شيوعيتان: بنيوية وطبقية ماركسية/1

عبد الأمير الركابي

الاعتقاد السائد والغالب بخصوص الشيوعية، هو من دون شك ذلك الذي جاء به ماركس عند منتصف القرن التاسع عشر ـ وهو قرن علم الاجتماع "اخر العلوم" ـ في غمرة الثورة البرجوازية والانتقال الراسمالي الأوربي "المصنعي"، وهو كما اجمالي أفكار الحداثة ومباديء الثورات البرجوازية حظي على مدى اكثر من قرن ونصف القرن بغلبة كاسحة، ان لم تكن أحادية، كرست هي أيضا مع تبلورها وبفعل فذلكاتها النظرية، فكرة جدة المفهوم وعصريته بما انه مرهون باخر مراحل الانتقال التاريخي، اللاحق على طور الانتقال من الاقطاع العتبة الأخيرة قبل الانتقال ضمن سلم وتسلسل المراحلية التاريخية كما تقررها "المادية التاريخية" احدى اهم مرتكزات الماركسية ومضوعاتها.
لم تبق الماركسية من مجال او فرصة تتيح مراجعة ما في الموضوع مدار البحث، وقدكرست بقطعية وحسم، ان الشيوعية طوران ضمن مراحل تاريخية متعاقبة خمسة،"اول بدائي" واخير يلوح في الأفق وعند النهاية، هو "الأعلى"، ولم يكن الزمن او الظرف او الاختبارات العملية قد اتاحت بعد مايكفي من فرصة تبيح التوقف عند مثل هذا الاطلاق، فالماركسية تقع في الاجمال ضمن المنجز الحداثي، وكتلته الهائلة والسامية من المنجزات، وثورة المعارف الطاغية عالميا، والتي لم تترك في حينه وموضوعيا أي مجال لسواها، بالاخص من ناحية كونها "الممكن الوحيد"، كل هذا كان من شانه ان يجعل من تلقوا نظرية الصراع الطبقي والثورة البروليتارية على صعيد العالم ماخوذين ببداهتها شبه الايمانية، والتي لاياتهيا الباطل من بين يديها ولا من....
في العراق حدث الشيء نفسه، جرى تلقف الشيوعية بحماس ملفت غير عادي،قال عنه مدير الشرطة السياسية، او مدير الامن بهجت العطية "انتشرت العقائد ( الشيوعية) انتشارا واسعا في المدن الكبيرة ... الى درجة ان الحزب اجتذب اليه في أيامه الأخيرة مايقرب من خمسين بالمئة من شباب الطبقات كافة .. ووجدت ( الشيوعية) طريقها كذلك الى السجون التي صار لها، لفترة من الزمن مظهر مؤسسات تعليمية شيوعية "(1).
ولاياتوانى باحث من نوع حنا بطاطو من ايراد خبر ـ يفترض ان يورد بحيادية ـ بصيغة احتفالية غير منسجمة مع فرضية البحث المستقل عن الظاهرة المتناولة فيقول: " ولكن الشيوعية كانت بعيدة عن الموت وأصبحت في الخمسينات هوى اكثر قوة، وصارت افكارها تثير مشاعر قريبة من حدود الايمان، واتخذت عند كثير من الشباب قوة كونها غير قابلة للجدل، واثرت بلاغتها وطباعها وطريقتها حتى على تفكير معارضيها، وفي السنوات الأخيرة من العهد الملكي صار حزب الاستقلال اليميني، وبرغم كل ابتعاده عن الروح الماركسية يتحدث ويرطن بطريقة ماركسية. وفي عام 1951 ، وقبل ان يتعلم العامة التمييز بين" الاشتراكية" و " الشيوعية" سمى صالح جبر، الذي كان ذات مرة رئيسا للوزراء، والمستند كليا الى ملاك الارض والمشايخ القبليين اشباه الاقطاعيين، الحزب الذي اسسه "حزب الامة الاشتراكي"، ولم يكن الا واحدا من كثيرين لبسوا في ذلك العقد عباءة الاشتراكية بامل كسب شي من الشعبية التي لها"(2)، وليست هذه سوى لمحات من معطيات الاستدلال العملي الزاخرة المتشابكة والثرة التي ازدحم بها تاريخ العراق الحديث منذ الثلاثينات، تاريخ تاسس الحزب الشيوعي في جنوب العراق، في مدينه الناصرية التي يقول عنها بطاطو : "وهي بلدة مشهورة بروح الحرية التي لاتقهر".
