المثقف الكوني والمثقف العضوي بين العلوي وغرامشي

هادي العلوي

علاء اللامي*

مرت قبل أيام الذكرى الحادية والعشرين لرحيل الباحث والمعجمي والمناضل الاجتماعي المشاعي العراقي هادي العلوي، هذا النص تحية لذكراه ولمنجزة الفكري الخصب الكبير.

ترك العلوي الكثير من الشذرات المكتوبة، والمداخلات المبعثرة، حول مفهوم "المثقف الكوني" والذي يسميه أحيانا "المثقف الأمي" كما أصَّلَهُ في التراث والحاضر، وكما قارنه فميَّزه عن مفهوم "المثقف العضوي" الذي سبق أن نظَّر له المفكر الماركسي الإيطالي الرائد أنطونيو غرامشي. ولعل أقصر وأوضح تعريف نجده بقلم العلوي للمثقف العضوي هو التالي (هو غرار المثقف الذي يتميز بعمق الوعي المعرفي والوعي الاجتماعي معا، وبعمق الروحانية التي تجعله قويا على مطالب الجسد، ومترفعا في تجربته الحياتية الشخصية على الخساسات الثلاث ويقصد بها يقصد بها المال والسلطة والجنس. أما اعتبار العلوي للجنس بعامة، مع أنه لم يعمم عن قصد ، وليس للانحلال الجنسي مثلا، خساسة، فهو أمرٌ أثار وسيثير الكثير من الاعتراضات ذات المحتوى الأخلاقي والاجتماسي والفلسفي معا/ ع .ل- وبالتالي قادرا على خوض النضال ضد سلطة الدولة وسلطة المال ومن أجل الشعب....ومن الذين يصدق عليهم هذا الوصف هم الذين تضمنتهم قائمة الأبدال في مدار الباء /حوار الحاضر والمستقبل /ص 158 سنشير إليه لاحقا بكلمة: حوار) من المفيد الإشارة إلى أنه كتب في موضع آخر من كتاب آخر هو مدارات صوفية – سنشير إليه لاحقا بكلمة: مدارات- فيعدد السلطات الثلاث كالتالي: سلطة الدولة، سلطة الدين وسلطة المال. وهو يقصد بسلطة الدين، سلطة رجال وعلماء الدين حين يُحِلُّون أنفسَهم محل النص الديني أو المطلق الديني. أما قائمة الأبدال، والأبدال مصطلح صوفي قطباني بعثه العلوي من جديد[1]،  فتضمُّ عشرين بدلا يذكر من بينهم:  لاوتسه ومنشيوس ويسوع الناصري "المسيح" وأبو ذر الغفاري وعامر العنبري والحلاج والنفري وعبد القادر الجيلي"الكيلاني" وغوته وماركس ولينين وتولستوي ولو يوهانسن.

ولكي نوضح أكثر مضمون مصطلح "المثقف الكوني" نمرُّ الآن على مقارنة وردت في ردِّ للعلوي على من سأله إن كان "المثقف الكوني" هو ذاته مصطلح "المثقف العضوي" الذي أصله غرامشي.

