الحزب الشيوعي العراقي بين احتلالين (4)

Submitted on Fri, 09/13/2019 - 12:57

يوسف محمد طه

لقد توفي يوسف اليوم. لهذا لا يمكنني إرسال المقال إليه وهو على فراش الموت لكي يرى ما كتبه. إلا أن ذلك لا يعيق نشر كل ما كتبه بهذا الصدد. لاسيما وأن كل ما فيه عميق الارتباط الوجداني والعقلي بالمصالح الكبرى للعراق والعالم العربي. فقد أرسل لي قصاصة (الكترونية) قبل موته بيوم يقترح فيها تعديل العملية السياسية في العراق وضرورة بلورتها في مقال أو برنامج سياسي. ولا غرابة في الأمر، فقد كانت تلك هي شخصيته على الدوام. وأملي في أن الموت يحاصر روحه الهائجة ويعطي لها الهدوء والسكينة. على أمل أن تأخذ الأجيال اللاحقة هذه المهمة على عاتقها. فللعراق والعالم العربي أهله على الدوام.

ميثم الجنابي

***

بداية الهزيمة التاريخية للحزب

لقد كانت بداية الهزائم السياسية الكبرى والصغرى مرتبطة بأسباب عديدة اجتماعية وبنيوية وثقافية واقتصادية وسياسية. لكنها في الوقت نفسه كانت أيضا جزء من تعمق التجربة السياسية. ومع ذلك كانت تحتوي على عناصر بنيوية ملازمة للخلل الجوهري الذي سيكشف عن نفسه للمرة الأولى بصورة قوية بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958. حزب جماهيري هائل والأقوى في العراق آنذاك ويقابله قادة بلا إرادة مستقلة ولا جرأة ولا شجاعة. لاسيما وأنها صفات ينبغي ان تكون عضوية وجوهرية في الشخصية القيادية. ووجد ذلك انعكاسه التاريخي الأكبر في تعرض الحزب عام 1963 إلى هزيمة تبين لاحقا بأنها هزيمة تاريخية قصمت عموده الفقري، بحيث لم يستطع الإفاقة منها لعدة عقود وحتى اليوم.

إن تعرض الأحزاب السياسية لصدمات وهزائم مريرة حوادث طبيعية ولا يمكن التحرر منها بصورة كلية ومطلقة. غير أن الأهم من ذلك هو كيفية الصمود وتذليل الهزيمة.

فما الذي جرى بعد عام 1963 على مستوى القيادة الشخصية وبرامج البدائل؟ إن البديل الأول والأكبر آنذاك كشف في وقت لاحق عن خوائه وطابعه التخريبي الشامل. لقد ابتدأ ببديل في مجال القيادة هو الأكثر سخافة وتفاهة في تاريخ الحزب بتولية عزيز محمد القيادة والتي استمرت من عام 1964 حتى 1993، أي كل تلك المرحلة المفصلية التي جعلت من الحزب قوة خائرة ومتحللة وآيلة إلى الدمار الذاتي والانحلال شبه التام. 

وبدأ ذلك باجتماع براغ للجنة المركزية، التي جرى فيه انتخاب عزيز محمد سكرتيراً للجنة المركزية. وهو قرار "نموذجي" للخطأ والخطيئة دفع الحزب ثمنا باهظا له فيما مضى وحتى الآن ولفترة مستقبلية قد تطول أو تقصر ما لم يجر القضاء التام على هذا النوع والنمط من القيادة الحزبية. ولم يكن ذلك معزولا عن الطبيعة "الشريرة" القائمة في نفسية وذهنية قيادات الخط الأول الممثلة الفعلية للمؤامرة والمغامرة من اجل السلطة الضيقة والمبتورة عوضا ان يكون سلوكها محكوما بفكرة الدفاع عن المصالح الاجتماعية والوطنية. فقد كان "انتخاب" عزيز محمد نتاج مناورة مؤامرة قام بها عامر عبد الله وبهاء الدين نوري. وهو أمر يكشف عن التقاليد الانتخابية في الحزب آنذاك، ولحد الآن. انها مجرد استمرار لتقاليد عتيقة ميتة ومن ثم مليئة بقيح الفردية الأنانية الضيقة وحب "الزعامة" التافه، والذي كشف المسار اللاحق عما فيها من كمون يقترب من معنى الجريمة والخيانة الفعلية.

