الحزب الشيوعي العراقي بين احتلالين(1)

يوسف محمد طه

التأسيس والبداية: لقد كان مشروع هذا التقييم التاريخي السياسي والأخلاقي للحزب الشيوعي العراقي ما بين احتلالين (البريطاني في بداية القرن العشرين، والأمريكي في بداية القرن الحادي والعشرين) يقوم في تقديم صورة شاملة ووافية لكل ما له علاقة بتكون العراق الحديث. بمعنى التطرق إلى هذه القضية ضمن الحالة العراقية ومسارها التاريخي ضمن الحالة الاقليمية والعربية. إضافة إلى دراسة وتحليل ونقد البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للعراق. ومن خلالها يمكن الكشف عن كل حيثيات ظهور ونمو وتطور وتراكم احدى القوى السياسية الاكثر تأثيرا بمعايير "عصر الجماهير" من غيرها في تاريخ العراق المعاصر من جهة، وأسباب هزيمتها التاريخية والسياسية من جهة اخرى.
غير ان ظروفي الحياتية والصحية قد حالت دون ذلك. وبالتالي، ما اقدمه هنا هو مجرد تقييم فكري سياسي، على امل ان يشترك في توسيعه وتعميقه وتدقيقه كل من كان الحزب الشيوعي وما يزال بالنسبة قوة اجتماعية وطنية ومستقبلية.
فتاريخ الحزب الشيوعي العراقي يفتقد الى تقييم منظومي عميق وشامل. وكل ما نعثر عليه هو أما سرد أو تبرير أو ذوبان في دوغما الشيوعية البائدة!
فقد رفض شيوعيون قدماء الإسهام في كتابة وثيقة تاريخية سياسية عمّدت فعلا بدماء شهدائهم وتضحياتهم وعذاباتهم. ولهذا اسباب اما الجبن من مواجهة الحقيقة، وإما عجزاً عن التفكير والكتابة والتحليل والنقد. وهذا قمة التخاذل والخيانة. الأمر الذي جعل من كتابتها بصورة فردية فعلا لابد منه. فهي إن أمكن القول، وصيتي ما قبل الأخيرة.
إن ضرورة المراجعة التاريخية النقدية للحزب الشيوعي العراقي هي ان لم تكن ذات ابعاد مستقبلية (مع انها مستقبلية بالضرورة، ليس للحزب الشيوعي فقط بل ولكل الأحزاب السياسية العراقية) فعلى الأقل الاعتراف بالعطاء الهائل للقاعدة الشيوعية التي كان اغلبها يتسم بالإخلاص والوفاء حتى الموت لشعارات وقيم الحزب الاجتماعية والطبقية والوطنية والسياسية.

مقدمة تاريخية سياسية للعراق الحديث
لقد جاء الاحتلال البريطاني للعراق ضمن سياق الحرب العالمية الأولى وأهدافها المتعددة. ومن ضمنها اعادة اقتسام العالم ما بين القوى الاستعمارية الأوربية، ومن ضمنها تقسيم التركة العثمانية بين القوى الاستعمارية الأوربية، وتأمين مختلف الطرق إلى الهند "درة التاج البريطاني" كما كانت توصف في بريطانيا آنذاك. في حين جاء الاحتلال الأمريكي للعراق في عدوان صارخ وبذرائع ظهرت لاحقاً، انها كانت مجرد اكاذيب مفبركة. وكان الهدف الإمبريالي الأمريكي يستهدف من احتلال العراق تطبيق استراتيجية عدوانية تجاه المنظومة العالمية من اجل "أمركة" العالم بقوة السلاح انطلاقاً من التمًركز في العراق، بعد التمركز في أفغانستان واسيا الوسطى، ومن ثم توسيعه تدريجا على النطاق العالمي. الا ان هذه الاستراتيجية قد تعثرت في العراق، ومن ثم جرى عرقلتها الكبيرة مع ما فيها من مقدمات اولية لإنقاذ العالم منها. وقد اتاح هذا الفشل الأمريكي الفرصة لعودة روسيا للمسرح العالمي، مع تنامي دور الصين عالمياً.
ويطرح هذا بدوره السؤال التالي: كيف يمكن للعراقيين ان يفهموا تحولاتهم الداخلية والخارجية، وكيف انخرط العراق في سوق الرأسمالية العالمية، وما هي آفاق وإمكانيات التحول العالمي، الذي يؤثر بقوة على التحولات ذات الابعاد الوطنية والإقليمية والعالمية. فمن الناحية المعلومات الاولية المتعلقة بالإجابة على هذا السؤال يمكن العثور عليها في كتب حنا بطاطو الثلاثة عن العراق، باعتبارها دراسة منهجية بهذا الصدد. كما ان الاختلاف معه يمكن ان يعمق فهم تحولات العراق بصورة اشمل وأدق.
لقد وضع حنا بطاطو لبنة أساسية في فهم ودراسة تحولات العراق المعاصر من مختلف جوانبه، الداخلية والخارجية، الاجتماعية والسياسية. من هنا قيمته التاريخية والاجتماعية والسياسية والمعرفية والمنهجية، بغض النظر عن مدى الاتفاق والاختلاف معه بصدد هذا الجانب او ذاك من التقييم.

