مقرب من الحلبوسي: “الوفد العراقي إلى الصين يُبرم أسوأ صفقة في التاريخ”!

بغداد – ناس: ساهمت “التشكيلة” التي اصطحبها رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي في رحلته إلى الصين، بـ”تبريد” التصريحات السياسية ازاء الزيارة، والحد من تتبع مخرجاتها، فلكل طرف سياسي تقريباً، مهما صغر حجمه أو كبر، ممثل في الوفد، محافظاً كان أم وزيراً أم ضمن أعضاء الوفد وفق الصفات الأخرى، لذلك، فإن الزيارة لم توضع تحت المجهر كما وُضعَت تحركات أخرى لرئيس الوزراء.

وبعيداً عمّا اذا كان هذا “الصلح السياسي والاعلامي” ورغبة رئيس الوزراء بزيادة “شركاء المنجز” لضمان دعمه، هو السبب الذي دفع عبدالمهدي لـ “تكبير الوفد”، أم تعرضه لضغوط دفعته إلى تأمين حصص مُرضية لجميع الأطراف كما يُلمح بعض النواب، فإن بوادر انتهاء “الهدنة الإعلامية” بدأت بالظهور، مع جردة الحساب “القاسية” التي قدمها أحد أكثر النواب قرباً من رئيس البرلمان، محمد الحلبوسي.

وأجرى “ناس” حواراً مفصلاً مع  عضو لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية، عبدالله الخربيط، حذّر فيه من الوقوع في “فخ الشراكة مع الصين وفق الصيغ المطروحة”.

لن نبيع على الصينيين حتى علبة مياه غازية!

ويشير الخربيط، إلى ما يقول إنها “طريقة عمل الشركات الصينية، حيث تأتي مدعومة من حكومتها، لتشغيل أكبر عدد ممكن من الصينيين خارج الدولة، لذا فإن العاملين يصلون إلى البلدان التي يتم التعاقد معها، وهم في كامل الجاهزية، كما يتعاقدون مع شركات صينية اخرى لتجهيزهم باحتياجاتهم أثناء العمل في البلد المضيف، وبينما تعتمد الدول التي تستقبل الشركات الاستثمارية على الخدمات الجانبية، في التجهيز، فإن الشركات الصينية لا تخرج من الصين لتدفع أو تشارك أحداً في الأرباح، ولا حتى بعلبة مياه غازية، الكثير من هذه الشركات تعتمد على تشغيل سجناء صينيين مجاناً، مقابل تقليص فترات محكومياتهم، ونحن لسنا بحاجة إلى يد عاملة، شباب العراق العاطلون من البصرة إلى زاخو ينتظرون الفرص ويتظاهرون من اجلها، لكن الحكومة على اعتاب ابرام واحدة من أسوأ التفاهمات”.

الكويت تقف خلف زيارة الوفد!

ويكشف الخربيط، ما يقول إنها أسباب “الاندفاعة” الحكومية نحو الصين، عازياً ذلك إلى “تأثير كويتي على القرار، حيث تسعى الكويت والصين إلى إشراك العراق في مشروع ثنائي بينهما، لتعظيم وارداتهما”.

وفي حزيران الماضي، نقلت وسائل إعلام كويتية عن مسؤول صيني معلومات بشأن مدينة صينية من المزمع انشاؤها في الكويت باسم مدينة الحرير، تبلغ تكلفة انشاؤها نحو 100 مليار دولار، لتكون منطقة تبادل تجاري حر واسعة تعمل على تقديم خدمات الشحن لتزويد الأسواق العراقية والإيرانية القريبة.

العراق ليس إيران..

ويعبّر عضو لجنة الاقتصاد عن استغرابه من فكرة ابرام تعاقدات كبرى مع الصين، مبيّناً “الصين ليست دولة رصينة في مجال الاستثمار، ليس هناك دول متقدمة تبرم اتفاقات كبرى مع بكين، خذ مثلاُ الدول الاسكندنافية او الاوروبية او حتى بعض الدول الاسيوية المتقدمة، الصين هي الملاذ الاستثماري لنوعين من الدول، إما الدول التي لا تملك قوى عاملة، وتحتاج اليد العاملة الصينية، وهو ما يجعل تعاقدات الكويت مع الصين مفهومة، بعكس العراق، حيث عدد الشبان العاطلين عن العمل في مدينة الصدر وحدها قد يناهز عدد اليد العاملة في الكويت!.

الدول الاخرى التي تفضل الشراكات مع الصين، هي الدول المنبوذة التي تواجه مشاكل مع المجتمع الدولي، مثل إيران، لكن صانع القرار العراقي لم يستوعب حتى الآن أن العراق ليس إيران، ليس لدينا صواريخ بالستية ولا برنامج نووي مثير للجدل، ولا عقوبات دولية، العالم مفتوح أمامنا، وجميع الدول المتقدمة مستعدة لمنحنا تمويلات وفرصاً استثمارية كما نشاء، ليس الولايات المتحدة بالضرورة، بل الدول الأوروبية الرصينة، التي لا تستهدف اغراق العراق بعمالتها، بل انشاء مشاريع رصينة تعتمد على اليد العاملة العراقية، والخبرة الاوروبية، العراق ليس ايران.. لابد أن يفهم صانع القرار العراقي هذه الفكرة!، بإمكان العراق أن يسحب قروضاً مالية، يعرف قيمتها ويعمل بواسطة شركاته العراقية الحكومية أو في القطاع الخاص، أو ان يفتح مناقصات ويدعو شركات اوروبية واميركية وعالمية للمناقصات، ويمنح تفضيلاً بسيطاً للشركات العراقية، وهو اجراء سيؤدي فوراً إلى نشوء شراكات بين الشركات الاجنبية والعراقية، وما يولده ذلك من احتكاك وتبادل خبرات، خاصة بالنسبة لشركات تأتي من دول متطورة، لا ترسل سوى الخبراء، وليس لديها مئات الملاييين من اليد العاملة التي تخطط لزجها في العراق كما ستفعل الصين”.

