الصين في الكتاب الأبيض الجديد: الاستعداد لدور «الشرطي العالمي»

علي دربج

على وقع الاضطرابات والاحتجاجات المتصاعدة التي تشهدها هونغ كونغ منذ حوالى تسعة أشهر، وفي الوقت الذي تحتدم فيه الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، أصدر مكتب معلومات مجلس الدولة الصيني في 22 تموز الفائت كتاباً أبيض جديداً تحت عنوان «الدفاع الوطني الصيني في العصر الجديد 2019»، هو الأول بعد إطلاق الإصلاحات العسكرية الرئيسية في عام 2015، من حيث تضمنّه تقييماً للوضع الأمني ​​الدولي، فضلاً عن تقديمه شرحاً رسمياً مسهباً لسياسة الصين، ومهامها الدفاعية في الداخل والخارج، وتطرّقه إلى القضايا السيادية والإصلاحات العسكرية ونفقات الدفاع.

أكاديمياً، لا يمكننا الفصل بين توقيت إعلان الكتاب، والتوترات الباردة القائمة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ بين واشنطن وبكين من جهة، وبين الأخيرة والدول المحيطة بها والقلقة من التوسع الصيني على أكثر من صعيد واتجاه. فالتاريخ مليء بالشواهد التي تؤكد أنّ في السياسة والعلاقات بين الدول والأمم والإمبراطوريات، ليس هناك شيء اسمه «صدفة».
في العادة لا تنشر الصين أيّ وثيقة تحت عنوان «استراتيجية الدفاع الوطني» أو «سياسات الدفاع الوطني» على غرار الولايات المتحدة، غير أنها تتيح معلومات عن السياسات الواردة في الكتاب الأبيض المعنيّ بالدفاع، وفي خطابات يلقيها كبار القادة العسكريين.
لكن بالنظر إلى الأزمات التي تعصف في غير رقعة جغرافية من العالم، والمستجدّات التي تحدث في المنطقة أعلاه، أراد قادة بكين عبر هذا الكتاب أو الوثيقة، توجيه عدة رسائل مبطنة إلى الخصوم والشركاء والأصدقاء في آن، تحمل في طياتها رؤى عميقة حول كيفية تخيّل قيادة جمهورية الصين لنظام عالمي يتميّز بتعددية أقطاب أكبر، وترسم تطلعاتهم لممارسة القيادة داخل «مجتمع المصير المشترك» مع بلدان المنطقة كما يطمحون، وتحدّد الأهداف الاستراتيجية التي ستعمل عليها بكين، وتعكس أيضاً، نظرتهم المختلفة للأمن العالمي بحيث تكون فيها الصين قوة دافعة لـ«السلام العالمي».
يميط الكتاب اللثام، عن نوايا هؤلاء القادة لإعادة تشكيل الهيكل الحالي للنظام الدولي نحو مستقبل أكثر ملاءمة لمصالح الصين والتي تمتدّ إلى مجالات جديدة في جميع أنحاء العالم، ويضع خطوطاً حمراء واضحة على «سيادة الصين وأمنها ومصالحها التنموية» (كقضية تايوان مثلاً)، ويدعو أيضاً القوات المسلحة الصينية إلى «التكيف مع المشهد الجديد للمنافسة الاستراتيجية»، تماشياً مع سياسة «عسكرة الصراع» في منطقة «الهادئ» والباسيفيك التي انعطفت نحوها الولايات المتحدة وركّزت استراتيجياتها فيها منذ عام 2010 في محاولة لتطويق بكين والحدّ من نفوذها الآخذ في التوسع.
جزء كبير من محتويات الكتاب، تتماهى أو مستخلصة، من خطاب الرئيس الصيني شي جين بينغ حول حلم الصين (الذي يقوم على تحقيق الرخاء الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي وتوفير نوعية حياة أفضل للمواطنين الصينيين بشكل عام، والسعي إلى استعادة المكانة القومية للصين وضمان صعودها كدولة مزدهرة وقوية)، وتصوراته للنظام العالمي الجديد، إذ أنه غالباً ما يتم وصف «الحلم العسكري القوي» بأنه عنصر أساسي لتأمين حلم الصين، من خلال القول إن وجود جيش صيني أكثر قوة، ضروري بنفس القدر لهذا الحلم العالمي.
