شيوعيتان : بنيويه وطبقية ماركسية/3

عبدالاميرالركابي

يتولد عن علاقة الغرب "الحديث" بعالم وبلدان ماقبل الحداثة، اشكال معرفي أساسي، عادة مايجري التغاضي عنه وتجاهله لاسباب معلومه، لها صلة وثيقة بطبيعة الثقافة في البلدان المقصودة، واشتراطات تشكلها. والسؤال الذي يظل مبعدا عن الصورة والحالة هذه : هل ان المثقف في " البلدان المتخلفة" هو نفسه "متخلف"مقارنة بمثيله ومناظره الغربي كما البلدان التي هو منها، ام هو حداثي متطابق مع المقياس الغربي بحيث يمكن نسبته اليه عضويا؟، وبالذهاب بناء عليه الى المنجز الثقافي المعرفي في الحالة المقصودة، يبرز التردد التالي بين الواقع والنص، او الممارسة، او بين الواقع والفكرة، او عملية التفكر ومايتبعها وينشا عنها، ويجب هنا ان لاننسى الفرق بين ان يكون المثقف "مثقفا" بعين الناس في محيطة"المتخلف" الذي ينسبه للغرب، وبدلالة وطاة هذا الاخيروضخامة وسائله التعليمية منها والأكاديمية "العلمية"، او المفهومية المستجدة المستحدثة وحضوره الباهر، ام هو "مثقف" بحسب الاعتبارات المعيشة. بالمقابل هل الذين ظلوا يمارسون ماينتمي لعالم الفكر والابداع في العالم العربي، يفعلون مايفعلونه بناء لمقتضيات وحوافز "ذاتية" مكان/ تاريخية حية، ام يفعلون مايفعلونه بناء لحالة ناشئة خارجهم، ليسوا هم من اوجدها بالاستناد لكينونتهم الوطنية؟
هنا تطالعنا اكذوبة رائجة تقول بخضوع العالم لمقتضيات الحداثة والعصر بالتساوي، وبما يوحد المفاهيم والنظر، وصولا لالغاء الخصوصيات، وتلك واحدة من اكثر خاصيات المنظور الغربي الممارسة ضمن اليات الهيمنة والاخضاع، حضورا، وهي من اهم مايكرس مظهر "التخلف المعرفي" الحداثي الطرفي، مانحا إياه نوعا من الغطاء الايهامي، سواء من حيث بنية الأفكار، او المقياس المعتمد في تقييمها، وبحسب الأخير فان مقياس الغرب نفسه، لايقبل مثل هذه الطريقة في التقييم او التصنيف،بل يخرج انعكاساته على غيره، ومن ثم عالم التشبه والمتشبهين به، من دائرة او قائمة المنجز الحي الراهن، مايجعلنا معنيين والحالة هذه بالبحث عن تقييم مناسب للحالة الثقافية التفكرية المشوهه بعد ان نتساءل على سبيل المثال : ترى لماذا لم تظهر الشيوعية وغيرها من الأفكار المتصلة بحداثة الغرب في القرن التاسع عشرن، او الثامن عشر، في العراق، عند الزمن نفسه الذي ظهرت فيه في اوربا، او قبل ذلك؟
بحال البحث عن مثل هذه الامكانية، لن نعدم ان نجد في التاريخ العراقي مايبرر مثل هذا التطلب، وهو بالأحرى بارز وضخم، حتى قبل اكثر من الف عام من الان، وظهور القرمطية في ظل "الإسلام" عدا غيرها من التيارات من الاسماعبية الى اخوان الصفا والمعتزلة... الخ، يكفي كدلالة على كون واقع العراق ومابين النهرين البنيوي، ليس مفتقرا من حيث تلازم تعبيره المشاعي عن نفسه، ان لم يكن سباقا بما لايقاس مقارنه باوربا، بالاخص على هذا الصعيد، هذا اذا لم نذهب الى البعيد، حيث تجليات الدورة الحضارية الأولى، السومرية البابلية/ الابراهيمية، والحجة المناقضة هنا معلومة، فالحديث عن نظرية الشيوعية المعاصرة مشروط بالانقلاب البرجوازي الراسمالي الحاصل في الغرب حديثا، والحدبث عن "اشتراكية" و "شيوعية " قبل هذا التاريخ مستحيل، وهو يدخل باب الخرافة.