لقد كان عزيز محمد "الوسطي والتوفيقي" مجرد خدعة سياسية تكشف بلادة "الأذكياء" من قيادة الحزب آنذاك الذين اعتقدوا بأنهم يتعاملون مع دمية يمكن التحكم بها، أي دون أن يدركوا بأن التقاليد الشيوعية القديمة والحالية لا علاقة لها بالذكاء والكفاءة، بل هي محكومة بقوة "المركز" و"الموقع". وذلك لأن نمط "القيادة" مبني على اساس علاقة التابع بالمتبوع والسيد بالمسيود والعبد بمالك العبيد! من هنا يمكن لأكثر الناس بلادة وغباء وانعدام للكفاءة ان يكون "قائدا فذا" يحكم الجميع بما في ذلك بمعايير البلادة!

وليس مصادفة أن يتحول عزيز محمد في مجرى الصراع والخبرة إلى بهلوان وداهية في آن واحد. فبعد ان عاد بهاء الدين نوري ومهدي الحافظ في تشرين الثاني عام 1964 إلى العراق، أي بعد ما يسمى "بخط آب" عندما كان عمر الشيخ المسئول الحزبي الأول بالوكالة. وعندما جرى اعتقاله في أواخر كانون الأول أصبح بهاء الدين نوري المسئول الحزبي الأول. وقد تحول هذا التقاليد الذي اتبعه عزيز محمد إلى نمط ونهج متواصل وسائد في تعاقب الأكراد على قيادة الحزب. حيث بات مصدر "المركز" والقوة" بيد الأكراد كما نراه على نماذج عزيز محمد وكريم احمد وعمر الشيخ وبهاء الدين نوري. ولاحقا سوف تستفحل بصورة يصعب تفسيرها بمعايير الانتماء الصادق أو الكفاءة والاحتراف والمعرفة.

لم يستمر خط آب لعام 1964، على الاقل من الناحية الظاهرية فترة طويلة. إذ جرت محاولة تصحيحه عام 1965 والتي قادها آنذاك عامر عبد الله. لقد كانت تلك أقرب ما تكون إلى محاولة التكفير عن الذنوب السابقة. حيث جرى اجتماع الهيئة القيادية في بغداد في الثامن عشر من نيسان عام 1965 والذي استمر لأربعة أيام، حيث اقرت فيه وثيقة "العمل الحاسم". لكنها محاولة لم تخل من تقلبات وتراجع يمكن العثور على مختلف حيثياتها في ما اورده حنا بطاطو عن تفاصيل مراسلات مركز بغداد مع مركز براغ حول "العمل الحاسم".

إن هذا التذبذب مرتبط اولا وقبل كل شيئ بعدم نضوج القيادة السياسية والفكرية للحزب، وهيمنة الأقلية والاطرافية في مركز الحزب، ونفسية الهزيمة، وضعف البنية الاجتماعية للعراق ككل. ولعل تذبذب الحزب في سياسته العملية المبنية في أغلبها على رد الفعل وليس على اساس رؤية استراتجية بعيدة المدى وقدرة تكتيكية مناسبة هو دليل على ذلك. لهذا نرى انعدام المبادئ الثابتة والقواعد المتغيرة. من هنا تطرف القيادة باتجاه "اليسار الثوري" عندما يكون هناك تراجع في المد الجماهيري، وبالمقابل تراجع صوب "اليمين" عندما يكون هناك نهوض جماهيري!