 يسأله محاوره خالد سليمان: أليس" مثقفك الشرقي المتماهي مع الجماهير " هو مثقف غرامشي العضوي؟ فيجيب العلوي (يختلف ... فالمثقف العضوي، هو الفعّال في المجتمع لأجل إحداث التغيير. ولا شك أن التغيير الذي كان يريده غرامشي يتحدد ضمن المفهوم التاوي للدولة أي أن توضع في خدمة الشعب. لكن اشتراطات المثقف العضوي، كما تحدث عنها غرامشي، تدخله في ساحات تبتعد به عن هموم الناس. ومن هنا لم تكن تجربة الحزب الشيوعي الإيطالي عميقة وسط الجماهير، ولم يستطع أن ينافس " الكثلكة"على مواقعها لأنه ركز كثيرا على النضال السياسي والأيديولوجي، ولم ينشئ مؤسسات القاعدة التي تخدم المصالح اليومية من هنا كان مثقف غرامشي العضوي مناضلا سياسيا أكثر منه مناضلا اجتماعيا / حوار الماضي والمستقبل ص66) ليست مشكلة العلوي مع مصطلح غرامشي في النسيج المضموني لفكرة المثقف العضوي بل يمكننا أن نراها بوضوح في طبيعة مهمته. إن مهمة المثقف العضوي بحسب غرامشي هي المساهمة في بناء وتشكيل الهيمنة الثقافية والمشاركة في تكوين طبقة من المثقفين الجدد لصالح مشروع الحياة الجديدة الذي يبشر به الحزب الثوري. أما العلوي فيعتبر ما يدعى بالنضال الفكري والثقافي والصراع الآيديولوجي لغواً فارغا ومضيعة للوقت مثله مثل النضال السياسي للحركات والأحزاب الشيوعية. في نظر العلوي لا ينبغي أن تكون الشيوعية حركة سياسية هدفها الوصول إلى الحكم لتنتج دكتاتورية تسمي نفسها "ديكتاتورية البروليتاريا" فيما هي في حقيقتها دكتاتورية الحزب المسيطَر عليه بدكتاتورية اللجنة المركزية المسيطَر عليها من قبل الدكتاتور الأول أي الأمين العام، بل يمكن أن تبدأ الحركة الشيوعية ببناء المجتمع الشيوعي حتى وهي خارج السلطة عن طريق إقامة المؤسسات الاستهلاكية والانتاجية المحكورة المنتجات للفقراء ومحدودي الدخل والمباعة لهم بسعر التكلفة.. العلوي هنا ينتقد نموذج الحزب الستاليني المتطور عن النموذج اللينيني، الذي رفضته بعمق وعلى طول الخط القائدة الشيوعية الألمانية روزا لوكسمبورغ، واستشرفت بصفاء عبقرية ما سيؤول إليه لاحقا، بل كان يريد ويعمل على إيجاد حركة اجتماعية طبقية شيوعية هدفها إقامة المجتمع اللاطبقي على مستوى القواعد. إنه لم يشترط أصلا وجود حزب أو حركة شيوعية في السلطة لتحقيق ذلك الهدف، مع أنه رأى في وجود حزب اشتراكي أو شيوعي أو يساري تقليدي أمرا يسهل تحقيق البرنامج المشاعي، ولكنه قال بإمكانية العمل على تحقيق المساواة المشاعية حتى بوجود سلطة يمينية من حيث الأيديولوجيا السياسية التي تتبناها كأن تكون بقيادة الإخوان المسلمين أو غيرهم كما قال ذات مرة. وقد تبدو هذه الفكرة باعثة على الضحك في نظر دعاة الشيوعية السياسية الفوقية، التي فشلت مرارا وتكرارا وتم تدمير انجازاتها بسهولة من قبل العدو الطبقي الداخلي والخارجي في عهد غورباتشوف في الاتحاد السوفيتي وتوابعه في أوروبا الشرقية  ودنغ سياو بنغ في الصين، ولكنها تنسجم تماما مع تنظيراته حول التفريق بين الشيوعية الاجتماعية القاعدية وبين الشيوعية السياسية الفوقية، التي تُكَرَسُ ثلاثةُ أرباع جهود أحزابها ومناضليها لما يسمونه النضال الفكري والأيديولوجي، متخلية هكذا عن مهمتيها الرئيسيتين: البدء ببناء مشاعية القواعد باستقلال عن الدولة أو بإرغامها على المشاركة في البناء وإعطاء الحقوق لأصحابها، والمساهمة في مقاومة الهيمنة الغربية الإمبريالية بجميع الأشكال الممكنة ضمن الموقف الوطني الجذري. في هذا الصدد تحديدا، نقرأ في تعقيب له على "ملف الإصلاح الديني والسياسي" والذي كتبه بناء على رجاء من هيئة تحرير مجلة "الطريق" اللبنانية الشيوعية ولكنها لم تجرؤ على نشره، يكتب العلوي منتقدا كاتبة لبنانية من صفوف اليسار قالت في اجتماع حضره ( إنَّ مشكلتنا اليوم ليس مع الإمبريالية ولا أنظمة قطاع الطرق بل إن الإمبريالية مسمى موهوم وإن الولايات المتحدة تتصرف كدولة مسئولة عن العالم وينبغي دعمها لئلا تنهار وإن انهارت سينهار العالم وعلينا ان نقف بجانبها وندعمها حتى لا تنهار وصدَّق على قولها جميع الجلساء.. هكذا يصبح العدو الأوحد لتسعين بالمئة من مثقفينا هو الإسلام "السياسي" وهذه الإلحاقة للتمويه فالعدو هو الإسلام نفسه: تاريخه الحضاري وتراثه العظيم ومنجزاته العالمية التي مهدت بالتكامل مع منجزات الحضارة الصينية لولادة العصر الحديث ... إن الصراع الحقيقي في الساحات الحقيقية ليس صراعا فكريا، ومشكلتنا ليست مشكلة أيديولوجية، وما هو مستهدف من قبل العدو ليس الثقافة ولا المثقفين بل هي أراضينا وثرواتنا وكرامتنا الوطنية فالصراع هو صراع بين معتدي ومعتدى عليه ...تحت رعاية هؤلاء الساسة يعمل فريق واسع من مثقفينا، ويشاركونهم نفس الخساسات ونفس الهواجس رافعين معهم راية الحرب على الأصولية. والأصولية من جهتها ليست إلا الوجه الآخر للعملة المزيفة / ص 38 وما بعدها/ المرئي واللامرئي- دار الكنوز الأدبية – بيروت 1997) .كتب العلوي هذا الكلام قبل ربع قرن أما اليوم فقد أصبح البعض من ذيول الاستشراق الغربي يفلسفون ويروجون للانتصار النهائي للحضارة الغربية على سائر حضارات العالم ويطالبون شعوب الأرض بالرضوخ والاندماج في هذه " الحضارة" الملطخة بدماء البشر ورماد الطبيعة المدمرة برأس المال، خالطين عن عمد أو غباء أو كليهما بين الحضارة الغربية والحضارة الحديثة التي هي نتاج لكل ماهو مضيء وإيجابي في جميع حضارات العالم وفي الاساس منها الفلسفة الرشدية ( نسبة إلى ابن رشد أو آفيروس كما يسميه الأوروبيون) التي قامت عليها فترة نهوض أوروبا في عصر في عصر النهضة في القرن الرابع عشر ثم في عصر التنوير في الثامن عشر)!