وتلك حجة لاينكر ماتنطوي عليه في الظاهر من اتفاق مع المنطق وشدة الاقناع، لكنها في الحالة التي نحن بصددها ـ عراقيا ـ اقرب لان تدل على قصور مضاعف يحمل من يصدقونها او يؤمنون بها، وزر حالة النكوص التي منها ينطلقون كي يختاروا انتماءاتهم في الحاضر، ولن نتوقع عندها ان يعتقد هؤلاء بانطواء حالتهم التي ينتسبون لها وجوديا، على منظور صيرورة محايث، ومن جنس بنية موضعهم، له هو الاخر مقومات "صيرورة تاريخية"، لاتخضع للمخطط "التاريخي الغربي" ولا ل "تاريخانيته" الحديثة، وبغض النظر عن تكريس الغرب لمفهوم "نهاية التاريخ" قبل فوكاياما باكثرمن قرنين، يوم جرت مصادرة التاريخ والحاقه بالغرب، بدلالة حداثته وثورته البرجوازية باعتباره "ممكنا وحيدا"، ماقد صعّب الى اقصى الحدود الممكن تصورها، على أبناء العالم الطرفي والعراقيين في مقدمتهم، مهمتهم التي هي بالأحرى، ابعد من كونها "وطنية" وحسب، او "خاصة" محلية، بما انها تتوجه لكسر الاحتكار الغربي للتاريخ الإنساني، واضعة التحولية اللامجتمعية، مقابل اللاطبقية الماركسية كمآل وهدف للتاريخ.
وماكان لفهد او غالي زويد، او حسين الرحال اطلاقا، حيث وحين وجدوا، سوى ان يكونوا من قبيل الحلقة الدالة على اشكال واحتمالات تجلي "الشيوعية" المستعارة من الغرب، ووطاة حضوره، بحكم كونها "ضرورة آنية" من جهة، وحالة فبركة وتشويه لخاصيات كينونة تاريخية من جهة اخرى. سائرة الى ـ بحسب مآلها الطبيعي ـ التصادم الحتمي مع الحقيقة الوطنية الازدواجية المجتمعية.
وفي الضرورات او مبررات الظاهرة مدار البحث، يتيعن اجراء مسح للمروية او السردية المفبركة للتاريخ العراقي المعروف بالحديث، ابتداء من " ثورة العشرين" وماترتب عليها وعلى سلوك الاستعمار الإنكليزي، وهو ماسنجده حاضرا في أسس الصياغة التي تعتمدها قوى الحداثة والماركسية منها للوحة التاريخية اللاحقة على حضور الاحتلال الإنكليزي، ابتداء من تعيين المقصود برايها، او مايمكن نسبته ل "الوطنية التي لاتكتسب صفتها تلك الا حين تصبح غربية" او لاتكون(9)، ذهابا الى "وطنية ثورة العشرين العامة" بحسب المخطط الموافق للمنظور الغربي عن تشكل الأمم الحديثة، حتى الوصول من ثم الى صناعة لوحة "طبقية" دالة على اكتمال تشكل العراق الحديث بحسب المخطط التاريخي الطبقي الغربي، بغض النظر عما اذا كان له من وجود في بنية العراق التاريخية او الراهنة.
لابد أولا من "صناعة عراق" مصاغ ومركب بحسب ما يبرر وجود "حزب للطبقة العاملة"، ومن ثم ل "صراع الطبقات"، و " البروليتاريا ومصالحها وحزبها"، وهو ماكان ممكنا ان يطبق حتى على الجزيرة العربية كمثال، وقد حدث في مناسبات دالة وضع كتابات عن اليسار واليمين في الإسلام، او الإسلام الجزيري والصراع الطبقي، ومنها مجمل الكتابات التي تنظر في ظهور القرمطية في العراق ابان الدورة الثانية العباسية القرمطية من منظار طبقي، في موضع، الصراع فيه نتاج كينونته الانشطارية المجتمعية.
هل يجوز التفكير مثلا بالاتفاق مع مقتضيات البنية الأساس التاريخية في ارض مابين النهرين، بان ثورة العشرين لم تكن ثورة وطنية عامة بقدر ماهي " ثورة مجتمع اللادولة عند لحظة من التشكل الراهن الثالث"، المتجاوزه لمقتضيات المعروف ب "التحرر الوطني" ولحدود الغرب وراسماليته وحداثته، حدثت ضمن اشتراطات غزو نوعي يحمل عناصر الافناء. بداية مع مجيئه من جنوب العراق، حديقة مجتمع اللادولة التاريخية، التي لم يسبق مطلقا ان وجهت نظرها للجنوب كمصدر خطرلاستحالة الغزو منه،لاسباب جغرافية وتواصلية مجتمعية، في حين تعرضت ارض مابين النهرين على الدوام، ومع مر القرون لسيل من الغزوات وانحدار السلالات من كل الجهات الأخرى، الشمالية، والشرقية، والغربية ( تكرر الغزو من الجنوب في خطوة دالة مع الولايات المتحدة الامريكية في 1991/2003) ماعدا منشا ورحم مجتمع اللادولة العبيدي السومري القرمطي، الذي من بين ألاسباب الحيوية التي ساعدت على وجوده واستمرار خصوصيته الكيانية النوعية، كونه محمي ومؤمن من جهة ظهره. وهذا المتغير ودلالته، إضافة لنوع المحتل، ونوع تسليحه وخططه الحربية ووسائله الالية غير المعروفة من قبل، عدا عن نوع ممارسته المنتمية لنظرية "الاستعمار الهندي" الاذلالية المتغطرسة، التي وصل الإنكليز للعراق يحملونها، وماكان لكل هذا ان يولده من شعور عميق بالازالة من الوجود، مايفسر نوع ردة الفعل، وشكل الاستنفار وحجمه قياسا لعدد السكان، ونوع الوسائل المستخدمة في القتال، ونوع التكتيكات العفوية، وماولدته من حالة الفعالية القصوى: "الطوب احسن يومكواري" و "هزيت ولوليت لهذا"، بصفتها حالة تعبئة ذاتية قصوى للذاكرة والممارسة الجمعية التاريخية المختزنة لمجتمع لادولة، لاعلاقة لها ولالتفصيلاتها ومفرداتها باية مقاربات غربية حديثة.
