شكوى عراقية على الكويت: هل الحل في جدار عازل؟

Submitted on Sat, 09/07/2019 - 23:15
ميناء الفاو الكبير في شبه جزيرة الفاو

علاء اللامي*

مع اقتراب ميناء "مبارك" الكويتي العملاق من الاكتمال وقرب تدشينه، ليقطع بذلك الممر المائي العراقي في خور عبد الله أو ليُضَيِّق عليه بشكل خطير، ومع إنشاء الكويت لمنصة بحرية جديدة في منطقة "فيشت العيج" وسط ذلك الخور، وبعد تأخر إنجاز ميناء "الفاو الكبير" في الجانب العراقي بسبب الفساد الإداري والتواطؤ من قبل الإدارات العراقية المتتالية، بعد هذه التطورات، ووصول حالة الحصار البحري الشامل على العراق نقطة اللاعودة، تحركت الحكومة العراقية فقامت بحركة استعراضية متأخرة كثيرا لرفع العتب، وقدمت شكوى رسمية إلى مجلس الأمن.

وقد كشف وزير النقل العراقي الأسبق عامر عبد الجبار عن أن "فيشت العيج" ليست منصة تفريغ كما قيل، بل جزيرة اصطناعية أقيمت بعد طمر مياه وسط الخور تريد الكويت اعتبارها النقطة النهائية لحدودها مع العراق، حتى تقطع الممر المائي عن العراق وتعزله عن ساحله البحري الإقليمي.

الشكوى العراقية قُدِمت بشكل شبه سري، وسكتت الأوساط السياسية والإعلامية العراقية عن هذه التطورات لأسباب لا تخرج أيضا عن دائرة الفساد والتواطؤ. وقد عَلِمَ العراقيون بهذا التطور من صحف الكويت التي بادرت إلى شن حملة إعلامية بعد الشكوى العراقية.

إنَّ الشكوى التي رفعتها الحكومة العراقية، لا تتمتع بأي قدر من الجدوى والمردودية، ولا أفق لها عمليا لحل المشاكل المتوارثة بين البلدين؛ فمجلس الأمن ذاته هو الذي أباح للكويت بقرارته المجحفة خنق العراق بحريا، ومنحها نصف قناة "خور عبد الله"، وهو النصف العميق إذ أن القرار الأممي رقم 833 لسنة 1993 والخاص بترسيم الحدود  لم يقسِّم الخور - الذي لم تستعمله الكويت طوال تاريخها لعدم حاجتها إليه وكان المنفذ الأهم للعراق فقط - بين البلدين حسب خط العمق "التالوك" كما هو معهود عالميا، بل حسب النصف المساحي (العرض المتري)؛ فأعطى للكويت النصف الغربي العميق وترك النصف الشرقي الضحل وغير القابل للإبحار للعراق. كما أن مجلس الأمن هو الذي أعطى الكويت نصف منطقة "أم قصر" العراقية ومنطقة أخرى تحتوي على عدة آبار نفطية من الجانب العراقي، فكيف يمكن لمجلس أمنٍ تسيطر عليه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أن ينصف العراق ويرد على شكواه بعدالة ونزاهة؟

إن المشكلة الحقيقية لم تبدأ مع منصة "فيشت العيج" الكويتية الجديدة، بل هي تعود أساسا إلى مجموعة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة وهي قرارات مجحفة بحق العراق. وقد استقال رئيس اللجنة الأممية الخاصة بهذا الملف كوسوما اتماجا، في العشرين من تشرين الثاني من عام 1992 احتجاجا على انحياز اللجنة (وكانت تضم ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والكويت والعراق)، إلى الجانب الكويتي، ولأن اللجنة تجاوزت صلاحياتها بالترسيم الحدودي الذي هو من صلاحيات البلدان ذات السيادة وليس من صلاحيات الأمم المتحدة.

إن الحل الجذري والعادل لهذه المشكلة لا يتم بتقدم شكوى منفردة كالتي قدمتها حكومة عبد المهدي، بل في اجتراح حل حقيقي ومتوازن يعيد الأمور إلى نصابها والحقوق العراقية لأصحابها، ويضمن الأمن والاستقرار للكويت، وهذا لا يتم إلا ببناء جدار عازل على الحدود بين البلدين دون إبطاء وعلى غرار الجدار الأمني العازل الذي بادرت السعودية الى بناء أجزاء منه على حدودها مع العراق.