وإذا كان  غرامشي يرى (أن الحزب الثوري هو وحده القادر على تكوين طبقة جديدة من المثقفين العضويين المرتبطين بهموم الناس وقضايا العمال والفلاحين ...و ان هؤلاء المثقفين العضويين يمكنهم ان يشكلوا هيمنة بديلة عن الهيمنة البرجوازية) وإذا كان  غرامشي هو الوحيد الذي اعتقد بأهمية المثقفين ودورهم في التغيير، إذْ كان يؤمن بأنهم قادرون على صنع المعجزات إذا ما التزموا بقضية الشعب الأساسية التزاما عضويا وحيويا، وأن البورجوازية تخشاهم وتعرف أن نفوذهم كبير ولذلك تحاول أن تشتريهم بأي شكل، فإن العلوي يرى في المثقفين - كما راقب نموذجهم العراقي والعربي عن كثب - أسوأ العاملين والناشطين في ميدان تحقيق المشروع الاشتراكي الشيوعي، أو في ميدان القضايا الوطنية العامة في فترات العدوان الغربي والحصار على العراق في عهد دكتاتورية البعث أو في قضية الدفاع عن نهري دجلة والفرات في وجه المشاريع التركية والإيرانية. ولكننا لا يمكن أن نقلل من صواب الخط العام لفكرة غرامشي حول أهمية المثقف العضوي لناحية دوره الآيديولوجي – بالمعنى الإيجابي للأيديولوجيا بوصفها تنظيم مكونات الفكرة النظرية، وليس بوصفها وعي زائف للذات بعبارة ماركس، ولا بوصفها حجاب العقل بعبارة الغزالي- ولكننا سنجد الكثير من الأدلة على صحة موقف العلوي النافر من نموذج المثقف الحزبي وشبه الحزبي الذي يضع نفسه محورا للكون والوجود ويعتبر أنَّ قصيدة يكتبها أو مقالة ينشرها أهم من مظاهرة مليونية لفقراء يطالبون بحقوقهم الطبقية.

