هادي العلوي.. قلب المشاع العراقي

هادي العلوي

ألترا عراق ـ فريق التحرير

"أجوع مع الجائعين، فذلك هو شرط المعرفة. وألتحف في المنافي، فذلك هو شرط الحرية. وإذا رضي عني الحسين بن منصور فليغضب عليَ كل سلاطين العالم". 

في 27 أيلول/سبتمبر 1998 توقف قلب المفكّر العراقي هادي العلوي، ذلك القلب الذي يوصف بأنه نصب له سرادقًا واسعًا لمحبة الخلق والسهر على راحتهم، أسوةً بأسلافه أقطاب الصوفية الكبار. وفي هذا القلب المشاعي الكبير، تزدحم أطياف غوته وماركس، والكَيلاني والحلاج، ويوتوبيا الهم المشاعي الذي بقي يطارده طوال حياته، وكان جياع الناس وفقرائهم شهود عيان على زهده وعطاءه الذي لم يتوقف يومًا من جمعيته التي أسسها لدعمهم. وكانت أغلب مردودات كتبه المالية تذهب لبطون المحتاجين، من غير أن يتجرأ يومًا ليشتري بها شيئًا سوى ما يسد به رمقه، بحسب معاصريه.  

ولد الراحل في بغداد، كرّادة مريم، في عام 1933، ضمن عائلة فقيرة، لم تورث شيئًا سوى مكتبة ضخمة، غنية بكتب التراث والفقه واللغة والتاريخ والتي تعود إلى جده السيد سلمان فقيه الكرادة وإمامها.

حفظ القرآن ونهج البلاغة والكثير من دواوين الشعر العربي، وأنهى دراسته الثانوية سنة 1950 وتخرج في كلية التجارة والاقتصاد. ومنذ ذلك الحين تفتح وعيه النضالي، وشهد الكثير من الأحداث السياسية المضطربة.

كان العلوي مفكرًا وكاتبًا غزيرًا ألّف الكثير من الكتب التي تدور حول مختلف حقول المعرفة: المشاعية - كما يؤثر تسميتها-، التراث، الحضارة العربية والإسلامية، والصينية، وغيرها الكثير من المؤلفات القيمة. و كانت أطروحاته مثيرة للجدل بين الأوساط الثقافية، فمن الصعب للغاية تصنيف العلوي وتنسيبه لحقل من حقول المعرفة، إنها إشكالية منهجية ليست بالهيّنة حينما يراد تصنيفه كما يقول رفيق دربه الباحث العراقي علاء اللامي.

ومن مؤلفاته "شخصيات غير قلقة في الإسلام، ومن تاريخ التعذيب في الإسلام، والاغتيال السياسي في الإسلام، وديوان الهجاء، والمرئي واللامرئي في الأدب والسياسة، وفصول عن المرأة، والمعجم العربي الجديد ، وكتاب التاو، خلاصات في السياسة والفكر السياسي في الإسلام، وفصول من تاريخ الإسلام السياسي، المعجم العربي المعاصر: قاموس الإنسان والمجتمع، وديوان الوجد، ومدارات صوفية.. الخ.

وبعد أن كان مطلوبًا من قبل حكومة البعث في بغداد، عاش العلوي متنقلًا بين الصين ولندن وبيروت ودمشق. وبمساعدة صديقه الباحث الشيخ جلال الدين الحنفي، عُيَن العلوي مدرسًا للغة العربية في الصين. وقد أتحيت له الفرصة هناك أن يطلع على ماضي الصين وحاضرها، وأن يستلهم الفكر المشاعي الخالص من الماويين الأوائل، ويكتشف أن شيوعية الصينين، آنذاك، تمثل قاعدة الفقراء حقًا، على عكس "شيوعية الأفندية" التي كان "يحتقرها" وينتقدها دومًا. ومن هنا كان يقول ما مضمونه، إن "شيوعيينا الأفندية يبقون أوفياء للشيوعية ما دامت في القمّة، غير أنهم يتنكرون لها إن كانت في القاعدة، وهذا ما جعلهم يتنكرون لشيوعية الماويين ذات النمط الفلاحي". غير أن العلوي لم تمنعه موضوعيته النقدية المعروفة أن يغض الطرف عن سياسيات ماو في حياته الأخيرة التي وصفها بـ"الصبيانية".