ولايفترض ان يكون هذا المظهر بالعارض، فالناصرية هي مركز اتحاد قبائل المنتفك بداية تشكل العراق الحديث بين القرنين السادس والسابع عشر، والمقصود، تاريخ الدورة الحضارية العراقية الثالثة الحالية في موضع يمتاز تاريخه بالدورات والانقطاعات، ضمن وحدة وتميز خاص، حدث الانقطاع الأول بعد سقوط بابل وانتهاء الدورة الأولى الحضارية السومرية البابلية، وحدث الانقطاع الثاني الأخير مع سقوط بغداد عاصمة الإمبراطورية العباسية عام 1258، والمنتفك او الناصرية، هي نفسها سومر الأولى الموئل الأول، وموضع الخطى الأولى للحضارة الإنسانية، وهي اذ تعرف اليوم بدايات التشكل الوطني الحديث، وتاسيس الحزب الشوعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي ( فهد/ فؤاد الركابي) فانها تضمر وقتها دلالة جديرة بانتباه لم يحصل ان لم يكن ومايزال غير ملاحظ.
ومن المهم ان نعرف بان محاولات تأسيس كل من الحزبين انفي الذكر، كانت بدات بالاصل في بغداد، والحزب الشيوعي تعود جذور محاولات تاسيسه الى العشرينات، لكن من دون جدوى، ولا أي نجاح يذكر، والشيء نفسه انطبق على بدايت حزب البعث البغدادية، الأقرب للثقافية، والتاثيرات العربية الشامية. وسيكون مما يستوجب التوقف ان البدايات الشيوعية في الناصرية والبصرة، قد بدات بصدام مع الدين ورجالاته ضمن مناخ يفترض انه متكلس وشديد الايمانية، او الأكثر " تخلفا" كما يقال في العادة، ومع ذلك فان الصدام المذكور لم يؤد الى تراجع جماهيرية الشيوعية الناشئة هناك، بغض النظر عن ميلها هي ذاتيا لتغيير نمط تعاملها مع تلك الناحية الموروثة والراسخة من المعتقدات.
وفي مناسبة أخرى يعود بطاطو محاولا وصف الناصرية ومحيطها فيقول "وكان التمرد يكاد يكون الطبيعة الثانية لاهل المنتفك ، ولم يكن سكان اية محافظة أخرى من محافظات العراق اكثر غيره من سكان المنتفك على حريتهم، او اكثر ازدراء للقانون، او اكثر معارضة لاي شكل من اشكال الحكم، وكتب ضابط بريطاني في العام 1919 يقول "يمكن مقارنة عرب المنتفق بالبارود الذي يمكن لاية شرارة ان تفجره"(3) وتلك بالأحرى خاصيات مكانية وتاريخية سابقة بالطبع على الماركسية الوافد الجديد، يدعمها ملمح تكويني بنيوي "وكانت نتائج هذه هذه الأوضاع ذات الأهمية الخاصة بالنسبة الى دراستنا هذه هي النظر الى حكومة بغداد، المحطمة تقليديا للقبائل وللمدن ـ الدول، باعتبارها عدوا"(4) ما يدل على عمق الانشطار المجتمعي الأصل والذي يستبعد تماما ان تكون الماركسية والشيوعية الطبقية قد شكلته هي بحضورها القصيرالحديث، مع انها كما يبدو من الملاحظة، وعلى عكس ماهو معتمد بحسب المنظور الايديلوجي، هي التي تاثرت به وبطبيعته البنيوية والتعبيرية.