النفط مقابل الإعمار

وتداول عدد من الشخصيات المرافقة للوفد الحكومي في الصين، مقترحاً قيل أنه جرى مناقشته في بكين، يقضي بتسليم الصين كميات يجري الاتفاق عليها من النفط العراقي، مقابل أن تقوم الحكومتان العراقية والصينية بالاتفاق على المشاريع المراد تشييدها في العراق، على أن لا تعقد الحكومة العراقية اي اتفاق مباشر مع الشركات الصينية، بل يكون اتفاق بغداد مع بكين حصراً، وتتولى الصين التفاهم مع شركاتها، وهو ما يقول الخربيط إنه “تصرّف معيب، ترجمته الفعلية، أن العراق غير قادر على ادارة شؤونه، او التفاهم مع الشركات، وأنه سيسلم الملف إلى حكومة دولة أخرى تبعد آلاف الكيلومترات لتتولى هي نزاهة الإعمار”.

ضرورة التخلص من النفط

وتذهب آراء اقتصادية، إلى ضرورة تسويق النفط العراقي واستثمار اسعاره الحالية، وفق برنامج زمني، يكفل الاستفادة من هذه الثروة، قبل وصول البلاد إلى سنوات لاحقة، ينعدم فيها الطلب على النفط، وهو رأي يقابله آخر، يدعو لادخار النفط للأجيال القادمة، وفي هذا الصدد، يقول عضو الاستثمار، إن “التقديرات والدراسات تشير إلى  أن سعر النفط سيواصل الصعود والاستقرار خلال السنوات العشر المقبلة، لكن حتى حتى مع فرض ضرورة التخلص من النفط بأسرع وقت فإن منحه إلى الصين مقابل مشاريع تُضرب كُلفتها بضعفين وثلاثة، هي فكرة لا علاقة لها بادارة الدولة”.

بيع ثلث نفط العراق “كاش”

ويضيف الخربيط في حديثه لـ “ناس” مستعرضاً سيناريوهات بعيدة تناقش أي الحدثين قد يحصل أولاً، نضوب النفط أم نهاية الطلب عليه في السوق، يقول “يُمكن الذهاب إلى سيناريوهات ضامنة، إذا كان صانع القرار العراقي يعتقد أن كميات كبيرة من الاحتياطي العراقي قد لا يسمح الوقت باستثمار فوائدها، وستصل إلى الاجيال القادمة في مرحلة لن يكون فيها قيمة للنفط، فإنه بالإمكان اتباع العديد من التجارب، ومنها ما تفعله بعض الدول الخليجية، ويُمكن بيع 30% مثلاً من أسهم شركة النفط الوطنية، مقابل مبالغ تُدفع نقداً، ويُمكن تقديرها بنحو 3 ترليونات دولار، وسيجد العراق العديد من المُشترين، دولاً او شركات، وحينها سيتمكن من سداد ديونه بثمن الحصة، واعادة اعمار الدولة، وانهاء المشاريع الستراتيجية مثل ميناء الفاو الكبير والقناة الجافة، وانشاء حقول للطاقة الشمسية، وايداع مبالغ في المصرف المركزي العراقي، ليقرض بدوره الراغبين بافتتاح مشاريع صغيرة، على أن يتم حجز تلك المشاريع في حال فشلها، وهو ما سيفتح آفاقاً واسعة، ويضمن مستقبل الاجيال المقبلة دون هذه المقامرات التي تجري”.

صندوق الأجيال

ويختم، كان لنا لقاءات عديدة مع المستثمرين الصينيين، وتقديري النهائي لهذه التجربة، أنهم يستغلون قلة خيارات بعض الدولة المحتاجة لإبرام صفقات، لذلك يُسعّرون مشروعاً للمياه بمليارين ونصف المليار مثلاً، بينما تسعره شركة فرنسية بمليار ونصف، ورغم أن السعر مضاعف سلفاً، إلا أنهم سيفرضون فوائد على التسديد، فضلاً عن أن قروضهم “ائتمانية” وتحصر التصرف بالاموال بشركاتهم فقط.

المشكلة أن النظام السياسي يتعامل مع هذا الجيل، وكأنه الجيل الوحيد الذي سيعيش في العراق، بينما ينبغي أن يتم حصر الثروة النفطية وتسعيرها، وتحويل جزء كبير منها إلى نقد يُدخر للأجيال المُقبلة التي ستولد في هذا البلد ولن تجد شيئاً!”.

ما الذي يجري في الصين اذاً؟!

يرجح الخربيط أن تتم الاتفاقيات التي ذهب الوفد العراقي لإبرامها، لأنها –بحسب قوله- مُتفق عليها سلفاً منذ عهد رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وما جاء في مقررات مؤتمر الكويت، والقضية التي يعلم بها البرلمان، هي وجود 10 مليارات دولار، كقروض ائتمانية سيوافق عليها العراق، مقابل مشاريع تقوم بها شركات صينية، على طريقتها”. ويضيف “أما ما زاد على ذلك فسيخضع لمراجعة البرلمان ولجانه المختصة”.

ويبيّن “القضية تتعلق أيضاً بحزمة مشاريع نفذتها شركات صينية، ولم يتمكن العراق من سداد كُلفها، وتوقف تنفيذها، وسيُدفع للشركات المتوقفة من المليارات العشرة مقابل ان تواصل العمل”.