ولأننا ما نزال بصدد المثقف ودوره الأيديولوجي يمكننا ان نشير إلى انتباهة عميقة ومهمة جدا يفرق فيها العلوي بين الأيديولوجيا الدينية والأخرى العلمانية في العصر الحديث. فحوى تلك الانتباهة هو أن الأولى – الأيديولوجية الدينية -  أثبتت أنها أرسخ في نفوس الناس من الثانية ويُفَصِّل فيقول (فالجماهير في البلدان الاشتراكية -السابقة – اعتنقت الماركسية اللينينية ضمن صراعها الطبقي ضد الإقطاع ورأس المال، فكان التلازم قائما بين الأيديولوجيا والواقع، فلما انحرف الواقع عن الأيديولوجيا، تخلى الناس عنها. أما العقيدة الدينية فتنشأ من الإيمان المجرد بالقوة الغيبية، وهو إيمان موروث تكوَّن مع ظهور الإنسان وخروجه من مرحلة النسناس فهي كامنة في أعماق اللاشعور الجمعي للإنسان. حوار 51 ) 

تفسر هذه الانتباهة المفهومية التي يقول بها العلوي الكثير مما اعتبر في عداد الأحاجي والأسرار التي تحيط بتكوين وحركة الأيديولوجيا، وبدور القائمين عليها من رجال الفكر الذين يطلق عليهم غرامشي "المثقفين العضويين"، وخصوصا خلال الأحداث المهمة والعاصفة كتدمير الاتحاد السوفيتي والدول السائرة على نهجه في أوروبا الشرقية. كما أنها تجيب على أسئلة كثيرة تتعلق بالجانب الأيديولوجي لتجربة البناء الاشتراكي في أوروبا الشرقية حسب النمط الستاليني ذي الحزب الواحد واقتصاد رأسمالية الدولة الفوقي، ولكننا سنؤجل الحديث في هذا المدار، ونعود إلى مثقف غرامشي العضوي مقارنة بمثقف العلوي الكوني.

يُعَرِّف "غرامشي" المثقف تعريفا فضفاضا، فهو يرفض تصور وجود نشاط فكري أو ذهني خاص بطبقة اجتماعية معينة، ويمكن أن نجد هنا رفضا للتخصصية في الثقافة، ولكنها تعني أكثر من ذلك وصولا إلى رفض الفصل بين النشاط الفكري والآخر اليدوي. الأول لا يخلو من الثاني، والعكس صحيح. ويلخصه قوله (جميع الناس مثقفون من وجهة نظري، وكل إنسان يملك وجهة نظر هو مثقف بمعنى معين) إن العلوي يخطو خطوة أبعد وأكثر جرأة في هذا الاتجاه إلى درجة تجعله يتقاطع مع المفهوم الشائع للمثقف العضوي، وذلك حين يعطي ميزة فرادة وأفضلية للمثقف الأمي – الشعبي الذي لا يقرأ ولا يكتب - على المثقف المتعلم وحامل الشهادة الأكاديمية. فالأمي قد يكون حكيما أو نبيا أو مصلحا كبيرا. و كان الريف العراقي خلال نمط حياته المشاعي الذي دمره الاستعمار البريطاني فيما بعد، يعج بأمثال هؤلاء "الأميين المثقفين"  من شاعرات حكيمات كفدعة الإزيرجاوية "قبيلة بني الأزرق المشهورة بولائها السابق للخوارج وهي الآن على مذهب الشيعة الإمامية" أو شيوخ حكماء كحمد آل حمود وصديقه علي " بكسر العين" آل صويح والد الشاعرة فدعة  وغيرهم ، فهؤلاء أكثر ممن يسميهم غرامشي ( حاملي رؤية شخصية معينة للعالم ) وأقرب إلى الحكماء، أما المثقف الجاهل فيبقى جاهلا حتى لو حاز عدة شهادات دكتوراه وما أكثر أمثلتهم في حياتنا المعاصرة.

