"الأسرة الدولية" ومصيرنا المجهول

رعد اطياف

إن ظهور القانون الدولي والمنظمات الدولية لم يغير من الواقع شيئًا، بل زاده تعقيدًا. فالعدو الغربي يستفيد من هذه "الدوليات" لشرعنة عدوانه علينا. أقام "إسرائيل" بقرار دولي، ودمر العراق بقرار دولي، ويسلم ما تبقى من فلسطين بقرار دولي. وفي المقابل أوجد بيننا فئة من المثقفين الدوليين والساسة الدوليين، تعتبر كل ما يجري ضدنا هو بحكم القانون الدولي. وتبلغ بها النزعة الدولية إلى حد اعتبار مياهنا الإقليمية وأنهارنا منشات دولية، وإذا استمر الحال على هذا المنوال فقد لا يبقى لنا شيء من حقوق السيادة غير قابل للتدويل"، هادي العلوي- مجلة الحرية29-3-1992. 

 في نظامنا الحديث، ثمّة محكمة دولية، وبنك دولي، وشرطة دولية، ومؤسسات دولية أخرى تضمن سير العالم طبقًا لقوانين "الأسرة الدولية" المُلزِمة للأعضاء. كل شيء يحدث عن طريق التدويل: الإرهاب، الحروب اللامتكافئة، الحصار الاقتصادي، الاحتلالات، الانقلابات، وتنصيب الطغاة، وتفضيل نظام استبدادي وتجريم آخر، تجري كلها بإمضاء دولي، مصحوب بإرتياح دولي أيضًا. نحن وسط شبكة مترابطة في هذا النظام، ولا يمكن تحليل نظام سياسي ما بمعزل عن كلية النظام العالمي؛ فتنظيم التجارة وتقسيم العمل وترسيم الحدود وضعها الأقوياء.

وقد ساهمت نقاط التحول الثلاث التي رسمت بنية هذا العالم، هي كالتالي، بحسب إيمانويل والرشتاين: أولًا، القرن السادس عشر الطويل الذي طبع هذا النظام بالطابع الرأسمالي العالمي. ثانيًا، الثورة الفرنسية لعام 1789 بوصفها حدثًا عالميًا مهد لما تلا من سيطرة دامت لقرنين من الزمان لجيو ثقافة لهذا النظام العالمي اتسمت بالليبرالية المعتدلة. ثالثًا، الثورة العالمية لعام 1968 التي نذرت بالاحتضار الطويل للنظام العالمي الذي نجد أنفسنا فيه، والذي قوّض الجيو ثقافة الليبرالية المعتدلة التي كانت تسند النظام العالمي وتشد بعضه إلى بعض.

ضمن هذه العناصر المكونة لبنية النظام العالمي الجديد، الذي يجعلنا في شبكة مترابطة، لا يمكن الاستعانة بالتخصصات المفصولة عن بعضها، والتي يسميها  والرشتاين بـ"صناديق التحليل المنفصلة"، فهذه الأخيرة عبارة عن "عوائق" وليست معينًا على فهم العالم.

إن الحقيقة الاجتماعية التي نعيش فيها، والتي تحدد خياراتنا، بحسب والرشتاين،  لم تكن الدول القومية، بل شيء أكبر من ذلك بكثير، نسميه نظام العالم الذي نعيش فيه، والذي نشأ في القرن السادس عشر. كان هذا النظام الدولي محصورًا بين أوروبا والأمريكيتين، لكنه توسع بمرور الزمن ليشمل جميع أنحاء المعمورة.

يؤكد والرشتاين على أن نظام الدولة الحديثة  يقوم على مفهوم السيادة، وهذا المفهوم تم ابتكاره في النظام العالمي الحديث. غير أنه لا يعني السيادة الذاتية، كما يوحي مضمونه، لكن الدول بمفهومها الحديث هي في الواقع جزء من نظام أكبر، وهو ما بتنا نطلق عليه" النظام فيما بين الدول". فانطلاقًا من تحليل والرشتاين يغدو مفهوم السيادة نسبيًا، وهذا ما يهمنا هنا، ومن زاوية محددة، وهي أن " الكبار" هم من يحددون من هو العدو والصديق، من هو المارق، أو الابن الشرعي لهذا النظام.

 على سبيل المثال، لقد ارتأى هؤلاء" الكبار" من إخراج إيران الخميني من دائرة "الأسرة الدولية"، بعد أن كانت إيران الشاه الابن الشرعي لهذه الأسرة، وباتت إيران تهدد المنطقة بأجنحتها الضاربة في لبنان والعراق واليمن وفلسطين، وبالمقابل ضم عراق صدام حسين إلى هذه الأسرة "العادلة" حتى لو صفّى خصومه وأبادهم بالسلاح الكيميائي، المهم هناك مهمة جسيمة بانتظاره: إشعال منطقة الخليج عبر حرب دامت ثمان سنوات لإسقاط النظام الإيراني. لكن بعد نهاية الحرب الدامية وما خلفته من ويلات على الشعب العراقي انطلق "القائد الضرورة" صوب الكويت لاجتياحها وهو بهذا سهّل المهمة القادمة للأمريكان: التواجد في الخليج. ثم مالبث صديق الأمريكان أن يندرج ضمن لائحة "محور الشر" التي أعدتها أمريكا للدول المارقة. وبالطبع أعلنت الأسرة الدولية حصارها "الدولي" الشامل لتدمير العراق كليًا لتهيئته لفترة الاحتلال القادمة.

