شيوعيتان : بنيويه وطبقية ماركسية/2

عبدالامير الركابي
في واحدة من ملاحظاته الحرية بالتوقف يقول حنا بطاطو"واظهر شيوعيو البصرة والناصرية مؤشرات وجودهم للمرة الأولى في وقت مبكر من العام 1929. ولم يكن عددهم يزيد على دزينة ( درزن) من الشباب الذين لم يكونوا يعرفون من الشيوعية الا بعض الشعارات القليلة وبعض الأفكار البسيطة العامة، ولكن حماستهم لم تكن الأقل كثافة في هذا الميدان. وبدلا من توسيع صفوفهم بهدوء ودراسة الأفكار التي سحرتهم بعمق اكبر، سارعوا الى الانقضاض على القوى الدينية في البلاد. وكان مثلهم في هذا مثل من يغطس في نهر دون ان يعرف عمقه" (6) وصورة مثل هذه مع كل مسار بدايات هذه الظاهرة تستوجب من أي باحث فطن ان يتجه لتحري الخلفيات، واذا كان ماقد مثلته الشيوعية العراقية في حينه تمت بصلة ما، او تجوز نسبتها الى ماتظنه او تتصوره عن نفسها، عدا ماتدعية من شعارات وموضوعات تعتبرها مبرر ومحرك وجودها، دون استبعاد احتمال كون الامر يتعلق بخلفية ابعد، هي المحرك الذي اليه يعود السبب في نمو هذا التيار، وهو الذي منحه مايبدو عليه من دينامية وحضور،من حيث لايعي ولايدري، وبغض النظرعن، لابل ومن دون حاجة فعلية لما يفترض انه بحاجة له على صعيد "المعرفة" الاعمق، او زيادة الاطلاع على ما هو عازم على الانتماء له ايديلوجيا، هذا عدا فرضية استطاعة هذا النفر التفكير، او النظربحسب وضعه الذي وجد ضمنه، واقعيا وزمنيا، الى الأشياء والأفكار بغير الطريقة والحدود البدائية الأولية الفجة، التي تسنى له النظر بها اليها في حينه.
وليس البحث في الملمح الانف على صعوبته، لابل وحتى تعذره من قبيل مايمكن او يجوز التغاضي عنه، او اهماله، اوالموافقة على عدم اتخاذه محو را للتأمل فيما عرفته هذه البلاد من متغيرات، واشكال توزع قوى، او بروزها، مقابل اختفاء او تراجع مكانة ودور غيرها، بعد وصول الغرب والاستعمار الغربي الإنكليزي. وقد يكون المظهر الأساسي الغائب في العقل العراقي انئذ مايمكن ان نطلق عليه"غياب العراق"، فما يعرف بافكار "النهضة" او "الحداثة" كما انعكست وتجلت في هذا الموضع، جعلت من يمثلونها يظلون كما مازالوا يتصرفون وكان العراق حاضر ومفروغ من وجوده، ونوع "ذاتيته"، وهو بالطبع ماينطبق على شيوعيي العشرينات والثلاثينات ممن اعتقدوا ببداهة وجود كيان العراق، واكتمال تشكله الحديث، ماكان قد نتج عنه حال من التعامل مع واقع مبهم وخفي،ان لم يكن مغيب عمدا، هم ضمنه موضوع لافاعل واع محيط بموضوعه، والشيوعيون اذا تحدثوا عن الطبقات والصراع الطبقي، فانهم يتخيلون وقتها مقطعا طبقيا وتاريخيا يستعيرونه معلبا، هو المقطع الطبقي والتاريخي الأوربي، متلازما مع النظرية التي سمعوا او قراوا عنها بعض شذرات، ولم يسبق ان خطر لهؤلاء ان النظرية الماركسية لم يستعرها ماركس من خارج اوربا، بل انتجها هو ورفيقه انجلز ضمن لحظة بعينها، بصفتها افرازا وتعبيرا عن لحظة "واقعية"، معاشة وملموسة، وليس العكس كما الحال في العراق والمنطقة الشرق متوسطية/ العربية.
