عرضات عشائريةتنتهك قيم و اخلاق التعليم في الجامعات العراقية

د.زياد العاني

قبل عشر سنوات نشرت أنا سلسلة مقالات تحليلية و احصائية في مجلة اليونسكو العربية عن اسباب تخلف التعليم العالي و البحث العلمي في الوطن العربي ونشرت في اكثر من موقع. ولازالت الاسباب التي ذكرتها قائمة مع تغير في الارقام نحو الأسوأ. ( رابط لإحداها في نهاية المنشور لمن يرغب بالاطلاع عليها).

لم يخطر على بالي في ذلك الوقت التركيز ايضا على دور البيئة الثقافية والاجتماعية المحيطة وتم التركيز على دور المؤسسات التعليمية نفسها من الجوانب المهنية و البنية التحتية ودور الكادر التدريسي و نوعية التعليم و الخدمات التعليمية و البيئة المدرسية و الجامعية و نشر الأبحاث ....الخ.

نقرأ بين الحين و الآخر اخبار عن ظواهر غريبة في بعض الجامعات العربية و هي بشكل عام نادرة الحدوث مثلا إقامة حفلة خطوبة لطالب و طالبة في حرم جامعة مصرية قبل سنتين اثار ضجة كبيرة في الأوساط الأكاديمية المصرية استدعت اصدار قوانين صارمة تفرض احترام قدسية الحرم الجامعي. حادثة اخرى قبل ثلاث سنوات في لبنان وهي منع بث أغاني وطنية لفيروز و مرسيل خليفة و جوليا بطرس في مهرجان احتفالي طلابي في ذكرى تحرير جنوب لبنان في احدى الجامعات اللبنانية التي يسيطر على اتحاد الطلبة فيها فصيل إسلامي و الحجة هي تحريم الأغاني و الموسيقى وحصل بعدها مناقشات و مساجلات امتدت الى مجلس النواب.

في العراق اصبحت مثل تلك الحوادث النادرة ظاهرة اعتيادية حيث تقام طقوس دينية و عشائرية في المدارس و الجامعات يحضرها بل يتصدرها رجال دين و شيوخ عشائر وضباط يجلسون بجانب وزراء التعليم و رؤساء الجامعات و تقام الأهازيج و الشعائر داخل الحرم الجامعي بمناسبة و بدون مناسبة وخاصة في مناقشة اطروحات الدراسات العليا وحفلات التخرج و الانتخابات و المناسبات الدينية وتحولت بعض مباني الجامعات و المدارس الى منصات تعلق فيها الرايات وصور الرموز والحملات الانتخابية حالها حال الشوارع و الساحات العامة. كما تحولت الندوات الثقافية و العلمية الى محاظرات يدعى اليها رجال دين يتحدثون فيها عن الحلال و الحرام كما حصل في جامعة الكوفة قبل سنة و نيف عندما جاءت احدى المحاظرات لتاكيد تحريم اكل لحم الأرانب من قبل أئمة آل البيت(رض) ألقيت لطلبة قسم الحاسبات و تقنية المعلومات.

قبل اشهر تمت مناقشة أطروحة ماجستير في احدى الجامعات فجاءت وفود من عشيرة الطالب و دخلت الى قاعة المناقشة وتحولت القاعة اثناء المناقشة الى عرضة عشائرية وشعر شعبي و أهازيج شعبية و رقص اشترك فيها اساتذة وطلاب و سط مباركة من بعض رجال الدين و الشيوخ وبحضور ضباط بلباسهم العسكري وبعض الرجال يرقصون بكامل قيافتهم و تشير هيئتهم الى انهم اساتذة و نساء تزغرد و أغلب الظن ان الطالب نفسه ألقى بعضا من الشعر يهدي فيه تحياته و شكره لاعضاء لجنة المناقشة كما يشير المقطع الاخير من الفيديو.

هذه المهازل التي تشكل انتهاكا لقيم التعليم ولقدسية الحرم الجامعي وتشكل مظاهر معيبة و مخزية لسمعة التعليم العالي في العراق فلا عجب اذا ان تخرج جميع الجامعات العراقية من التصنيفات الدولية لنوعية التعليم(ترتيب فوق عشرة الاف) في حين تصنف جامعات عربية اخرى عمرها اقل من نصف عمر جامعة بغداد في درجة متقدمة و تحتل مرتبة ضمن ثلاثمائة جامعة عالمية نظرا لما اصاب التعليم في العراق من تدني في المستوى و فقدان الضوابط العلمية و المهنية.
فهل يمكن إنقاذ ما تبقى من القيم و الضوابط وسط طغيان سيطرةالاحزاب الدينية و نفوذ العشائر و حلقة التجهيل و التخلف التي تستمد قوتها من ذلك النفوذ الظلامي الذي تشجعه وتعمقه طبيعة النظام الطائفي و العشائري للسلطة الحاكمة؟