كان العلوي من المهمومين بالوضع العراقي، وبقي وفيًا ويكابد الآلام مع الشعب العراقي، واستمر يكتب إلى آخر حياته. ينقل عنه صديقه الباحث علاء اللامي، أنه "حين توالت نوبات الربو على رفيقي وأستاذي الراحل هادي العلوي ذات سنة، وكان لا يكاد ينتهي من مقالة إلا ليبدأ أخرى، فكتبت له بتحريض من الراحلة أم الحسن زوجة العلوي"أرحم صحتك قليلًا وتوقف عن الكتابة لفترة قصيرة"، فرد عليَّ: أنا أكتب، لأقلل حصتي من لعنات الأجيال القادمة، فكلنا مقصرون بحق العراق وشعبه ولن ترحمنا الأجيال القادمة". 

وصفه المستشرق الفرنسي ومترجم القرآن إلى الفرنسية "جاك بيرك" قد بأنه واحد من أهم عشرة مفكرين في القرن العشرين.. كان العلوي خصمًا عنيدًا للأصوليين، لكنه بذات الوقت لا يقل عنادًا في خصومته مع "العلمانيين المتغربنين"، بحسب الكاتب علاء اللامي، حيث يجيب العلوي على سؤال لخالد سليمان في كتابه "حوار الحاضر والمستقبل ص55" والذي نشر بعد وفاته فيقول: في ما يخص العلمانيين، بجملة اعتراضية أقول لك: لا يمكنك إدراجي بينهم...فأنا لست علمانيًا ولا أصوليًا. ولي منهجي الذي يبعدني عن الفريقين. كما بينتُ أني أفرِّق بين الدين والحضارة الإسلامية)، ويسأله سليمان في مكان آخر من الكتاب ص 63: أفهم من هذا أنك لست علمانيًا ولست أصوليًا؟ فماذا أنت؟ فيجيب: "هذا هو ما أعلنُهُ عن نفسي فعلًا وما قصدته بهذه المعادلة الصعبة الحرجة هو الخروج على الثوابت والتحرك في فضاء أوسع".

يقول الباحث اللامي، "مع أن العلوي يَنْشَدُّ إلى ماركس وجيل الرواد الماركسيين الأوائل، لكنه لم يكن ماركسيًا عاديًا، أو منسجمًا أيديولوجيًا، ولذلك عدة أسباب منها: إنه يخلع مشروعَه من ربقة الآيديولوجيا تمامًا، ويعطي الأولوية للانحدار الطبقي والممارسة العملية، إضافة إلى المواصفات العاطفية والروحية والحالة النفسية والمعنوية للشخص بما يجعله أقرب إلى القلبية الإنسانية، ولا يعطي الأولوية للولاء الطبقي الفكري أو السياسي الحزبي".

أشار اللامي إلى أن "العلوي أخذ ينحاز- خصوصًا في كتاباته المتأخرة - إلى نوع من "اليسار" الخاص والمتمايز عن الشيوعية التقليدية أو المترجمة والأحادية المصدر كما يسميها، وكان قد كرر أنه يفضل استعمال كلمة "مشاعية" ومرادفاتها بدلًا من "الشيوعية" ومرادفاتها لأن هذه الأخيرة ابتُذِلَت -كما يقول- من قبل الشيوعيين التقليديين المتغربنين".

وفي مقالته  "هادي العلوي شخصية ومصير"، يقول ميثم الجنابي، إنه "جمع في أعماقه وشخصيته هموم الثقافة العربية وتاريخها الحر وروحها النقدية. من هنا تنوعت أبحاثه ومواقفه بحيث نعثر فيها على أشكال ومستويات وتنويعات عديدة، إلا أنها تعكس أساسًا ما أسميته بوحدة همومه الفكرية والروحية. ولا يقلل من قيمتها الطابع الجزئي والعرضي والأيديولوجي الصرف أحيانًا الذي نعثر عليه في بعض كتاباته. فقد كانت على سبيل المثال كتاباته اللغوية اجتهادات جزئية. وينطبق هذا على مؤلفاته التاريخية. وقد يكون من الأدق القول بأنها دراسات وأبحاث ومواقف في قضايا التراث العربي الإسلامي. وينطبق هذا على كتبه السياسية. أما التصوّف فإنه لم يكتب فيه شيئًا. واقترابه منه كان في نهاية العمر، ومحصورًا في قضايا تتعلق بالقيم فقط. وأقصد بذلك قيم التصوف الأخلاقية ونمط الحياة الشخصي والفردانيّة الحرّة وفكرة المثقف القطباني أو الكوني".

 يقول الباحث "خالد سليمان" إن "شخصية المفكر العراقي الراحل هادي العلوي تعتبر من بين الشخصيات الأكثر إشكاليةً في الثقافة العربية والإسلامية والأكثر اختلافًا في حقول المعرفة الفلسفية والدينية، هذا الرجل الذي جمع بين الدين والفلسفة والمعرفة والسياسة في كتاباته وبحوثه الفكرية النقدية".