المحيط الجغرافي لبكين والمليء بالأزمات، وهاجس التفوق العسكري الذي تعيشه، جعلها تسخّر جميع طاقتها العلمية ومورادها الاقتصادية، من أجل تطوير قدراتها العسكرية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والذي اقترن بإعادة التوزان الأميركي وتقوية حلفاء واشنطن، فجاء هذا الكتاب ليشخّص المخاطر التي تواجهها، ويفنّد مخاوفها.
الولايات المتحدة أتت في الطليعة، فهي مسؤولة عن تعقيد وتقويض الأمن والتوازن الاستراتيجي الإقليمي والمصالح الأمنية الاستراتيجية في المنطقة، بعدما عززت تحالفاتها العسكرية والانتشار والتدخل، ووجهت مواردها العسكرية وحولتها إلى هناك، مع تركيزها على الشركاء، بالإضافة إلى قيامها بمفاوضات حيثية بشأن حقوق استخدام القواعد العسكرية لدول جنوب شرق آسيا أو الاستفادة منها، بما في ذلك القواعد الموجودة في تايلاند والفيليبين وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا.
أكثر من ذلك، عدّ الكتاب خطوة واشنطن نشر الدرع الصاروخي في كوريا الجنوبية نظام «ثاد» ـــ وهو منظومة دفاع جوي صاروخي من نوع أرض- جو، يعمل في منطقة دفاع حيث يمكنه اعتراض الصواريخ البالستية القصيرة والمتوسطة المدى داخل وخارج الغلاف الجوي ـــ محاولة للالتفاف على آلية ما بعد الحرب العالمية الثانية، والسعي إلى لعب دور أكبر في الشؤون الأمنية لإعادة التوازن الأميركي في آسيا بمساعدة اليابان بصفتها حليفاً مقرّباً من وشنطن.
اليابان تمثّل بدورها تهديداً للصين وإن كان بدرجة أقل من واشنطن. فالسياسات التي تنتهجها طوكيو حالياً (محاولة إزالة القيود المفروضة عليها من جانب المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية)، ومضيها قدماً في تطوير قدراتها العسكرية، وتحول السياسة المحلية فيها نحو اليمين، وإعادتها النظر بالأولويات الدفاعية من الشمال إلى الجنوب الغربي، وتعزيزها عمليات التموضع العسكري في جزر الجنوب الغربي، كلّها عناصر ضاعفت قلق بكين التي باتت تنظر بعدم ارتياح إلى سلوك جارتها. اللائحة تطول، لتشمل عدداً من الدول التي يذكرها الكتاب كالحليف الروسي المنهك، وفق تعبيره بترسيخ وجوده العسكري في رابطة الدول المستقلة، ثم الهند التي تعكف على «توسيع نفوذها العسكري بفاعلية، لربط المحيط الهندي بغرب المحيط الهادئ». وأخير أستراليا التي تعمل على تعزيز تحالفها العسكري مع الولايات المتحدة، ومشاركتها العسكرية في المنطقة.

التحولات العسكرية التي عصفت بالمنطقة في السنوات التي خلت، فاقمت من مخاوف بكين، وهي تتمثل بالآتي:
ــ اهتمام كلّ من كوريا الجنوبية واليابان بالقدرات النووية المحلية، وبحثهم في تصنيع أسلحة نووية تكتيكية في المنطقة بهدف الردع الموّسع.
ــــ تطوير الهجوم الدقيق بعيد المدى في تايوان وكوريا الجنوبية والهند.
ــــ انتشار التقنيات التقليدية، بما في ذلك المقاتلات الجوية من الجيل الخامس، خصوصاً في اليابان، وكوريا الجنوبية وأستراليا.
ــ تزايد القدرات الحربية المضادة للغواصات والغواصات ذات القدرة، بما فيها تلك التي يتم تطويرها أو شراؤها من جانب فيتنام واليابان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وسنغافورة.
