية التاريخية» أي على التاريخ في المفهوم الماركسي في الخطاب الماركسي عموماً يوحي عن قصد أو غير قصد بإقصاء الفعل الجغرافي عن المقاربة الماركسية للرأسمالية، واستطراداً إقصاء «المادية الجغرافية» أي مفهوم الماركسية للجغرافيا.

سعت الأحزاب الشيوعية الفتية إلى التركيز على العمل ضد حشو الأدمغة المنادي بحب الأوطان


والحال إن الممارسة السياسية واجهت وما تزال وقائع جغرافية لا يمكن تجاهلها، فالطبقات العمالية مثلاً، في الدول المتقدمة اقتصادياً تتمايز فيما بينها لجهة مصالحها وأولوياتها على مختلف الصعد، حتى في دول الاتحاد الأوروبي القريبة من بعضها البعض. إن الطبقات العمالية في كل من فرنسا والمانيا وإيطاليا... ليست على توافق بشأن سياساتها المطلبية، وأكثر من ذلك، ففي حين تبدي الطبقة العمالية في المانيا حذراً شديداً إزاء التشكيلات السياسية اليمينية المتطرفة تذهب شرائح عمالية فرنسية وازنة في الاتجاه المعاكس. كما تحتدم الاختلافات بين العمّال في القطاعات الزراعية لدول الاتحاد الأوروبي... يضاف إلى ذلك التباينات الجغرافية بتناقضاتها الاقتصادية الاجتماعية، على كل المستويات في العالم بين المناطق، وداخل كل دولة على حدة، وبين الأحياء داخل كل مدينة، وبين التكتلات والأقاليم... وسائر الوحدات الجغرافية على تعدد مقاييسها.
على أن الإشكالية تبقى في ما يميّز نظرياً ومنطقياً التناقض بين الطبقات الاجتماعية من جهة، والتناقض بين الوحدات المكانية الاجتماعية من جهة أخرى. فإذا كان جائزاً منطقياً القول إن طبقة اجتماعية تستغل طبقة أخرى كما في المادية التاريخية، فإن القول إن وحدة مكانية اجتماعية (مدينة، قرية أو حي، تكتل إقليمي...) تستغل وحدة مكانية اجتماعية أخرى لا يحظى بالجواز المنطقي عينه الذي يحظى به القول الأول وإن أحتوى على هذا القدر أو ذاك من الصحة، إلا أنه يبقى غير قابل للتعميم المنمّط كما في حال الطبقات الاجتماعية.
وللتوضيح قد نقول إن هذه المدينة تستغلّ تلك أو إن دولة تستغل أخرى، يمكن سحب ذلك على التكتلات الجغرافية الاقتصادية أو على عالم الشمال المتقدّم الذي يُمعن في استغلال عالم الجنوب المتخلف بمعنى أن هذه الوحدات الجغرافية تبدو وكأنها تتراتب بين وحدات مستغِلّة وأُخرى مستغَلّة كما تتراتب الطبقات الاجتماعية. لكن الواقع الجغرافي التنموي هو على غير ذلك لأن كل وحدة جغرافية من هذه الوحدات تحوي على تناقضات جغرافية تنموية في داخلها بحيث يمتنع تراتبها بالدقة التي تتراتب بها الطبقات الاجتماعية.
ومع ذلك يرى الجغرافيون الماركسيون إن التناقضات الجغرافية التي تواكب التناقضات الاجتماعية تحوي على كمّ من المعطيات ما يتيح استكمال المادية التاريخية، بصياغة نظرية مادية تاريخية - جغرافية تُبنى عليها استراتيجية جديدة لمناهضة الرأسمالية المعولمة، تجمع بين الدعوة إلى الصراع الاجتماعي الطبقي، دعوة أُخرى إلى صراع آخر هو الصراع الاجتماعي الجغرافي، تضطلع به الجموع التي تعاني من النتائج السلبية للأساليب التي يُدار بها تنظيم المجالات الجغرافية في النظام الرأسمالي. وهي الجموع التي عبّرت عن غضبها عام ٢٠١١ عندما أقدمت على سلسلة من التظاهرات الاحتجاجية في العديد من المدن الكبرى في العالم لا سيما تلك التظاهرات التي انتهت باحتلال شارع وول ستريت في نيويورك بما يرمز إليه من كونه القلب النابض للرأسمالية العالمية.
* أستاذ جامعي، من مؤلفاته كتاب «المادية الجغرافية، ضرورة استكمال المادية التاريخية في الماركسية»، دار الفارابي، بيروت ٢٠١٩

الأخبار