وفي مقارنة دالة يجريها بطاطو مع حالة الماركسية والشيوعية في مصر، ينتهي الى الاستنتاج او الخلاصة التالية : "وفشلت الشيوعية في ضرب جذورها في تربة محلية، وفقد السوفيت اهتمامهم بعد تنامي توجههم نحو الداخل اكثر فاكثر. وهكذا وحتى الحرب العالمية الثانية، نادرا ما احتفظت الأفكار الشيوعية ببريقها الا عند خلايا قليلة ومبعثرة في مصر" 31 الامر الذي سيظل سمة مواكبة لتارخ الشيوعية المصرية، بما يوحي بالمقارنه، ان ثمة واقع سابق على حضور الماركسية، يكون مهيأ لاستقبال الفكرة الجديدة، لدرجة تجعلها اقرب الى افرازات الواقع، بينما هي قد تظل نظرية وبرانية اذا لم تجد "التربة" الملائمة.
لم يسبق من قبل ان بحث احتمال "ماقبل الشيوعية" بحسب المواضع، وذلك بلا شك من النواقص الايديلوجية التي رافقت حضور الماركسية خارج منشاها، فنم ذلك عن قصور يقع على كاهل أبناء البلدان التي استقبلت تلك النظرية في أوقات لاحقة في العالم الثالث، بالتحديد بعد ثورة أكتوبر الروسية، وبعد ان غدت الماركسية ( ماركسية/ لينينية)، ماقد نزع عنها الطابع النظري الغالب قبل لنين، لتتحول بالدرجة الأولى الى نظرية "عمل" و "ماالعمل"، هذا مع ان جانب القصور في الظواهر الجاري الحديث عنها، لاتعود في الغالب لاشتراطات اللينينية، بقدر ماتكون نتاج تأخر الأوضاع في البلدان المعنية على صعيد النمو البرجوازي فيها،وتبعا لها تأخر عالم الأفكار والتفكير الخاص. وهو مايتحول بمجموعه وعلى تعدد الحالات الدالة عليه في الغالب الى حالة قصور وتكلس دوغمائي مرحلية شاملة.
ففي العراق على سبيل المثال لم يكن فهد ( يوسف سلمان يوسف) مؤسس الحزب، ولا غالي زويد ( الزنجي المتبقي من مخلفات ثورة الزنج في اهوار العراق أيام العباسيين) يجدان في نفسهما أي ميل، وبالاساس أي استعداد يؤهلهما لطرح تساؤل من قبيل "هل ثمة من شيوعية عراقية سابقه على شيوعية ماركس ولينين؟"هي التي تجعل من الشيوعية الحالية الماركسيه قابله للحياة، وتتمتع بزخم وبطاقة على الحياة والتجدد؟ وهو سؤال كبير وخطر يتعدى الى مديات بعيدة جدا حدود وعي وادراك شخصين، اقصى مايستطيعان التوفر عليه من فهم، عموميات نظرية، لايفهمون خلفيتها، وهما بالطبع ابعد مايكونان عن ان يربطا او حتى يتذكرا اصلا، القرمطية او ثورة الزنج، او التشيع الاستشهادي الحسيني الانتظاري، او الاسماعيلة .. الخ.. باية خلفيات بنيوية، على الأقل كعتبة أولى اقرب، قبل ان يخطر لهما وصل ذلك بظاهرة ابعد بكثير كان المستحيل عليهم قطعا تصورها مجرد تصور، مع انها حدثت على مقربة من المكان الذي باشروا عملهم فيه، عند "لكش"، وثورة كوراجينا وشريعته يوم عرفت لأول مرة في التاريخ البشري كلمة "حرية" مكتوبة على لوح، ضم كل قضايا حقوق الانسان المعروفة اليوم، وتحدث عن حقوق الفقراء، والعدالة والمساواة، في الالف الثالث قبل الميلاد وتحيدا في 2355 ق ـ م .
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من مذكرة " حول الشيوعية في العراق"، راجع / حنا بطاطو العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية/ مؤسسة الأبحاث العربية/ ترجمة عفيف الرزاز/ ط1 بيروت. / الهامش ص 119
(2) نفسه ص 120
(3) نفس المصدر ص 145
(4) نفسه ص 120