و العلوي لا ينكر أو يخفف من عدائه للمثقف بهذا المعنى، بل وحتى بمعانٍ أفضل منه قليلا، وقد قال بهذا الصدد مفسرا موقفه (سبقني إلى معاداة المثقف شيخنا الروسي - يقصد  لينين – الذي اتهم المثقفين بالرخاوة والروح البرجوازية، وهذا الوصف يأتي من طبيعة الثقافة الغربية. ومثقفونا العرب غربيون في جملتهم. وعدائي لهم جزء من عدائي للثقافة الغربية – الثقافة الغربية وليس الثقافة الحديثة فهذه الأخيرة يدافع عنها العلوي ويعتبرها إنجازا لكل البشرية وللعرب المسلمين فيها حصة ضخمة منها الفلسفة الرشدية التنويرية. ع ل- إن الأكثرية الساحقة لمثقفينا لا تفرق بين ثقافة غربية وثقافة حديثة وهي تستلهم النقائص الغربية على السواء وسلوك مثقفينا مأخوذ من هذه الثقافة، ولذلك نجد التكالب عندهم على الامتيازات وقلما أجد فيهم مثقفا يرضى بالكفاف في العيش أو يقتنع بامرأة واحدة هي زوجته أو يتعالى على الشهرة والجاه .. عندنا شعراء يلطمون في شعرهم عن الجياع ولكن حلمهم الأقصى هو الحصول على قصور يسكنونها ليكتبوا فيها الشعر لأن الشعر عندهم لا يكتب إلا في ظروف جيدة[2].. وجميع هؤلاء يتكالبون على ترجمة مؤلفاتهم إلى اللغات الغربية حتى يقرأهم الغرب ويشتهروا هناك ومعظمهم يدفع الرشوة لهذا الغرض ، مؤكدين بذلك تبعيتهم للمرجع الغربي ومن هنا ضعف شعورهم الوطني وانسلاكهم في سلك العولمة ، ولو لا خوف أكثرهم من الجماهير لذهبوا كلهم إلى إسرائيل[3] . هادي العلوي حوار الحاضر والمستقبل ص 154 ) .

إنَّ من شروط تحقق "المثقفية الكونية" يضيف العلوي، الحرمان ويعرفه بالقول (الحرمان فرض على أهل العقل حين تعظم ثقافتهم فتبلغ النصاب الذي تجب عنده الضريبة ... والحرمان آية المثقف الكوني لا آية الشاعر – والأخير في عداد الأغيار مثله مثل الملوك والجلادين والأغنياء - وهو ناتج عن مسؤولية المثقف الكوني تجاه الخلق. وتتعين هذه المسؤولية في حكمة الصين والإسلام ... وقد اختص بالحرمان قادة الثورات الاشتراكية وهم البلاشفة وشيوعيو الشرق الأقصى وقد واصله الشيوعيون الصينيون بعد أن نجحوا في توفير الطعام للشعب كله لكن حرمانهم لم يكن كحرمان التاويين بل عاشوا كما يعيش الشعب في طعامهم وملابسهم وسكنهم. ومن المفارقات أن راتبي في ذلك الوقت كان أكبر من راتب ماو تسيتونغ وخليفته هوا كووفنغ فقد كان راتبي خمسمئة يوان وراتبهما أربعمئة يوان . وكان هذا قبل أن أدخل في السلك.. ص 16 مدارات صوفية) وللتوضيح فإن العلوي يقصد بالسلك سلك التصوفي القطباني ( وهو تعبير عن انتماء روحي وثقافي وليس عن حركة أو مؤسسة لأن التصوف لم يعد قائما كحركة /ص134 حوار) بمعنى أنه  قارب الدرجة النهائية من تبني وجهة نظره الشخصية والخاصة بالجمع بين الأقانيم الثلاث للمشاعية الحديثة كما يراها: التصوف الإسلامي  القبطاني والحكمة الصينة متجوهرة بالتاو والتطبيق الصيني للبناء الشيوعي الماركسي  و قد حدث ذلك خلال هجرته الأولى إلى الصين سنة 1977 . ومع أنه يحترم تجربة البناء الشيوعي في الصين خلال الخمسينات والستينات وحتى السبعينات، ولكنه أمسى بعد ذلك لا يحب ولا يؤيد ماو سيتونغ وقد قال عنه في مواضع أخرى بأنه "فقد عقله" حين تحالف أو تصالح مع الولايات المتحدة في عهد رئيسها نيكسون في سبعينات القرن الماضي، وفي خضم اشتعال الخلاف والصراع الآيديولوجي بين الصين والاتحاد السوفياتي آنذاك. وبوصول دنغ سياو بنغ انتصرت الثورة المضادة على المشاعية في الصين وتحول البلد إلى رأسمالية دولة متوحشة مع بقاء حزب يسمي نفسه شيوعيا في الحكم. ومن الطريف ما لاحظه العلوي من أن قياد هذا الحزب تمسكت بصف الشيوعية ولكنها قررت حذف كلمة "رفيق" من التداول فيه، واستبدالها بكلمة مواطن على طريقة الأحزاب البرجوازية في الغرب[4].