ضمن هذه التعددية الدولية، ظلت فلسطين هي هي؛ فمنذ احتلالها عام 1948، (التاريخ المصاحب لتأسيس الأمم المتحدة) لم يسلم فيها لا الشجر ولا الحجر ولا البشر، ولم نحصد سوى الإدانات الدولية الفارغة من كل مضمون، واتفاقية أسلو البائسة  التي أنهت الثورة الفلسطينية ، وصادق عليها ياسر عرفات لينهي بها عقودًا من المقاومة الفسطينة، دون أن يرجع فلسطينيًا واحدًا إلى دياره، أو مترًا واحدًا للأرض الفلسطينية المحتلة. لكن للأمانة التاريخية، فـ"أسرتنا الدولية" مستمرة بالإدانة تجاه السياسات الإسرائيلية الظالمة إلى يومنا هذا، ولو جمعنا إداناتها التي أصدرتها لغطينا فيها مساحة فلسطين كلها، بل مساحة الوطن العربي كلها. فهي دائمًا ما تعبر عن قلقها على الورق.

حتى هذه اللحظة لا زالت بعض النخب السياسية والثقافية تعتاش على أمل "حل الدولتين" المضحك، كما لو أن الإسرائيليين مغفلين إلى هذا الحد!، أو أن حل الدولتين ينهي عملية الصراع، وتكف إسرائيل عن دورها التخريبي في المنطقة. إن كانت النخب العربية تستهويها هذه الألعاب والمغامرات، فالأسرة الدولية لا تحترمهم على الإطلاق ولا تعير لهم أي أهمية، وليسوا مشمولين بهذه العضوية، لا هم ولا أنظمتهم العربية، فهذه الأخيرة تنتهي مهمتها ضمن الدور المرسوم لها.

 إن الأسرة الدولية تدعم السعودية بالمقدار المتفق عليه من قبل " الكبار"، أن تدفع لطالبان سابقًا، وتمول باقي الجماعات الإرهابية، وتبني مدارس تكفيرية في باكستان. أن تساعد صدام حسين في حربه على إيران، وأن تقضي على آمال ثورات الربيع العربي، وأن تشتري أحدث الأسلحة الأمريكية التي لم تستخدمها، وأن تبيد الشعب اليمني، فغير هذا ستكون من المغضوب عليهم دوليًا، ولا تستحق هذه العضوية والدلال من قبل "أسرتنا الدولية"؛ إما أن تخضع أو تبدأ حرب الملفات. لكن وللأمانة التاريخية، مرة أخرى، لقد ندد "الإنسانيون" في الغرب بالنظام السعودي، ومنهم الرئيس الكندي التي كانت تجرح وجدانه الحرب على اليمن، حتى لو كان يزودهم بالدبابات الكندية. بل جرحت وجدان الأسرة الدولية، لكن بعد تحطيم اليمن وخرابها والأرباح الهائلة التي جنوها من قبل هذه الحرب القذرة واللا متكافئة.

بالطبع، لست متشائمًا بهذه الأسرة إلى هذا الحد؛ فهي تتعامل مع أعضائها الكبار بمنتهى الموضوعية. غير أنها تبرز وحشيتها وهمجيتها الرومانية بوضوح لو تعلق الأمر بدول الأطراف، والمنطقة العربية بالخصوص. فضمان أمن إسرائيل يتفوق على كل أولوية، فهو يساوي أمن الشعوب العربية مجتمعة، والمذابح العربية التي تحدث هي القربان المقدس الذي تهديه الأسرة الدولية لهذا الكيان.

في الحقيقة من الصعب للغاية حصر "مآثر" هذه الأسرة "البرغماتية"؛ لقد  ذبحت  الملايين من الشعوب عبر الاستعمار وسرقة الثروات، وذبحت شبابها في حربين عالميتين، وجرّب أحد أعضائها قنبلة ذرية صهرت بها جزء من الشعب الياباني وأحالته إلى جحيم.

وعلى فكرة، تستعرض بعض النخب العربية هذا التاريخ الهمجي للأنظمة الغربية، وتوضح القدرة "الفذة" على تجاوز هذا التاريخ واستبداله بلحظة تشكيل الدولة الحديثة، بينما فشلنا نحن في ذلك. فكل التاريخ الإبادي تتم التغطية عليه بهذا "التحليل" بحجة التجاوز وأخذ العبرة. فمن هذه الناحية تغدو الأنظمة الغربية أنظمة حكيمة ومقتدرة وديمقراطية، بينما نبقى نحن في طور الهمجية والتخلف بنظرة هذه النخب الطفيلية.

لكن كل هذا ليس مهمًا في نظر أسرتنا الدولية والنخب التابعة لها، المهم الأنظمة العربية إرهابية، ومن لم يتقبل الاحتلال الصهيوني لمنطقتنا فهو إرهابي، ومن يحاول أن يكسر طوق الاحتكار الاقتصادي والتكنولوجي، ويراكم مثل هذه الخبرات فهو إرهابي، وستعيده هذه الأسرة إلى العصر الحجري. ومن يحلم بالاستقلال فهو يمثل خطرًا وشيكًا على الأمن القومي. فالحصار موجود والمليشيات موجودة وتهمة الإرهاب جاهزة ومعلبة.

إذن لا بد من إطلاق شعار "التنمية الممنوعة" أو "تنمية التخلف" في دول الإطراف، لكي تضمن هذه الأسرة الدولية  تطبيق القانون في العالم، وتبقى الشعوب العربية مشردة بين نازح ومهجر ومذبوح، وتستمر المؤسسات الدولية في تقييمنا، بين دولة فاشلة ونظام دكتاتوري، ودولة مارقة. بكلمة واحدة: إن وظيفتنا كعرب في هذا العالم، كما يقول أحد الباحثين، هو أن نموت: موتنا وشتاتنا هو المقدمة الأساسية لرفاه أسرتنا الدولية.

عراق ألترا