"قرآن العراق" يُنْهِض ناهض حتر!! ـ ثلاث سنوات من العزلة ـ

عبدالامير الركابي

 كان ماركيز يقول انه لم  ير قارئا له رهافة إحساس فيدل كاسترو، لهذا كان يظل حريصا قبل نشر أي عمل له، على ان يسمع كلمات القاريء النهم، الذي يتحدث عن النص بعد ان يكون قد  ابحر فيه مخترقا إياه الى ماخلفه، متقصيا ماوراءالنبض الذي صدر عنه، والقراءة لو تسنى لمنظور كهذا ان يعالج كممكن، درجات لاتحصى، كلها بلاادنى شك تعيد كتابة المقروء على مستويات، تعيش عبر المشترك والمخالف الذاتي المتالق بضوء المنجز، الاتلك التي هي ارفعها، الصنف من بينها الذي يمتلك طاقة  تقمص روح الكاتب، ذاهبا لمابعده، أحيانا الى ماهو كامن وخفي مجهول ومغلق على من كتبه، وقتها تعاد كتابة "الكاتب" نفسه، حيث وجد في النص، وحيث يغيب.

  هذا النوع من القراءة في حال توفر فانه يذهب الى حيث لاتجيز القدرة المتاحة على الإحاطة نحو مساحة ظلت غير مرئية، تنتمي باكتفاء صامت لعالم او نمط وحيز من الاختصاصات لم يسبق ان جرى التنويه به، او حتى السعي للتعرف عليه، والسبب كامن في صفاته النافية لذاتيتها، ولايجب للحديث هنا ان ياخذنا الى "النقد" على أهمية البعض منه، فهذا هو الاخر وعند نهاية المطاف، عالم حدود وتعميم ل "مهنة" إعادة الكتابة، بضوء مقاييس الشمول المقيد، وهي ممارسة احباط اذا تطلبنا  مايهدف اليه الابداع والابلاغ،  من نبذ المعتاد والالي الراكد من حياتنا اليومية، على اعتبار مامفروض عليه من قيود مصدرها نوع اليوميات الحياتية موحدة ومخففة.

    هكذا تكون لدينا زاوية او مكان اقصى وبمنتهى الصغر، اعتاد ان ينطوي على مالايقال ولا يفتكر، شيء من حيثيات ماوراء الابداع التي لم يتسن بعد لها ان تعمم، ولست اعرف الكثير عن حيثيات الصداقة التي كانت تجمع كاسترو وماركيز من أيام ماكان الأخير صحفيا، ماعدا القليل من الإشارات التي تسنى لي ان اقراها عنها، لكنني قد أكون خبرت شيئا يشبهها، او قاربت هذا العالم من تلك النقطة التي تصير الصداقة عندها موضعا للوجود خارج المعاش والمحيط، حدث لي ذلك ضمن العالم السحري ( لااقصد الواقعية السحرية) الذي منه انبثق ناهض حتر ضمن مسرى ومسار حياتي، على مساري اليوميات ذات الوقع الثانوي المحكوم لاضطرارات الوجود، والمنويات المضمرة، والبوح بها  خصوصا مع كتابي " ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ" الصادر أخيرا باشرافه عن "دار الانتشار العربي/ بيروت" عام 2008 ب 460 صفحة من القطع الكبير/، قبلها كان ناهض قرأ روايتي "كما نحب ونشتهي"، وقام هوايضا بالتعامل مع "المؤسسة العربية  للدراسات والنشر" التي أصدرتها في 2005، ليصبح من يومها اكثر حذرا، واكثر قسوة في التعامل معي ابداعيا، كانت الرواية بصعوبتها، ولأنها "متاهة نصية"/ هذا مانعتها به الصديق علاء اللامي في مقال خصصه لها في حينه / قد اصابته بالاضطراب، وفي المقايسة بين علاقته هو بها، واختبارات القراءة العامة، وجد مايجده عادة الكاتب نفسه، مقصرا، لانه لم يشر علي، بان اخرج النص من عالم "الرواية التي تصعب قراءتها"  بما انها نمط غير معروف في اللغة العربية، ولا مكان له وقد لايكون ضمن مناخات الرواية العربية التي ماتزال في جانب منها تبرر نفسها "تعليميا" ليصبح بدائيا بسبب غربتها وعدم توطنها عندنا بعد، بعكس مايدعي حداثيون مستعجلون.