العامل الذاتي الخلاق.
لقد كتب الكثير حول دور العامل الموضوعي والذاتي وكذلك دور مختلف العوامل الاقتصادية والسياسية والفكرية في التاريخ. وبالاخض في الادبيات الماركسية بمختلف نماذجها من مادية تاريخية ومادية اقتصادية ومادية ديالكنيكية. غير ان استعراض التاريخ الفعلي، يمكن ان يظهر دور العقل والإرادة أو العامل الذاتي، باعتباره الاكثر فاعلية وأثرا في التطور والتاريخ، وان دوره يزداد مع تطور إمكانياته، والتي يمكن ان تتجسد مادياً وروحياً في وسائل وأنظمة متنوعة. حينذاك يتخذ العامل الذاتي صيغة مؤسسة. وتعطيه هذه الصيغة إمكانية التأثير والتطور كما او انه منظومة. بعدها يتخذ تأثيره ابعاد أوسع، ويتجسد بهيئة عامل اجتماعي.
ان فهم التاريخ بصورة علمية ودقيقة وشاملة يفترض النظر اليه من مختلف جوانبه واتجاهاته. ففيما يخص التاريخ الفعلي والماضي منه بالأخص فهو أغنى بكثير من التاريخ المكتوب. وكلما تطور تدوين التاريخ قلت اشكاليات فهمه وتفسيره. تمام مثلما يبلغ علم الفيزياء حالة الفيزياء المطلقة، بوصفه هدف العلم والعلماء، فإن دور العامل الذاتي، وبتعبير اخر، دور الذكاء يتغير جذريا.

التحول الوطني والعالمي
التحول الوطني هو الذي يجري ضمن نطاق الوطن الواحد، وان لم يعد هناك تحول وطني خالص نتيجة تداخل الوطني والعالمي، الذي بدأ بصورة أساسية مع الاكتشافات الجغرافية، وتطور التجارة العالمية. وبلغ انعطافه الكبير بعد الحرب العالمية الثانية وانبثاق الأمم المتحدة عام 1945.
أما التحول العالمي، فما زال في بدايته، ومن ثم، فإن إشكالاته وتطوره ليست مرئية بعد. وبالتالي فان التحول الوطني والعالمي، يمكن ان يكون اكثر تعقيداً وإشكالية، خصوصاً وان التحول الوطني غير منجز لغاية الآن. بينما التحول العالمي اكثر اشكالية بكثير من التحول الوطني. ولا نعلم لغاية الان كيف يمكن ان يؤثر التحول العالمي على اشكاليات العلاقة بين الوطني والعالمي، وبالاخص في ظل غياب الرؤية والإرادة والوحدة في الأهداف والمصالح. إن إشكالية واحدة مثل إشكالية التغيير المناخي، تثير هذا الاختلاف بين مختلف الأطراف. من هنا النظرة المتشائمة تجاه مصير البشرية. بمعنى ان لها أسباب ودواعي عديدة.