إن فكرة بناء جدار عازل بين العراق والكويت هي أصلا فكرة ذات منشأ كويتي فقد طالب بها الساسة الكويتيون المعادون لما يسمونه "الشمال الأسود" أي العراق، وقد كرر هذا المطلب قبل أيام السياسي والإعلامي الكويتي د. عايد المناع رداً على الشكوى العراقية!

والحقيقة فإن بناء جدار عازل على امتداد الحدود العراقية الكويتية هو لمصلحة العراق أولا، ومنقذ له من الحصار البحري. كيف ذلك؟  لقد أنفقت الكويت على ميناء مبارك الكبير مبالغ طائلة تصل الى ثلاثة مليارات ومائتين وخمسين مليون دولار حتى الآن. وتبلغ طاقة الأرصفة فيه 1.8 مليون حاوية مجهزة بشبكة سكك حديدية ولا تحتاج إليه الكويت إطلاقا فلديها موانئها العديدة. وإذا ما علمنا أن هذا الميناء الكويتي لا مستقبل له إلا بربطه سككيا بالقطارات مع القناة الجافة السككية العراقية، وإذا ما علمنا أن العراق رفع التحفظ العراقي الرسمي الربط السككي مع الكويت في زمن وزير النقل الأسبق هادي العامري، وإذا ما علمنا أن هذا الميناء الكويتي سيقطع الممر البحري على العراق، وإذا ما علمنا أن ميناء الفاو العراقي الكبير معرقل من قبل إدارات ووزارات الفساد العراقية، فإن الحل الوحيد والمؤقت أمام العراق هو بناء جدار عازل ضخم على طول الحدود العراقية الكويتية وبعرض أربعة أمتار وارتفاع سبعة أمتار ينهي وإلى الأبد التأثير الضار لميناء مبارك الكبير على العراق.

إن هذا أمر يدركه الكويتيون وقد عبر عنه النائب الكويتي السابق الطباطبائي الذي صرح بأن ميناء "مبارك" لا مستقبل له، ويجب نقله إلى مكان آخر، وربما يكون الدافع لزيارة أمير الكويت الأخيرة هو تفادي قرار عراقي برفض نهائي للربط السككي مع الميناء الكويتي. إن حل الجدار الحدودي يفتح الباب واسعا أمام استكمال بناء ميناء الفاو الكبير وربطه بالقناة السككية العراقية الجافة. بمعنى أن الحل ما يزال قائما أمام العراق وهو يكمن في بناء هذا الجدار وفي تسريع إنجاز ميناء الفاو وتوسيعه وتنفيذ مخطط الجزيرة الصخرية في الفاو والتي ستضاعف نطاق الطلة البحرية العراقية الى الضعفين وأكثر وبهذا يخرج العراق من الارتهان والحصار البحري الحالي.

إن بناء الجدار العازل مع الكويت يجب أن يبدأ فورا للضغط على الكويت لوقف تجاوزاتها وحصارها البحري ومن ثم لمراجعة جميع القرارات المجحفة الصادرة بحق العراق بعد اجتياح الإمارة سنة 1990، فهذه القرارات تنص على أنها ممكنة التعديل بطلب من البلدين وباتفاقهما، وهذا هو الحل الوحيد الذي يضمن وصول البلدين الى حلول متوازنة وعادلة تضمن حقوق العراق على أراضيه ومياهه وتضمن أيضا استقرارا وأمنا دائما للكويت. وعلى هذا فنحن اليوم أمام سيناريوهَين اثنين بعد تقديم هذه الشكوى العراقية:

-السيناريو الأول: ستتحرك واشنطن للضغط على الكويت لتتنازل قليلا بخصوص خور عبد الله وربما تطلب منها رفع جزيرة "فيشت العويج" مقابل منحها الربط السككي الدائم مع العراق فتتراجع الحكومة العراقية عن الشكوى، وهذا ليس حلا لأن الكويت ماضية في حصارها البحري، ولهذا فسيكون نصرا للكويت وأميركا بكل معنى الكلمة لأنَّ ربط ميناء مبارك الكويتي بالقناة الجافة السككية العراقية يعني دفنا نهائيا وتدميرا لميناء الفاو العراقي الذي سيحل محله تلقائيا ميناء مبارك الكويتي وستتلاشى الطلة البحرية العراقية!

-السيناريو الثاني هو الذي اقترحناه أعلاه ويتلخص في البدء فورا ببناء الجدار العازل مع الكويت وإنهاء أي أفق لميناء مبارك وتسريع إنجاز الفاو الكبير والبدء بمشروع الجزيرة الصخرية لتوسعته ومضاعفة طاقاته الاستيعابية.