 يوم بعثت له ب "ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ" شعرت به وهو يغالب رغبة جامحة بالتصفيق، لقد انتصرنا، والان يمكن ان نكون متاكدين من اننا قد تجاوزنا العثرة، غير انه لم يقل كلمة واحدة، ظل  يقاوم رافضا تحسيسي باي امتياز، ومن يعرف ناهض يعرف كم هو كتوم، يستطيع ان لايقول مطلقا الا مايعتقده واجبا، حتى ولو كان مزدحما باللهب، لكنه هنا وفي تلك المناسبة كان يكمل الخطوة التي تجعل منه الشريك الكاتب  لما يقرا، ويجعل مني محظوظا بالازدواج بدل الوحدة عند صياغة النص،  ولم تكن تلك مهمة عادية ابدا، كان وقتها يترصدني بدل ان يدللني بمناسبة يعلم هو انني استحق عليها ربته على الكتف، مرة واحدة في باريس حيث زارني، فلتت منه كلمة لم يقلها لي مباشرة،  ومرت في السياق لمحادث اخر: " لقد ذهلت"، واصر لحظتها على ان لايوجه نظره الي، الى ان فاجاني بعد صدور الكتاب باتهامي ب "النبوة بلا وحي" في مقال نشرله في مجلة تصدر في بيروت، كان عنوانه:" نبي من هذا الزمان"!!!!! بعد ان عني هو بالتصحيح، وبمتابعة تفاصل الطبع مع الدار ومعي، وهو يرسل لي النص مرات، او يطلب إضافة، مثل طلبه مني كتابة مقدمه، ردها علي حين كتبتها اول مرة بسبب غرقها في الذاتية أومالمح له هو وقتها بالقول: "ماتقوله لايعني القاريء بشي.. هذا شانك الخاص"، فاضطررت لكتابة غيرها، هي تلك التي صارت تتصدر الكتاب، كان هو حينها يمارس فن زرع حاسة الازدواج التي لم انجح في تعلمها فورا.

  راقبته  يتحول مع الأيام  وتباعا ليس الى معلم، ولا الى كاتب اخر لنصوص اكتبها ،هو اكثر الناس حرصا على تمامها  الحرفي، فليس مثل هذه المستويات والتدرجات هي ماكان مطروحا مقابل صيرورة توحد يقف فيها هو مني كاضافة شعورية ومعرفية تظل  ترتقي وتتفاعل  لدرجة انني ماعدت  استطيع ان أكون المؤلف الوحيد،  واندحرت في النهاية منتكسا حيث تكون انانية الكاتب فوق "الجميع"، كان ناهض قد جعلني اتنازل عن الأهم والارأس عند كل من يكتبون ويبدعون،منتزعا مني شرعية الاندماج المستحيل، الامر الذي سيتحول لاحقا وبقوة الاقدار، الى نوع اخر من حالة الحياة المنتقصة، والتي لاتستقيم بغياب احد ركنيها، تلك التي تشبع بدايات الشعور بالرغبة في الكتابة قبل توفر الوسائل اللازمة او اكتمالها بالحد الأدنى، كنت وقتها في حالة  إعادة ولادة.