ولاتتوقف ظاهرة اسبقية الفكرة المستعارة على الواقع، على تيار من تيارات الحداثة، اواحد تمظهراتها دون سواه، فالمنطقة العربية كتب لها ان تعيش على مدى يزيد على القرنين وهي تتخيل نفسها مشمولة بحالة او مايعرف ب"عصر النهضة"، لم تكن في حقيقتها اكثر من "نهضة ايديلوجية كاذبة"، تظافرت ابانها الفكرة المستعارة الحداثية، ونقيضها الظاهري السلفي المستعار معلبا هو الاخر من الماضي خارج الشروط الانية والواقعية، ليسودا كمنظورين مسبقين جاهزين من خارج الواقع الحي المعاش راهنا، ومن دون ان يتمكنا من ثم وبالطبع، من التاثير فيه، او الاسهام في تغيير مساراته،سوى على مستوى التخيل، فضلا عن مقاربة طبيعته واحكام بنيته التاريخية، بالمقابل كان لممارسات تلك الظواهران راكمت الأسباب الموجبة، بسبب التعذر لابل التعسرونتائجه الكارثية، الى الانتقال نحو تحفيز تعبيره المؤجل المطابق لنوع وزمن ذاتيته وهو يصبح مع الوقت وتراكم العثرات اجباريا، يتساوى ويتعادل عنده وفيه، كلا احتمالي الفناء او استعادة الذات.
يقول زكي خيري في واحده من قراءاته المكتوبه قرابة منتصف السبعينات :" اما البرجوازية الوطنية فكانت ضعيفة جدا اقتصاديا وسياسيا ولم تستطع تنظيم نفسها في حزب سياسي كبير شان "الوفد المصري" او "المؤتمر الهندي" اذ لم تستطع تنظيم الجماهير وقيادتها بصورة ثابته وفعالة كما لم تستطع فرض صورة من الديمقراطية البرلمانية يمكن مقارنتها بنظائرها حتى في مصر والهند"(7) وهو يضعنا هنا امام تناقض محير،هو من دون شك من نوع مايتوقع من مثل هذا الصنف من الفذلكات والتخطيطات الذهنية والايديلوجية، خصوصا وانه لم يذكر ان العراق امتلك بالمقابل حزبا شيوعيا، يفترض انه حزب الطبقة العاملة، رغم ان هذه لم تملك سوى برجوازية متخلفة جدا، ولا تتمتع بالحد الأدنى من النضج، بالمقابل لم تحظ الطبقة العاملة المصرية المفترض انها اكثر تطورا بحكم تطور برجوازيتها، "بالتربة" المناسبة التي تحتاجها كي تؤسس حزبها المفترض به مقاربة، او مشابهه الحزب الشيوعي العراقي المنوه عنه، وعن موقعه الاستثنائي في أعلاه.
ولا توجد اية قاعدة قياس او مرتكز قراءة وتحليل للظواهر، بما في ذلك وفي المقدمه الظروف التي أحاطت بالحزب الشيوعي العراقي نفسه وأسباب نشاته وفعاليته، واذا كان هو أداة مستخدمة من قبل الواقع المجتمعي عند لحظة تستوجب وجود مثل هذه الوسيلة بغض النظر عن انتمائها له، ام ان ماقد حدث يعود بالفعل لحضور الطبقة العاملة، وتطور الاقتصاد والمجتع العراقيين على وقع، وبناء لارتباطه بالسوق الراسمالية العالمية، وغياب هذه النقطه او فقدان أي شكل من اشكال الانكباب عليها تتولد عنه مخالفة، لابل غمطا اجحافيا للعراق، وبنيته، وخاصياته الوطنية والتاريخيه، ومن ثم لما يتصل بالوعي الوطني في اللحظة المقصودة وماتبعها الى الوقت الحاضر.
لقد سبق وان اجتهدت للمرة الأولى في التاريخ الحديث، على سبيل وضع الأساس، او اللبنة الضرورية لبدء قلب المعادلة المعتمدة وايقافها على قدميها، بعد مايزيد على ثلاثة ارباع القرن من وقوفها على راسها(8)، على امل ان تصبح من نوع الموجودات الطبيعية، ففي كتابي "ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ" أظهرت بان العراق هو موطن مجتمع اللادولة التاريخي، وبالترجمة الطبقية الماركسية ( الاشتراكي)، وبقدر مايكون هذا الراي خارجا عن المالوف، بقدر مايستدعي مايلزم من الاثباتات، وبالذات بسبب وطاة التباينات التي ينطوي عليها بماهو تنويه باشتراكية بنيوية تاريخية، تقابل الاشتراكية الطبقية الماركسية الاوربية.