يقترن "المثقف الأمي" لدى العلوي بمحموله وهو ما يدعوه بالثقافة المروَّضة – بالواو المشددة المفتوحة أي بصيغة المفعولية بدلالة ما سيلي من كلام حولها. ع ل- وهو يرفض صيغة " المثقف الشعبي" مع أن الكلمتين (مترادفتان في الأصل فالعامة مصطلح القدماء الذي ندعوه اليوم الشعب، والعامي هو الشعبي. ولكن الكلمة ابتذلت على لسان المثقفين والسياسيين ومنهم الحكام حتى صرنا نقرأ " الشرطة في خدمة الشعب" فاخترت لذلك تعبير "المثقف الأمي" لأن أيدي التزوير والمزايدة لم تلمسه بعد. ص132 / حوار) مهما يكن رأينا بهذا التبرير فإن المضمون الفكري لهذا الاصطلاح هو ما يهمنا هنا لعلاقته العضوية بما يسميه العلوي "التكوين المثقفي الروحي".

*كاتب عراقي

[1] - الأبدال : في لسان العرب : هم قوم صالحون بهم يقيم اللهُ الأرضَ .. لا يموت منهم أحد إلا قام مكانه آخر فلذلك سُموا أبدالا. وعن ابن شميل : الأبدال خيار " جمع خَيِّر" ، بدل من خيار . وقال بن السكيت : سُمي المبرزون في الصلاح أبدالا لأنهم أبدلوا من السلف الصالح " أي قاموا مقامهم بعد ذهابهم" .. وأورد المناوي في شرح الجامع الصغير عن علي بن أبي طالب أنهم " لم يسبقوا الناس بكثرة الصلاة ولا صوم ولا تسبيح ولكن بحسن الخلق وصدق الورع وحسن النية وسلامة الصدر ... وفي "تنبيه المغتربين" للشعراني عن النبي : إنهم لم يدخلوا الجنة  بكثرة صوم ولا صلاة وإنما دخلوها بسخاوة النفوس والنصح للأمة ... والحديثان عن النبي وعلي من وضع الصوفية . وبهما تنتفي عنهم صفة العبادة وتكون البدلية على الصلاح والنصح للأمة . أما دخولهم الجنة فإذا أخذناهم في مذاهبهم الصوفية فهم لا يدخلونها أنهم لا يسعون إليها. والأبدال مصطلح صوفي ولا بد من تقييدهم بشرط التصوف ومقتضياته...ص112 مدارات صوفية – تراث الثورة المشاعية في الشرق – المدى – دمشق - 1997