وهذا كله ليس فقط نتاج ضعف إمكانيات التقدير السياسي عند "أطفال الشيوعيين"، بل والطبيعة الرخوية للقيادة المشبعة بتقاليد الرثة الاجتماعية. من هنا كان الاهتمام الأكبر فيما يمكن دعوته بلعبة القيادة، كما لو أن العملية السياسية المعقدة التي كان يمر بها العراق، يمكن حلها على اساس لعبة المسترخين على وثائر التضحيات الجسام للمجتمع، في غرفة الشطرنج الحزبية. ومن الممكن التدليل على ذلك في ما تورده مذكرات القادة الحزبيين آنذاك. إذ يشير بهاء الدين نوري، على سبيل المثال، في مذكراته عن أن منظمة اقليم كردستان للحزب الشيوعي كانت أكبر منظمات الحزب الشيوعي عام 1966. وفي نفس العام يعود عزيز محمد ليصبح سكرتير اللجنة المركزية لبغداد. وبالمقابل ينتقل بهاء الدين نوري لقيادة منظمة اقليم كردستان. وأخذ عزيز محمد بتأييد اتجاه "العمل الحاسم" في مرحلة عارف، بعد ان كان يرفضه في رسائل براغ لعام 1965، كما نقل لي ذلك باقر إبراهيم في أحد احاديثه الشخصية معي. وفي عام 1967 يجري اجتماع اللجنة المركزية في بغداد بقيادة عزيز محمد، وبأثره يجري رفع عزيز الحاج إلى عضو المكتب السياسي. وفي صيف نفس العام يغادر عزيز محمد العراق، وعوضا عنه يصبح زكي خيري في قيادة الحزب بالوكالة. وبأثرها يعود بهاء الدين نوري إلى بغداد، بينما يصبح كريم احمد في رئاسة قيادة منظمة الإقليم.

وبعد هزيمة حزيران عام 1967 يرفع عامر عبد الله شعار "حكومة دفاع وطني". ويجري استكمالها بانشقاق أيلول من نفس العام بقيادة عزيز الحاج. وقد كان آنذاك من أعضاء المكتب السياسي في بغداد كل من زكي خيري وبهاء الدين نوري وعزيز الحاج نفسه. حيث يأخذ عزيز الحاج باعتقال بهاء الدين نوري وزكي خيري حسب رواية بهاء الدين نوري نفسه في مذكراته. وجرى عقد الاجتماع الطارئ للجنة المركزية في الثالث من تشرين أول عام 1967 في بغداد بغياب زكي خيري، الذي كان آنذاك معتقلا لدى عزيز الحاج كما جرت الإشارة إليه أعلاه. وفي نفس العام يجري عقد الكونفرنس الحزبي الثالث في نهاية كانون أول، حيث يجري فيه اقرار تجديد قيادة عزيز محمد للحزب. وبأثر انقلاب تموز عام 1968 وطبيعة الظروف والأسباب الداخلية والخارجية القائمة وراءه يأخذ توجه الحزب الشيوعي من جديد نحو "العمل الحاسم".

إننا نقف هنا أمام مراهقة سياسية لم تنضج في تاريخ الحزبي وقياداته في مجرى أشد المراحل دموية وديناميكية. الأمر الذي يجعلنا قادرين على افتراض مستوى إدراك القادة الجدد للانقلاب (البعثي) لعام 1968 لطبيعة الحزب وقادته. ويمكن رؤية ذلك في الطريقة الجديدة لمواجهة الحزب الشيوعي. حيث بدأت مرحلة ما يمكن دعوته باحتواء الشيوعيين بدلاً من البطش بهم كما كان الحال في الماضي (منذ انقلاب الثامن من شباط عام 1963). فقد كان آنذاك عبد الرزاق النايف مدير الاستخبارات العسكرية ورجل المخابرات البريطانية. بينما كان إبراهيم الداوود آمر لواء الحرس الجمهوري ورجل المخابرات الأمريكية. وبالمقابل ظهر موقفان في قيادة الحزب الشيوعي تجاه سلطة البعث الثانية، تيار رافض لهذه السلطة، وآخر يدعو للتريث وينتظر تطور الأحداث. ووجد ذلك انعكاسه في المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي في أيلول عام 1970 ونتائجه وقراراته. والحصيلة هي موقف توفيقي بين التيارين. ونرى هذه الملامح أيضا في الموقف من الجبهة الوطنية، حيث كان التصويت في الاجتماع الطارئ للجنة المركزية في تموز عام 1973 بخصوص إقرار الجبهة الوطنية هو الفوز بأغلبية ثمان أصوات مقابل سبعة معارضة.