كتبت المس بيل تصف حالة الجيش البريطاني ابان الثورة تقول :" ان نهاية الإمبراطورية الرومانية، تعتبر اقرب حدث تاريخي يقارن بوضعنا في الوقت الحاضر " (10) والاكيد ان الإنكليز كانوا على شفى هزيمه محققة، وانهم هياوا خطط الانسحاب منه(11)، ماكان سيعني وقتها عالما اخر، ومسارا للتاريخ في العراق والمنطقة مختلفا كليا عما عرف، ومايجري تكريسه على انه قدر وحكم تاريخي نهائي مقرر، مع إزالة منطويات واحتمالات الحياة الفعلية، وعناصر النبض الحي، ونوع القوى والطاقات الفعلية الناظمة للتاريخ عند تلك الانعطافة الفاصلة. وبالذات ماترتب عليها وعلى نتائجها، من خطط وسياسات مفروضة بحكم العجز، فالانكليز، اضطروا لماقد اعتمدوة من "إقامة حكومة من اهل البلاد كواجهة"، لامن باب تكريس الاستعمار غير المتاح ولا الممكن، بل في سياق استكمال الحرب التي لم يكن متاحا لها ان تتوقف مع مجتمع اللادولة، عير:
ـ الحضور المادي العسكر والسياسي وان بالحد الأدنى الممكن.
ـ إقامة دولة من اهل البلاد من خارج النصاب الاجتماعي سابقة على التشكل الوطني بما يخالف ويتعارض مع مبدا تشكل الدولة / الامة الحديث.
ـ تغيير علاقات ملكية الأرض بابتداع صيغة مصطنعه من صيغ "الاقطاع".(12)
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(9) لايعترف الحداثيون باية وطنية سابقه على حضور الغرب وانعكاساته يقول كامل الجادرجي نافيا أي مظهر "وطني" سابق على حضور الغرب: " وقبل الاحتلال الإنكليزي للعراق، واثناء الحرب العالمية الأولى، لم يكن هناك مظهر بارز لحركة وطنية حقيقية في العراق" / كامل الجادرجي وتاريخ الحزب الوطني الديمقراطي/ دار الطليعة ـ بيروت/ ص20.
(10) من رسالة لمس بيل مكتوبة في 5 أيلول 1920/ بيل ج2 ص498/ راجع ل كوتولوف ( ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق) مكتبة النهضة بغداد/ دار الفارابي ـ بيروت/ تعريب عبدالواحد كرم، مراجعة عبدالرزاق الحسني/ ص130 الهامش رقم 19 .
(11) حدثت " في نهاية 1919 ونهاية 1921، احداث جسيمة في العراق طادت تؤدي الى هزيمة محققة لقوات الاحتلال البريطاني. فلقد قامت الثورة في نهاية حزيران 1920، واشتعلت نيرانها في الفرات الاوسطن وسرعان ماانتشرت الى منطقة الغراف والعمارة وديالى، وبقية انحاء العراق ولقد تكبد البريطانيون خسائر كبيرة مما اضطرهم للشروع بالانسحاب كليا من العراق ز وبالفعل اعد الكولونيل ولسون مشروعا مفصلا بالانسحاب العسكري من العراقن لكن السلطات البريطانية في لندن رات انه مازالت هناك فرصة لتدارك الهزيمة الكلية، فاستدعت السير برسي كوكس، واطلعته على الموضوع، فاشار الى ان هناك املا " خمسين بالمائة" بالنجاح في انقاذ النفوذ البريطاني في العراق، ولكن بشرط تشكيل حكمومه عرافقية تستعمل كواجهة للحكم البريطاني في العراق" / إبراهيم علاوي ( البترول العراقي والتحرر الوطني) دار الطليعة / بيروت/ ص 56م نقلا عن كتابي ولسن"الولاء" و "تعارض الولاء" وكذلك رسالة جيرترود بيل حيث تحتوي على فصل كتب من قبل بيرسي كوكس يشبر بوضوح لهذه القضية/ الهامش ذات الصفحة.
(12) هكذا يكون الغرب بمناسبة المواجهة مع العراق قد اضطر الى خيانة نفسه واسس مبادئه، على صعيد مفهومه ل"الدولة الامة" الحديثة، بما هي ظاهرة مشروطة باكتمال التشكل الوطني، إضافة لبتبني شكل مصطنع من الاقطاع يفترض انه يخالف طبيعة الغرب الحداثية البرجوازية، وتلك هي الهزيمة الأساس في حالة المواجهة بين الغرب ومجتمع الازدواج الامبراطوري الرافديني في العصر الحديث.