ــ وجود الصواريخ المضادة للسفن، ويطلق على الكثير منها «قاتلات الحاملات»، وفي فيتنام وكوريا الجنوبية وتايوان.
ــ تطوير تقنيات للحرب السيبرانية والفضائية والإلكترونية وانتشارها.
انطلاقاً من هذه التهديدات التي تطرق أبواب الصين، لخص الكتاب الأبيض، أهداف الدفاع الوطني للصين بالآتي:
ـــــ ردع العدوان ومقاومته.
ـــ حماية الأمن السياسي الوطني وأمن الشعب واستقراره الاجتماعي.
ـــ معارضة واحتواء «استقلال تايوان».
ــــ قمع مؤيدي الحركات الانفصالية مثل «استقلال التيبت» وإنشاء «تركستان الشرقية».
ــــ حماية السيادة الوطنية والوحدة والسلامة والأمن الإقليميين.
ـــ حماية الحقوق والمصالح البحرية للصين.
ــ حماية المصالح الأمنية للصين في الفضاء الخارجي والفضاء الكهرومغناطيسي والفضاء الإلكتروني.
ـــ حماية مصالح الصين الخارجية.
ـــ دعم التنمية المستدامة للبلد.
تدخل هذه الأهداف، وفقاً للوثيقة، في صلب القضايا القومية والسيادية للصين التي توجب عليها حماية أراضيها والحفاظ على سلامتها، وعدم التفريط بما تعدّه حقوقاً لها، كجزر بحر الصين الجنوبي وجزر دياويو، التي تعتبرهما جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الصينية التي تمارس عليها سيادتها الوطنية من خلال إنشاء البنية التحتية فيها، ونشر القدرات الدفاعية اللازمة على هذه الجزر والشعاب المرجانية في بحر الصين الجنوبي، والقيام بدوريات في مياه جزر دياويو في بحر الصين الشرقي. في المقابل، لا توصد الصين باب الدبلوماسية، بالتزامها بحلّ النزاعات ذات الصلة من خلال المفاوضات مع الدول المعنية مباشرة على أساس احترام الحقائق التاريخية والقانون الدولي، مع إبقاء خطوط التعاون مع دول المنطقة مفتوحة للحفاظ على السلام والاستقرار، على قاعدة تمسكها بحزم بحرية الملاحة والتحليق لجميع الدول وفقاً لقواعد القانون الدولي، ومشاركتها في حماية أمن خطوط الاتصالات البحرية.

تايوان وخيار اللجوء إلى القوة
لقضية تايوان في الكتاب شأن خاص، إذ يسبغ عليها بعداً وطنياً وقومياً لا يخضع للمساومة أو المهادنة، إذ أن حلّ هذه المشكلة الشائكة وتحقيق إعادة التوحيد الكامل للبلد يخدم المصالح الأساسية للأمة الصينية، وضروري لتحقيق التجديد الوطني. حتى الآن تلتزم الصين بسياسة ضبط النفس (وقد تتخلى عنها في حال تدهور الوضع بشكل خطير)، وبمبادئ «إعادة التوحيد السلمي» وبتسوية «دولة واحدة ونظامان» التي ابتكرتها حين استعادت هونغ كونغ من بريطانيا في عام 1984، وتشجع التنمية السلمية للعلاقات عبر المضيق.
تحرص بكين من خلال الكتاب الأبيض على إرسال إشارات واضحة إلى المجتمع الدولي، لا تخلو من الصرامة والحدّية بخلاف الإصدارات السابقة خصوصاً عامي 2013 و2015، وإذ تحذّر «الانفصاليين» والدول المعنية (الولايات المتحدة بالتحديد) من «أي محاولات أو إجراءات لتقسيم البلاد وأي تدخل أجنبي لتحقيق هذه الغاية»، لا تلبث أن تستخدم لغة الجزم بالقول: «شمل الصين سيجتمع يوماً ما، حيث لديها العزم القوي والقدرة على حماية السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية، ولن تسمح أبداً بأيّ انفصال لأيّ جزء من أراضيها من قِبل أيّ شخص أو أيّ منظمة أو أيّ حزب سياسي بأي وسيلة في أي وقت».