أما الأحداث اللاحقة فقد سارت بمسارها الدرامي والدموي والمجهول بقدر واحد. ففي البداية حدث انهيار الحركة الكردية المسلحة في آذار 1975 بعد اتفاقية الجزائر بين صدام حسين وشاه إيران. وفي عام 1976 جرى انعقاد المؤتمر الوطني الثالث للحزب الشيوعي في بغداد. وفي آيار 1978 بدء تفكك وانهيار الجبهة الوطنية بأثر إعدام واحد وثلاثين شخصا من اعضاء الحزب الشيوعي وأنصاره بذريعة كاذبة.

لم يكن سلوك السلطة البعثية (وصدام بالأخص) عشوائيا، بل كان قرار مبنيا على اساس استراتيجية تفكيك الجبهة الوطنية وسحق الحزب الشيوعي في وقت وظروف اعتقد حزب البعث وقادته آنذاك، بأنه الاكثر ملائمة للقيام به من اجل الانفراد المطلق بالسلطة. غير أن التطور اللاحق أظهر كم كانت الجبهة الوطنية حاجة ضرورية للشعب والعراق. ولم يدفع الشعب والعراق ثمن ذلك القرار، بل وحزب البعث وصدام نفسه، سواء في مجرى الحروب الدائمة والحصار ونهايته في الغزو الامريكي. والنتيجة هي اعدام صدام والبعث، عبر تقنين "اجتثاثه" أو  اعدامه السياسي والأخلاقي التاريخي والمستقبلي.

وحالما نعود إلى تلك الفترة وتقييمها بمعايير السلوك السياسي التكتيكي للحزب، فإن الشيئ الأول والظاهر للعيان هو أن الحزب لم يكن يمتلك ولم يتقن اسلوب وتكتيك الانسحاب المنظم. لقد جرى كل ذلك آنذاك بصورة عشوائية حيث ترك اعضاء الحزب وجماهيره فريسة "للخلاص" الفردي والهروب الهائج. وقد كان من الممكن تخفيف وتخفيض كمية الخسائر فيما لو كان للحزب رؤية عملية بصدد كيفية التراجع. أما قرار "الذهاب" إلى كردستان من اجل اسقاط السلطة فقد كان يحتوي بقدر واحد على رؤية وهمية  لا علاقة لها بالواقع وإمكاناته من جهة، وأسلوبا لتفريغ أية إمكانية نقدية لسياسة الحزب زمن "الجبهة الوطنية" وما تلاها من أحداث. فقد كان قرار الذهاب إلى كردستان قرارا "كرديا" لا علاقة له بإمكانية المواجهة الفعلية ضد السلطة الدكتاتورية الآخذة في التكامل. وذلك لأنه تم ليس من خلال دراسة الواقع وإشكالاته وآفاقه وحالة الحزب وإمكاناته الفعلية، بل باتفاق شخصي وفردي جرى في لقاء عزيز محمد مع بهاء الدين نوري في موسكو في عام 1987 وفقاً لمذكرات بهاء الدين نوري نفسه.

 تكشف هذه الحالة النموذجية عن الأثر السلبي الجلي للتركيبة القومية في قيادة الحزب. لقد كانت مظاهرها ونتائجها تتصف بقدر هائل من التخريب. واستفحلت هذه الظاهرة لكي تصبح قضية جوهرية في الجدل الظاهر والمستتر ومن ثم تستقطب الطاقات في اتجاه لا علاقة له بطبيعة الحزب الشيوعي وأيديولوجيته وفلسفته وغاياته. غير أن الواقع فرض هذه "الفريضة الغائبة" والقائلة، بأن المسار الطبيعي والضروري للأحزاب الاجتماعية الكبرى ينبغي ان تعتمد على الفئات والطبقات الاجتماعية القادرة على مدّها بالقوى والطاقة. وفي حالة العراق لم يكن بإمكان اية قوى تقديمها غير قوى الوسط والجنوب العراقي. ولعل الأحداث الدامية بما في ذلك في ظروف العراق الحالية بعد الاحتلال قد جعلت من هذه النتيجة أقرب ما تكون إلى بديهة سياسية.