[2] - كتب العلوي هذه العبارات الشديدة الوطأة على "المثقفين الأفندية"  قبل احتلال العراق بسنوات، فقد رحل العلوي قبل هذه الكارثة وبالضبط 27/9/1998 .. ليت شعري، ما الذي كان سيكتبه لو امتد به الأجل  بضع سنوات ليرى كيف تحول أغلب المثقفين العراقيين والمشتغلين بالثقافة ومشمولاتها – بالقطعة أو بالعقد مع مجلس إعمار غارنر وبول بريمر ، من تعليم وصحافة وأبحاث وفنون إلى مجموعات وزمر تتكالب على قطع الأراضي والمُنَحِ الحكومية التي تنثرها الحكومات الحليفة للاحتلال ذات اليمين وذات الشمال وعلى طريقة وهب الأمير ما لا يملك لمن لا يستحق ..فيما شرطتها وكلابها ومجنزراتها تطارد فقراء العراق وتهدم مساكنهم على رؤوسهم وتسميهم "المتجاوزين على أملاك الدولة" وكأن الدولة من أملاك أولئك الذين خلفهم  لنا نظام صدام ومن بعده الاحتلال.. ليت شعري، ماذا كان سيكتب العلوي لو شهد وشاهد ما شهدنا وشاهدنا بعد رحيله! و الأنكى من كل ذلك أن أغلب هؤلاء المتكالبين على الأراضي من "المتثاقفين"  لا يريدون بناءها "والسكن فيها لكتابة الشعر" كما قال العلوي، بل ليتاجروا بها ويجمعوا الأموال الطائلة منها!

 

[3] - إشارتان مهمتان وعلى جانب من الطرافة والعمق وددت تسجيلهما بخصوص كره العلوي " للمثقفين" العراقيين المتغربنين والمستقيلين من مصائب ومشكلات وطنهم وشعبهم منهم بخاصة: الأولى، هي أنه يذكرهم  في صلاته أو ترنيمته الصباحية إلى روح الكون و التي يبدأ بها يومه، أقول إنه يذكرهم فيها  كأغيار "أعداء؟". لنقرأ ( سلام عليك أيتها الروح السارية في وجودي ... أيتها النار الأبدية التي تتوقد في صدري فتحميه من برد النسيان ... سلام عليك أيتها الحروف العاليات ... ها أنا أبدأ يوما جديدا من صراعي ضد الأغيار الأربعة، مستعيذا بك من الخساسات الثلاثة، ومستمدا منك القدرة على الاقتحام .. يا معيني على البلوى أعني على التأويب في ديار الهم والغربة .... الختام بركعة كونفوشيوسية...) والخساسات الثلاث قد تقدمت، أما الأغيار الأربعة فقد رتبهم  العلوي كالتالي في هامش الترنيمة :  الحكام ،المثقفون ، الرأسمالية و الاستعمار..!

 الإشارة الثانية هي  إلى عبارة طريفة وردت في رسالة شخصية منه إلى الصديق غانم حمدون – رئيس التحرير السابق لمجلة الثقافة الجديدة / العراقية -  ونشرها غانم في العدد الخاص برحيل هادي وهذا نصها ( أصحابنا – من سياق الرسالة نفهم أنه يقصد المثقفين واليساريين منهم خاصة -  يذهبون إلى هناك – البلدان الإسكندنافية – لا بحثا عن حرية أكثر ، فهم أحرار في مكانهم بكل ما يخص الوضع العراقي ، إنما بحثا عن معيشة أفضل وراحة أكثر ، وتعرف أن أمنية العراقي هي " النوم على خرز الظهر"، الثورة الثقافية – الصينية – كانت تسمي المثقفين العَفَن رقم 9 ، وقد أخطأت بحق المثقفين الصينيين ولو قالتها بحق مثقفينا لأصابت وأجادت .ص119 الثقافة الجديدة العدد287/1999.

[4] - في كتابة " النبي المسلح" وهو سيرة  حياة ليون تروتسكي الزعيم الثاني للحزب البلشفي بعد لينين، ينقل أسحق دويتشر أن لينين حين ساءت علاقته تماما بأحد رواد الاشتراكية الماركسية الروسية وأظنه بليخانوف بعد افتراقه فكريا عن تيار لينين تقدم من هذا الأخير في أحد الاجتماعات وخاطبه بعبارة " أيها المواطن " وليس بعبارة " أيها الرفيق" فاعتُبِرَت تلك أقسى إهانة تلقاها بوخارين من لينين آنذاك.