لا تستبعد بكين خيار اللجوء إلى القوة (وهو ما يرجّحه الخبراء العسكريون، في حال ذهب قادة الاحتجاجات في هونغ كونغ بعيداً في خياراتهم) الذي يظهر في العبارة الآتية في إحدى الصفحات: «نحن لا نعِد بالتخلي عن استخدام القوة، ونحتفظ بخيار اتخاذ جميع التدابير اللازمة، وهذا لا يستهدف على الإطلاق مواطنينا في تايوان، بل القوى الخارجية (في إشارة إلى أميركا بعد قرارها بيع الأسلحة الأميركية إلى تايوان بقيمة 2.2 مليار دولار) والانفصاليين وأنشطتهم التي سيتصدى لها جيش التحرير الشعبي الصيني الذي سيواجه بحزم كل من يحاول فصل تايوان عن الصين وسيعمل أيضاً على حماية الوحدة الوطنية بأي ثمن»....
رغبة أصحاب القرار في بكين بالوصول إلى الصدارة العالمية ومواجهة التحديات الناشئة في المنطقة وتوسيع نفوذهم السياسي والعسكري كما تنقل الوثيقة، بلغت حدّاً يتجاوز حدود آسيا، لتشمل مختلف مناطق العالم لموزانة القوة الأميركية. وهذا لم يكن وليد اللحظة.
إذ تحدثت دراسة لمؤسّسة «راند» في عام 2015، رعتها وكالة التحليل الاستخباراتي في القوات الجوية الأميركية، عن تطور الاستراتيجية العسكرية الصينية في العقود الماضية، بداية من الاعتماد على المفاهيم «الماويّة» التي تركزت بصورة رئيسية على شنّ حرب شعبية، وصولاً إلى التركيز على القتال والانتصار في الحروب المحلية والمعلوماتية.
تضيف الدراسة «أسهمت الدروس المستخلَصة من الحروب التي شنتها الولايات المتحدة، في تشكيل مفاهيم عقائدية وتخطيط دفاعي لـ«جيش التحرير الشعبي». إذ أشارت التحليلات الصينية على نحو خاص إلى حرب فوكلاند، وعملية درع الصحراء/عاصفة الصحراء، وحملات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في منطقة البلقان بين عامي 1998 -1999، والإطاحة بحركة طالبان 2001، والغزو الأميركي للعراق عام 2003. وفقاً للدراسة، يتبع قادة بكين حالياً استراتيجية أمنية، ضمن الاستراتيجية الوطنية، لتقليص أوجه الضعف والتعامل مع التهديدات ودعم نهوض الأمة. ويشمل ذلك جهود تشكيل بيئة دولية أكثر ملاءمة لممارسة القوة الصينية المتزايدة بما في ذلك السعي إلى إدخال تغييرات على المؤسسات والمنظمات القائمة وإنشاء مؤسسات ومنظمات جديدة. على الصعيد الإقليمي، عززت هذه الاستراتيجية إنشاء مؤسسات ومنظمات تتعلق بالأمن لا تضم تمثيل الولايات المتحدة، مثل «مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة» و«منظمة شانغهاي للتعاون»، أما الغاية فهي تقديم حماية مصالحها الرئيسية بما في ذلك الأمن القومي والأرض والسيادة والتنمية الاقتصادية، على أي شيء آخر.
ومع أن طموح بكين المستقبلي يكمن في ممارسة تأثير قيادي في الحكم العالمي والمساهمة في إصلاح هذا النظام لم يكن مفاجئاً، إلا أن ما يجدر التوقف عنده هو، أنها المرة الأولى التي تكون فيها القوات المسلحة الصينية مرتبطة بشكل مباشر ورسمي بجدول الأعمال هذا. ومع ذلك، فإنّ التعبير عن نية الجيش الصيني في «المساهمة في هيكل أمني» يمثل إطاراً جديداً لسياسة الدفاع الوطني لبكين.