ففي اجتماع اللجنة المركزية لعام 1990، طرحت للمرة الأولى مهمة مراعاة التركيب القومي في قيادة الحزب. ووفقاً لمذكرات بهاء الدين نوري، فقد جرى انتخاب حميد مجيد موسى باعتبارها خطوة في تخليص الحزب من سياسة التكريد الغبية. وهي خطوة اتخذت تحت ضغط الخروج شبه الجماعي للكوادر الحزبية العربية من الحزب الشيوعي. لقد بات الحزب كردياً، أي ليس شيوعيا بالمعنى الدقيق للكلمة. بل لا يمكنه أن يكون كذلك. بحيث لم يعد هناك أي مبرر لبقاء الشيوعيين العرب في حزب شيوعي مستكرد. وجرت الموافقة على قيادة حميد مجيد موسى للحزب في المؤتمر الخامس عام 1993. مع أن ذلك لم يغير شيئا. فقد استمر الخط التنازلي للهزيمة، وذلك بسبب تسوس الحزب الذي جرى اساسا لتكريده وتحويله إلى تابع ذليل للأحزاب الكردية القومية (العرقية والاثنية). وهي حالة فريدة في تاريخ الحركة الشيوعية العالمية! وليس مصادفة أن تكون فترة الحزب ما بين 1980 وعام 2017، أي ما بعد انهيار الجبة الوطنية وانحسار الدور التاريخي للحزب وحتى الظروف الحالية هي سنوات العجاف والجرائم والخيانة الوطنية. فقد كانت تلك مرحلة القيادة الباهتة لعزيز محمد ولاحقا لحميد مجيد موسى، أو حميد البياتي كما كان يسمى سابقاً. وبالتالي، فإن الإبقاء على الاسم دون اللقب كان يحوي في اعماقه على خجل مبطن وسياسة مستمرة لما سبق.

لقد ارتكب عزيز محمد وحميد البياني جرائم كبرى بحق الحزب الشيوعي. واتسم سلوكهم بوعي او دون وعي بمواقف تتسم بالخيانة وليس بأخطاء سياسية يمينية أو يسارية. أما السبب الجوهري لما اسميته بالسنوات العجاف فيرتبط بالشعار الاستراتيجي الخاطئ للقيادة آنذاك. فقد كان شعار وإستراتيجية الحزب حينذاك تقوم على اساس إسقاط النظام البعثي في ظل ظروف غير ملائمة وإمكانات محدودة وضعيفة وهشة، أي ليست واقعية على الاطلاق. وبالتالي تحول الى شعار وإستراتيجية كم الأفواه النقدية عبر احراجها بمهمات "الذهاب لكردستان" من اجل اسقاط الدكتاتورية! وهي مهمة لا تختلف كثيرا فيما لو جرى مطالبة رفاق الحزب بإسقاط السلطة من خلال تجميعهم في جزيرة سوقطرة اليمينة! لقد كانت قوة النظام الدكتاتوري هائلة للغاية. بينما كان الشمال العراقي لا علاقة جوهرية له بالعراق، كما لم يكن اكثر من جبال ومغارات للأحاديث الحزبية واللغو السياسي الفارغ وأكل البرغل! فالتجربة التاريخية اللاحقة سواء من حيث مجرياتها ونتائجها كشفت عن ان اسقاط نظام البعث الصدامي كان بحاجة إلى قوة هائلة. ولم يستطع القيام بها، على الأقل من الناحية العسكرية، سوى التحشيد الامريكي الهائل وتجميع قوى "التحالف الدولي"، أي مراكز الكولونيالية القديمة تحت غشاء "ديقراطي" مهلهل. لكنه ناجح. ذلك يعني أن سياسة الحزب السابقة في الصراع العسكري مع النظام لم تكن أكثر من محرقة استراتجية وسياسة زج بها قوى الحزب وأنصاره العربية أولا وقبل كل شيئ. أما قيادة رائد فهمي، بدأ من المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي المنعقد في كانون اول عام 2016 فقد كانت من حيث دوافعها وأساليبها وغاياتا استمرارا لما سبق. إذ بقى حميد مجيد موسى البياتي السكرتير الفعلي. بمعنى قيادة خنيث لمجموعة خنثى. الأمر الذي يضع مهمة الاجابة على السؤال المتعلق بكيفية تقدم رائد فهمي وجاسم الحلفي من مزبلة عزيز محمد وحميد البياتي. فضلاً عن ان جاسم الحلفي مازال مخلب كردي مغروز في جسد الحزب الشيوعي. ومع ذلك تبقى إمكانية الواقع تحتوي على كافة الاحتمالات. الأمر الذي يشرعن السؤال المتعلق عما إذا كان بإمكان الحزب الشيوعي ان يتعافى، وعما إذا كان ذلك ممكنا وضروريا؟