المرحلة الأولى من تكوين العراق المعاصر
يرتبط تاريخ العراق ارتباطا وثيقا بالرأسمالية العالمية المعاصرة من حيث تحطيمها للبنى التقليدية، ونشوء وتطور التبعية. فقد ادت هذه العلمية الى انهيار الدولة العثمانية وما تتبعه من انهيار للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية القديمة. اما انتصار بريطانيا فقد ادى الى تكوين قوى وعلاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية جديدة.
مع انهيار الدولة العثمانية، انهارت مختلف البنى التقليدية الاجتماعية في العراق، والتي كانت تتسم عموما بالجمود. ومع انتصار بريطانيا في العراق نشأت وتطورت قوى وعلاقات جديدة تتسم بالنمو والحركة. وهي تغيرات ارتبطت بتركيبة واهداف هذه القوى وعلاقاتها. وكان من ابرز هذه التحولات بداية توسع التجارة والحرف والصناعة، ونمو المدن، وتوسع العلاقات الخارجية للعراق، ونشوء صلات وعلاقات اقتصادية وثقافية وسياسية جديدة.
وفي خضم التحولات الداخلية في العراق، كان نمو الثقافة والوعي الماركسي والشيوعي قد حدث بصورة مبكرة، أي منذ مطلع عشرينيات القرن العشرين. ان نمو الوعي الماركسي والشيوعي في العراق أدى الى ظهور الحزب الشيوعي (العراقي) الذي لعب دوراً متزايداً وهاماً في الحياة السياسية والثقافية العراقية. وعشية تموز عام 1958 وما بعدها برز الحزب الشيوعي العراقي بوصفه قوة هامة ورئيسية في العراق. بحيث بات بنظر الدوائر الإمبريالية آنذاك يهدد مصالحها في العراق والمنطقة وعلى النطاق العالمي أيضا. لذلك اشتد الصراع حول العراق وفي العراق. وهي صراعات اثرت بصورة سلبية على مجمل تطوره الاقتصادي والسياسي والثقافي. بحيث أدت به في نهاية المطاف الى انتكاسة أخرت مسيرته الذاتية وتطوره المستديم. بينما كان بإمكان العراق ان يكون نموذجا متقدما وبصورة مبكرة في تاريخ المنطقة.
لقد واجه العراق الاحتلال البريطاني عام 1917 بانتفاضة شعبية في حزيران 1920، وكان بإمكان هذه الانتفاضة الشعبية ان تحقق الكثير للعراق، إلا ان الذي حال دون ذلك هو التخلي عن السلطة من جانب الثوار إلى طرف اخر تابع للاحتلال البريطاني. مما أدى إلى أن يكون حصاد الانتفاضة الشعبية العراقية في بيدر الخونة والقوى الانتهازية. ولم يكن ذلك معزولا عن احد الاسباب الرئيسية لهذه النتيجة، ألا وهو موقف مرجعية النجف الشيعية من السلطة والدولة آنذاك. مما حال دون تحقيق اهداف ثورة العشرين، باعتبارها احدى اهم الإنجازات الوطنية العراقية الكبرى آنذاك. اضافة الى ما فيها من آفاق لإفشال الخطط البريطانية في السيطرة على المنطقة. لكن كفاح الشعب العراقي استمر وتواصل في ظل تغيرات وتحولات داخلية وخارجية، اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية كبيرة. ويمكن اعتبار وثبة كانون ثاني عام 1948 محطة ثانية كبرى في طريق تحرر العراق وتقدمه، والتي بلغت ذروتها الأولية في الرابع عشر من تموز عام 1958. إلا ان مسيرة الشعب العراقي الناهضة والصاعدة أجهضت في الثامن من شباط عام 1963.
ويمكن تقسيم تاريخ العراق الى مرحلتين اساسيتين بهذا الصدد. المرحلة الأولى والتي بدأت بالاحتلال البريطاني عام 1917، والثانية بالاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003. ففي المرحلة الاولى جرت في ظل توازنات عالمية وإقليمية ومحلية وقوى تلازمها مناهضة للغزو الكولونيالي البريطاني، بينما جرت في الثانية في ظل توزانات موازية من قوة وهيمنة المراكز الكولونيالية الجديدة ولكن في ظل تأييد وترحيب سياسي من جانب المرجعية الدينية الشيعية في النجف وحركات الإسلام السياسي والتيارات المدنية.
وبغض النظر عن كل ما جرى ويجري، فان النتيجة التي لا مجال لشك فيها هو ان العراق سوف يقبر الاحتلال والوجود الامريكي فيه كما فعل قبل ذلك تجاه الاحتلال البريطاني، أي نفس تقاليد الاحتلال الانجلوسكسونية. (يتبع.....)