فالدعوة إلى أن يتّسم هذا الهيكل الجديد بالمساواة - أو حرفياً «الشمولية»- يعني التحول عن النظام العالمي الحالي إلى «الشراكات» مكان «التحالفات»، حيث كانت الجهود الأميركية لتعزيز التحالفات العسكرية، في مرمى السهام الصينية على الدوام باعتبارها «عامل تعقيد إضافياً للأمن الإقليمي».

دور الشرطي العالمي
على أرض الواقع تتنامى النزعة التوسعية لقادة بكين مقابل استراتيجية الاحتواء الأميركية للصين، وهي تظهر جلياً في الكتاب الأبيض، عبر دعوتهم القوات المسلحة الصينية إلى الاضطلاع بمهام عالمية جديدة بطريقة غير مسبوقة عدّها الخبراء العسكريون تمهيداً للاستعداد للقيام بدور «الشرطي العالمي» ــ الذي كان الجيش الأميركي يضطلع به تقليدياً بعد سقوط المعسكر الشيوعي السابق نهاية القرن الماضي ـــ وتدشين مرحلة جديدة من التدخلات باكورتها المساهمة في أمن الممرات العالمية، لا سيما البحرية وحماية سفنها وحتى رعاياها في الخارج، والتي تمت ترجمتها حالياً في آب الجاري، بإعلانها للمرة الأولى في تاريخها، مشاركتها المحتملة في التحالف العسكري البحري في مضيق هرمز. أثار القرار الصيني استغراب المراقبين الذين اعتبروه منعطفاً جدّياً جداً في سياسات الصين التي قد تجد فيه فرصة لتثبيت أقدامها وإقامة قواعد بحرية لها في منطقة الخليج، على غرار أفريقيا حيث كانت أنشأت بكين قاعدة ضخمة في جيبوتي.
لم يغِب عن بال القائمين على الوثيقة، تحول المنافسة الدولية نحو منطقة آسيا والمحيط الهادئ، لذا فإن مجابهة التحديات المقبلة، توجب على بكين وفقاً للوثيقة تنفيذ خططها «للعب دور بنّاء في التسوية السياسية لقضايا النقاط الساخنة»، وتعزيز الترسانة العسكرية بما يتناسب مع مكانة الصين ومصالحها العالمية، وصولاً إلى تحقيق الهدف المنشود لـ«جيش التحرير الشعبي الصيني» ألا وهو التحول إلى «قوى عالمية» بحلول منتصف القرن.
توضح نسخة 2015 من التقرير السنوي الصادر عن وزارة الدفاع الأميركية المتعلق بجيش الصين، وهو تقرير عن التطورات الأمنية والعسكرية، أن الصين «تسعى إلى تطبيق برنامج تطوير عسكري شامل طويل المدى تم وضعه لتحسين قدرة القوات المسلحة الصينية للقتال والظفر بالحروب المحلية في ظلّ ظروف معلوماتية أو في ظل عمليات عسكرية إقليمية مكثفة قصيرة الأجل ترتكز إلى المعلومات».

تشمل هذه التحديثات في التوجيه الاستراتيجي للحزب الشيوعي الصيني، والمقدمة إلى «جيش التحرير الشعبي» استخدام نظم أسلحة هجومية دقيقة متقدّمة بعيدة المدى، وإعادة تنظيم القوات لتسهيل القيادة والتحكم والعمليات المشتركة، وإجراء تغييرات على نظام الأفراد العسكريين وقدرات عمليات جمع المعلومات لغرض الهجوم، وزيادة قدرات القيادة والتحكم والاتصالات والحوسبة والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع البرية والجوية والقدرات الفضائية، وتطوير قوة ردع نووية أصغر حجماً وأكثر كفاءة.