 لقد استمعت لمحاضرة رائد فهمي في الجالية العراقية في مالمو/ السويد في التاسع عشر من تشرين أول عام 2018. وفيها يمكن تلمس وجود رؤية سياسية ناضجة نسبيا وتحتمل إمكانية التطوير. لكن من الضروري التوكيد هنا على ان هذا التحول الإيجابي أو النبتة الأولية أو البذرة القابلة للنمو تبقى في نهاية المطاف نتاج الضغط الخارجي للواقع وأنصار الحزب أكثر مما هي إعادة نظر نقدية وبنيوية عميقة لتاريخ الحزب وتأمل المستقبل. بعبارة اخرى،يمكن لهذه الضغوط أن تستمر. وبالتالي تفرض تطوراتها المختلفة. غير أن هذا يتطلب التخلص من كل النتائج التي ترتبت على الأخطاء السابقة. وخصوصاً الموقف من الاحتلال الأمريكي للعراق. فهل رائد فهمي ورفاقه على قدر هذه المسؤولية والمهمة؟ إن الإجابة على هذا السؤال متروك لأحداث الحاضر ومجريات المستقبل. وهي امور وجوانب تثير التشاؤم أكثر من التفاؤل. وذلك لإننا نقف في الواقع أمام استمرار حميد مجيد موسى سكرتيرا فعليا للحزب الشيوعي. وهو الشيئ الذي يضع علامات استفهام عديدة أخرى. فضلاً عن انه يجري الحديث عن إمكانية عودته مرة ثانية سكرتيراً للحزب الشيوعي. بمعنى استنساخ تجارب الديمقراطية الصورية، أي المزيفة. وخطورة هذه الظاهرة تقوم في أن جميع المعلومات المتوفرة عن شخصية حميد مجيد موسى كانت من الناحية الفعلية تشير إلى انه السكرتير الفعلي للحزب. بمعنى تخفيه خلف رائد فهمي. وبالتالي، فإن رائد فهمي هو مجرد واجهة أو ألعوبة بيد حميد مجيد موسى. وهذا يعني أن مزبلة عزيز محمد مازالت تحكم الحزب الشيوعي العراقي. إلا أن العمل السياسي العلني ولأسباب عديدة اخرى، لن يسمح فيما يبدو، أو كاحتمال أكبر ان تتحكم مزبلة عزيز محمد بالحزب الشيوعي العراقي لفترة طويلة قادمة!! إذ للعمل السياسي العلني روافعه في تصحيح الحياة الحزبية الداخلية لمختلف الأحزاب. كما يمكن للعمل السياسي العلني تصحيح الحياة الداخلية لمختلف الأحزاب السياسية الموجودة حاليا. وبغض النظر عن الإمكانية الإيجابية الكامنة فيما اسميته بالنبتة المحتملة لتطور وازدهار قوة الحزب من جديد، فإنها لا يمكن أن تكون نبتة الاشتراكية والشيوعية أو لأجلهما. (يتبع....)

***

يوسف محمد طه