 ولم يكن مااصفه اقل من شعور تبرره رفقة محاصرة بلا افق، تريد فتح الابواب على عالم يبدو خارج الممكنات، ويوم انتبه هو حسيا لما اسماه "القراءة الرابعة"/ القراءات الابراهيمية الثلاث هي، الموسوية، والمسيحية، والمحمدية الخاتمة/، كان يعلن بالأحرى انتماءه الى ماوراء الطاريء، فنحن كنا بحسب التعريف الشائع، وقد نكون مازلنا  بالعموم"يساريان"، تلك العباءة المهلهلة العالقة من زمن وجدنا  لنعيش عمرنا باحثين  عما بعده،  هذا حتى قبل ان نحتكم على توصيف للزائل المستمر باقيا بحكم تأخر البديل، فالانتقال من زمن "النهضة الايديلوجية العربية الكاذبة"، او مايزيد على قرنين من النظر الى الواقع بعين الايديلوجيا المستعارة، كانت ماتزال تسد علينا الأفق، بينما نحن نداهن ونراوغ مراوغة التاريخ عند لحظة تكسر اضلاعه قبل ان يلد، وهو مالم يكن قد بان منه حتى مع  "ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ"، سوى خيط رفيع غير قابل للاجمال، وبالأخص للادراج ضمن منظور مضاد يصلح باي حد او درجة مقبولة للحلول محل الماضي المتكلس المتوهم، او حتى الامل الجدي  بإمكان العبور الى الغد بظل تزايد وطاة الانحدار الاقصى.

كنا معاندين ومحطمين كما لم يسبق لتجربة ان لاقت من قبل، ويوم كتبت روايتي الثانية " قصر الضابط الإنكليزي" وارسلتها له، توقف ناهض القاريء النهم ولم يقل شيئا، صمت وقتها لايام قبل ان يضطر لمصارحتي قائلا"الرواية شيء اخربناء"، قلت له وقتها "فهمت قصدك لكنني اكتب روايتنا، وانا اسميها /الرواية العنقودية/" فصمت هذه المرة أيضا، وظل لايام يمتنع عن التطرق للرواية قبل ان يقول لي كانه يهمس لنفسه باعتداد "صح معك حق نحن نستحق روايتنا كما الامريكان اللاتين"، أكملت وقتها متحدثا عن الفاصل، بين يسار، وكفاح مسلح، وجيفارا، وواقعية سحرية، وبين زمن يخضع للدورات والانقطاعات، يقع في قلب العالم ونبضه، وهو مصدر اعظم امبراطورياته واثبتها في الوجدان البشري"التوحيدية الابراهيمية".

   كل هذا كان حريا بان يجعل ناهض يترك لي مع غيابه المفاجيء تواطؤا ضد ماهو،  او مايعتبر./الطبيعي/، وبما انني صرت غير واثق من قدرتي على انجاز عملي الفاصل الأكبر الذي سيحمل اسم "قرآن العراق" منفردا، فقد قررت ان اعتزل الناس كليا، وكان القصد ان أتمكن اذا قللت من اليوميات واثرها، والناس ووطاة حضورهم/ على الأقل بحسب سارتر/، ان استطيع الاحتفاظ بذاكرتي الناهضية  لدرجة جعلها فعالة،  وهنا كانت ستحضر حتما  حكمة المتصوفة والحلاج،  وصادفت في أعماق عزلتي طبعة من قول النفري " كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، ولا ابالغ اذا قلت بانني ومنذ ثلاث سنوات، كنت موقنا بان ناهض سيفعل كل مايجب، وكل ماكان يفعله من اعانة اتوقعها، وقصدتها، حتى انني صرت موقنا بانه لن يلبث ان ينهض بمجرد ان ينتهي العمل الأخير ويصير جاهزا للنشر، والامر لايخلو بالطبع من مبالغة بحسب سياقات العقل المترب، المعفر بغبار اليوميات والمستحيلات، مقابل شعور بالثقه الزائدة، وفرضية "عالم اخر" وشيك،  العمل الذي انا بصدده يفترض ان يكون منعطفا تاريخيا نحوه، فوق خرائب واقع عربي  شرق متوسطي منظور اليه بالفكرة المستعارة المنقوله، او ب"العمالة المفهومية"، بينما هو مستمر بالنظر لذاته بعين غيره، املا بعالم ناطق بلسانه، وتلك عتبة ليست اقل من  فاصلة، لا كمصير خاص عراقي او شرق متوسطي/ عربي، بل وعلى صعيد العالم.

  شيء وحيد سيبقى يؤرقني، وقد يفرض علي ان لااغادر عزلتي الى الابد، اذا انجز العمل ونشر، وتبين أخيرا ان "النبوة بلا وحي"، هي أيضا  نمط "نبوة من دون معجزات"... ولم ينهض ناهض؟ .

وسوم