إن بناء الجدار العازل مع الكويت يجب أن يبدأ فورا كوسيلة للضغط على الكويت لمراجعة جميع القرارات المجحفة الصادرة بحق العراق بعد حرب 1990، فهذه القرارات تنص على أنَّ من الممكن تعديلها بطلب من البلدين وباتفاقهما وهذا هو الحل الوحيد الذي يضمن وصول البلدين الى حلول متوازنة وعادلة تضمن حقوق العراق على أراضيه ومياهه.

 أما بخصوص مشروع الميناء العراقي الكبير على الجزيرة الصخرية فهو يقوم على فكرة تشييد جزيرة صخرية في الجزء العراقي من مياه الخليج العربي، ستحتوي على مدينة مساحتها 350 كيلومتراً مربعاً، تمتد داخل البحر بنحو 250 كيلومتراً مربعاً. ويتم تشيَّد تلك الجزيرة من خلال طمر مليار متر مكعب داخل البحر بـ 25 مليون طنٍّ من الحجر.

إن تكاليف الجزيرة الصخرية والميناء والمدينة التجارية والسياحية قربه تصل إلى ثمانية مليارات دولار كحد أعلى، وسيكون الميناء قادرا على تسديدها كلها خلال ستة أعوام تقريبا وبواقع ملياري دولار في العام تقريبا. فلماذا فكر البعض بطرح هذا المشروع على الاستثمار الأجنبي والدولة العراقية بمواردها الهائلة قادرة على تنفيذه، ولماذا الإصرار على رفض وعدم التفكير بميناء الجزيرة الصخرية؟

لماذا لا يجري تطوير المشروع القائم والمهدد بميناء مبارك الكويتي ودمجه بمشروع الجزيرة الصخرية للوصول الى التحرر الكامل للعراق من الحصار البحري والخنق الذي تمارسه دول الجوار عليه؟ ولماذا لا يبحث العراق عن دعم دول الجوار ذات المصلحة بالقناة الجافة العراقية كسوريا والأردن وتركيا؟

إن مشروع الجزيرة الصخرية لن يتأثّر بميناء مبارك الكويتي وهو الحل العملي الوحيد بما أنّ الكويت وإيران غير قادرتين على خنقه، وبتنفيذه يمارس العراق سيادته على أراضيه ومياهه الإقليمية.

يبدو لي أن هناك ثلاثة أسباب مهمة - بين أسباب أخرى - لرفض مشروع ميناء الفاو الكبير على الجزيرة الصخرية أو إهماله وهي :

1-رفض المشروع من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا والكويت وإيران ودول الخليج. لأن هذه الدول لا تريد أن ينهض عراق قوي ومزدهر، بل هي تريد الإبقاء عليه ضعيفا مضطربا مهددا بالتمزق الطائفي والقومي وحركات التمرد الانفصالية والأقلمة!

2-فساد النظام في العراق وتورط كبار المسؤولين فيه بالرشى الكويتية لخنق الميناء العراقي والتنازل عن خور عبد الله، وقد حدثت فضائح عديدة في هذا الميدان تورط فيها وزراء ونوقشت علنا في مجلس النواب العراقي.

3-التنافس الضاري بين الأحزاب والكتل والعوائل السياسية الدينية المهيمنة على الحكومة ورغبة كل منها بالحصول على الحصة الأدسم فيه.

إن البديل الذي نقترحه في السيناريو الثاني أعلاه، كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها، وهو حق سيادي ومشروع للعراق وليس فيه أدنى تجاوز على الكويت أو غيرها، لأنه يقام داخل الأراضي والمياه العراقية، فإذا انصاعت قيادة إمارة الكويت إلى منطق الحق والعدل ونقلت ميناءها الى مكان آخر كما اقترح النائب الكويتي وليد الطباطبائي، وأعادت ما تم استقطاعه من أراضٍ ومياه عراقية وفق ترسيم جديد للحدود فخيرا تفعل،  وإلا فليس أمام صاحب الحق، الشعب العراقي، سوى الدفاع عن نفسه وعن مستقبل أجياله، ولكننا ندرك أن دفاعا كهذا لا يمكن ان يُدار وينجز بنجاح من قبل حكام طائفيين فاسدين وتابعين للأجنبي ولهذا فالأمر يبقى رهنا بالمستقبل العراقي القريب!

*كاتب عراقي

نشرت مختصرة قليلا في "الأخبار" اللبنانية .. الرابط

https://al-akhbar.com/Iraq/276020/%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84-%D8%A8%D8%AC%D8%AF%D8%A7%D8%B1-%D8%B9%D8%A7%D8%B2%D9%84