لماذا كان العلوي يعادي المثقفين؟

في حوار مع هادي العلوي أجرته سعاد جروس، وهو آخر حوار أجراه قبل وفاته، نشر في مجلة "النور" في 1998 يقول: "لقد سبقني إلى معاداة المثقف شيخنا الروسي  لينين الذي اتهم المثقفين بالرخاوة والروح البرجوازية، وهذا الوصف يأتي من طبيعة الثقافة العربية، ومثقفونا العرب غربيون في جملتهم. وعدائي لهم هو جزء من عدائي للثقافة الغربية".

يضيف العلوي أن "الأكثرية الساحقة لمثقفينا لا تفرق بين ثقافة عربية وثقافة حديثة وهي تستلهم النقائص الغربية على السواء ولا تفرق بين فكر رسمي وفكر معارض، وتخدم الجميع على السواء، وسلوك مثقفينا مأخوذ من هذه الثقافة، ولذلك نجد التكالب عندهم على الامتيازات، فهم مأخوذون بالخساسات الثلاث ــ المال والجنس والجاه ــ ويجعلونها من صميم العمل الثقافي، قلما أجد فيهم مثقفًا يرضي بالكفاف في العيش أو يقتنع بامرأة واحدة هي زوجته، أو يتعالى على الشهرة والجاه. وهذا هو السبب في ضعف تأثيرهم، وفي نفس الوقت عدم احترام الحكومات لهم لأنها تعرف رخاوتهم وانتهازيتهم، وهم في عمومهم من أصحاب شعار ــ قل كلمتك وأمش ــ أي أنهم بعد أن يقولوا كلمتهم يتركونها للقارئ من غير أن يتحملوا مسؤوليتها. عندنا شعراء يلطمون في شعرهم عن الجياع، لكن حلمهم الأقصى هو الحصول على قصور يسكنونها ليكتبوا فيها الشعر، لأن الشعر عندهم لا يكتب إلا في ظروف جيدة! ولا أستطيع التسمية لأن فيهم عمالقة وأصدقاء". 

يلفت العلوي إلى أن "جميع الكتاب يتكالبون على ترجمة مؤلفاتهم إلى اللغة الغربية حتى يقرأهم الغربيون ويشتهروا في الغرب، ومعظمهم يدفع رشوة لهذا الغرض، مؤكدين بذلك تبعيتهم للمرجع الغربي".

من نصوص العلوي في "ديوان الوجد":

 صلاة القرب

أيها الربُّ المشاعيُّ الجليل

أيها الحقُّ الذي ليسَ يزول

لكَ من أسمائكَ الحُسنى دليل

للملايينِ التي تحملُ أسرارَ الخليقة

والتي تقرأُ في سِفر الحقيقة

كل ما غاب عن الفهم ولم يبلغه علم الشعراء

"ديوان الوجد" للراحل العلوي – ص9

وفي صفحة 141 من الكتاب نص آخر:

 ليس ذا زمنَ العقلِ بل زمنُ الجوعِ، والعصرُ عصرُ الجنونِ الذي بشرونا بهِ وقالوا هو الكلُّ والعالمُ الأكملُ،

وفي زمنِ الجوعِ كلُّ حنينٍ لغيرِ السلاحِ جفاء.

فكيفَ يحنُ الترابُ إلى الماءِ والنخيلُ إلى الشمسِ والقمحُ للسنبلِ بل كيفَ أحنُّ إليكَ وما بي حنينٌ إلى رايةٍ يستظلُ الجياعُ بها ليقتحموا شهقاتِ القصورِ والقلاعَ الحصينةَ بالجندِ والمالِ فيمضي الجنودُ إلى أهلهم وتعودُ القلاعُ إلى أهلِها ويفرحُ بالعدل أهلُ السماء!

سلامٌ عليكَ فإنّا احترقنا جميعًا لكي يحكمَ الموتُ أرضَ العماءِ فتنبثقُ المعصراتُ بحارًا من الوجدِ تغنى الألوفُ بها ويمطرُ توقُ الجياعِ

سلامًا وفيضَ مسرة.

توفي هادي العلوي في المستشفى الشامي بدمشق قبل 21 عامًا، ويقول شقيقه حسن العلوي في كتاب "عمر والتشيع"، إن "الدكتور عبد الستار الرفاعي الطبيب المشرف على علاج أخيه، أخبره أن الفقيد الراحل قبل أن يدخل في الغيبوبة التي توفي بعدها قال: "المستقبل للحضارة الإسلامية وليس للغرب".

عراق ألترا