وتتضمن الاتجاهات البارزة في تطوير قدرات جيش التحرير الشعبي الأمور التالية:
ــ اختبار منصات جديدة عالية التقنية ونشرها، بما في ذلك طائرات حربية بدون طيار، وطائرات بدون طيار (ذكر مركز الاستخبارات الوطني للطيران والفضاء الأميركي، أن الصين تعكف على تطوير مجموعة واسعة من الطائرات بدون طيار يصعب رصدها، وتضاهي من حيث الكفاءة نظيرتها الأميركية (MQ-9 Reaper)، ومركبات انزلاقية بسرعة فوق صوتية، ومقاتلات شبح جديدة.
ــ التطوير المستمر لقدرات التلويح بالقوة بما في ذلك حاملات الطائرات، والهجوم بعيد المدى (الصواريخ البالستية والقذائف الانسيابية).
قبل أعوام قليلة، ضج العالم بأخبار استخدام الصين إمكانات للتجسس الإلكتروني. بعدما سرّبت بكين معلومات عن قيام جيشها على تطوير إمكانات إلكترونية أكبر، لتقليل قدرات القتال للخصم أو الاحتفاظ ببنية تحتية مهمة معرّضة للخطر خلال صراع ما، وتوفر أيضاً قدرات هجومية فريدة من نوعها ضد الأهداف الاستراتيجية مثل شبكات الكهرباء وشبكات المواصلات والأنظمة المالية، وشبكات الخصم وبناه التحتية المهمة كمراكز الخدمات اللوجستية والقيادة والتحكم والقواعد البحرية والجوية وقواعد الصواريخ الرئيسية.

قدرات الحرب الإلكترونية البرية والفضائية
شكل التنافس الدولي القائم في المنطقة والتفوق الأميركي الفضائي، دافعاً قوياً للصين للعمل على تطوير قدرات الحرب الإلكترونية والمعلوماتية البرية والفضائية لديها للحيلولة دون استخدام الأعداء للطيف الكهرومغناطيسي والفضاء أو منع استخدامهم له أثناء صراع ما. ترمي هذه الجهود إلى إبعاد «عيون وآذان» العدو، والانتصار بأحد عناصر صراع حرب المعلومات. ويشمل ذلك الأسلحة الموجهة ضد الأقمار الصناعية من أسفل، التي اختبرتها الصين لأول مرة في عام 2007، وأسلحة ليزر الطاقة الموجهة «لحجب» الأقمار الصناعية للخصم مؤقتاً أو تدميرها نهائياً، وأجهزة تشويش قادرة على التداخل مع وصلات الأقمار الصناعية مثل نظام تحديد المواقع العالمي، وأنظمة دعم الاستهداف.
إضافة إلى ذلك، تواصل الصين العمل على زيادة مجال الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع في أنحاء المنطقة وعلى نطاق مسافات طويلة، ويشمل ذلك استخدام رادارات استهداف ما وراء الأفق ذات الموجات السماوية والسطحية، وأجهزة مراقبة واستطلاع أخرى مثل طائرة الإنذار المبكر والطائرات بدون طيار لتحديد الأهداف البعيدة ودعم الهجمات الطويلة المدى. ويجمع الخبراء على أن قدرات الكلية للأقمار الصناعية تتقدم سريعاً، وتدعّم قدرات أنظمة القيادة التحكم والاتصالات خصوصاً في المجال الجوي.
يبرز الكتاب الأبيض «استعداد الصين القتالي والتدريب العسكري في ظروف القتال الحقيقية»، وقدراتها الجديدة في القتال في غرب المحيط الهادئ وبحر الصين الجنوبي حيث يجري الجيش الصيني تدريبات على خوض الحروب في ظل ظروف معلوماتية (مفهوم صيني يرتكز على دمج القدرات العسكرية الرئيسية مع أنظمة معلومات شبكية متكاملة)، كما طور ممارسات عسكرية ومنصات تدريب بغرض رفع مستوى المعرفة الفنية لدى القوات، حيث لا يسقط من حسابات القادة الصينيين وجود بيئة استراتيجية تشهد فيها المنافسة التي تعتمد على المعلوماتية تزايداً مطرداً، وهو ما يحثهم على الهيمنة على المعلومات في أي صراع مستقبلي، خصوصاً عندما يكون مع خصم متقدم من الناحية التقنية كالولايات المتحدة أو الحلف الأطلسي.