وعند هذه النقطة يستحيل ان لا تلتمس المضاهات، كما الاتفاقية مع حركة التاريخ والصيرورة المجتمعية البشرية على مستوى المعمورة، فمن دون ذلك تبقى موضوعات الايديلوجيا مستمرة في الطغيان والغلبة، بمايعني تغييب اية محاولة مضادة قصدها الخروج من ربقة عصر الانحطاط الثاني العربي / الشرق متوسطي المبتدء منذ اكثر من قرنين، أي منذ التنبه على الغرب ومانجم عنه من محاولات التشبة الاستعاري المستحيل به، وصولا الى طور الانحطاط الأخير الحالي، حيث أضيفت كفة أخرى لدالات التاخر والخروج العربي الشرق متوسطي من التاريخ، بعد ان صار، و كما سبق ان حصل مرة في التاريخ، بين قمتين شرقية وغربية، بعد صعود الشرق، من الصين وروسيا والهند، وصولا الى فارس الحديثة/ ايران.
وكل ذلك براينا من احكام الصيرورة واليات الدورات والانقطاعات الحضارية التاريخية الميمزه لهذه المنطقة، والتي هي محكومة منذ 1258 تاريخ سقوط بغداد على يد هولاكو بالانقطاع التاريخي الحضاري الثاني، بعد الانقطاع الأول الذي استمر مهيمنا على هذه المنطقة من سقوط بابل، الى الفتح العربي الإسلامي في القرن السابع، لتبدا وقتها دورة الصعود الثانية، المنتهية بانهيار الامبراطورية الرافدينية العباسية القرمطية الازدواجية. بانتظار القراءة الكبرى الرابعة، بعد القراءات الابراهيمية النبوية الالهامية: الموسوية، المسيحية، المحمدية، الخا تمة والنهائية، قبل حلول زمن الرؤية الادراكية الحدسية، مابعد النبوية الالهامية.
والاشتراكية التي نتحدث عنها هي نمط مرتبط ببنية كيانية ومجتمعية مغايرة لتلك التي انتجت على يد ماركس أخيرا نظريته الطبقية، العائدة والمتفقة مع واقع انشطاري مجتمعي سمته الأساس الطبقية، بينما اشتراكية مجتمع اللادولة الرافدينية، وتلك التي من اختصاص ارض مابين النهرين، انشطارية مجتمعية، بين مجتمعين، مجتمع لادولة اسفل لايتجلى ارضويا، ومجتمع اعلى من نمط او شكل المجتمعات الأحادية الارضوية القاهرة، والمجتمعات يشكلان في ارض الرافدين وحدة كيانية مجتمعية متفاعلة غير منفصلة، لايملك أي منها نفي الاخرالى حين، وبعد زمن يطول مستغرقا دورتين تاريخيتين، وهي / أي الوحدة الكيانية/لاتتحقق الا بتحقق طرفيها ومكونيها الأساس، وهو مايعرفه الكيان الرافديني خلال دوراته، المقابلة للمراحل التاريخية الطبقية على الضفة الأخرى من المتوسط، مامن شانه جعل "الاشتراكية بما هي صيغة اجتماع معاش غير مجسد" حالة حاضرة ودائمة، لكن متعذر تحققها في حينه، وليست طوروا اول او أخير كما يفترض ماركس ذلك لشيوعيته الطبقية، بناء لرؤيته المبنية على متضمنات المجتمع الطبقي الأوربي ومايتوقع منه.
ان كوراجينا والابراهيمية الأولى، والقرمطية، والاسماعيلية، كما في الدورة الثانية، واشكال اللادولة التي لاتتجسد ارضويا،في الطور الراهن الثالث منذ بدايات التشكل التاريخي في القرنين السادس السابع عشر، هي تعبيرات مجتمعية عائدة الى "اللادولة" التي هي تكوين رافديني ثابت الحضور ومتكرر لزوما وينيويا، وسائر الى التحقق "تحوليا" الى ماوراء مجتمعية، وضد مجتمعية، والشيوعية العراقية في الفترة بين الثلاثينات وحتى ثورة 14 تموز1958، هي نوع من تعبير استبدالي مؤقت، اقتضته الضرورة الانية والدولية، لايمت باية صلة الى مايتصوره المنتمون له بحسب المصادر الايديلوجية او الطبقية في مجتمع لايخضع اطلاقا لاية اليات صراعية طبقية، بحكم البنية التاريخية والكينونة الازدواجية المجتمعية.
ـ يتبع ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(5) نفس المصدر ص31
(6) نفسه ص57
(7) من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة في العراق 1924 ـ 1974/ سعاد خيري/ الجزء الأول الطبعة الثانية/دار ارواد للطباعة بغداد/ من مقدمة زكي خيري للكتاب ص 4 .
(8) ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ/ عبدالامير الركابي/ دار الانتشار العربي ـ بيروت/

وسوم