الجيش الذكي
يصنف الكتاب الأبيض أيضاً تحديث وتوسيع القوات العسكرية الصينية بالكامل ضمن الأهداف الدفاعية حيث يقول: «يواجه الأمن العسكري الصيني مخاطر ناجمة عن الطفرة في التكنولوجيا وتزايد فجوة الأجيال التكنولوجية. لذا يجب بذل مزيد من الجهود في التحديث العسكري لتلبية متطلبات الأمن القومي».
يعتبر الكتاب أن جيش التحرير الشعبي، لا يزال متخلفاً عن الجيوش الرائدة في العالم، لذلك فإن الطموح ليصبح قوة «من الطراز العالمي» أو «من الدرجة الأولى العالمية» يقترن، بوعي التفاوت الحالي بين قدراته وتلك المتوفرة للجيش الأميركي. وهذا سيتطلب «تحقيق التطوير المتكامل للمكننة والمعلوماتية بحلول عام 2020، والإسراع في تطوير الذكاء العسكري، وصولاً إلى امتلاك «جيش ذكي» يحوز على قدرات استراتيجية محسّنة إلى حدّ كبير في عام 2035».
المفارقة أن الكتاب الأبيض يتجاهل الزيادات النسبية في النفقات العسكرية الأميركية والصينية على حد سواء، ولا يعالج المعدلات الفعلية للإنفاق من قبل كل دولة.
مطلع عام 2019، لوحظ أن الاستراتيجية الصينية بدأت تأخذ منحى هجومياً أكثر، وذلك كردّ مبطن على الاستفزازت الأميركية في آسيا. فاحتلت بكين في السنوات الأخيرة العديد من الجزر المتنازع عليها في بحر الصين، وجرفت الشعاب المرجانية المهددة بالانقراض وبنت فوقها مطارات مترامية الأطراف وثكنات ومنشآت لصواريخ كروز وأنظمة الدفاع الجوي، حيث غالباً ما تبحر السفن الحربية للبحرية الأميركية في المياه الدولية بالقرب من هذه الجزر المحصنة من أجل تأكيد حقوقها في التنقل في المياه المفتوحة.
وفي 9 كانون الثاني 2019 نشرت الصين ما لا يقل عن 12 مركبة قاذفة تحمل صواريخ بالستية مضادة للسفن من طراز DF-26 (هو أقوى صاروخ مضاد للسفن في الصين. يبلغ طوله 46 قدماً، ويزن طناً، ويصل مداه إلى 4 آلاف كلم) في ميدان تدريب لم يكشف عنه سابقاً بالقرب من Alxa في منطقة منغوليا الداخلية في الصين، رداً على ظهور المدمرة الأميركية «يو إس إس ماكامبيل» في 7 من الشهر ذاته بالقرب من «جزر باراسيل» التي تطالب بها كل من الصين وفيتنام وتايوان.

خاتمة
مع اشتداد المنافسة العسكرية بين الولايات المتحدة والصين، يؤكد الكتاب الأبيض أن قدرة الجيش الصيني على تفعيل الابتكار، سيكون عاملاً حاسماً في مسار هذا التنافس. إن نجاح أو فشل هذا المسعى قد يشكّل التوازن العسكري في المستقبل، ومن المهم الاعتراف بتقدم جيش التحرير الشعبي وطموحاته والتحديات المستمرة في الابتكار لتخفيف مخاطر المفاجأة الاستراتيجية.
واشنطن الآن، تتبع نفس الاستراتيجية الكبرى التي انتهت بالحرب مع اليابان في عام 1941: منع أي قوة آسيوية واحدة من السيطرة على غرب المحيط الهادئ. من جهتها الصين تتحدى هذا الجهد، وتعمل في آن على طمأنة جيرانها من صعود قوتها العسكرية الصينية، والادعاء أن «جيش الصين القوي هو قوة قوية للسلام والاستقرار العالميين وبناء مستقبل مشترك للبشرية».
*
كاتب لبناني