إحتجاجات زمن مابعد الدولة(*)

عبدالاميرالركابي
تكررت التظاهرات وحركات الاحتجاج في ارجاء العراق، ومقابلها في مصر، في العراق لم تعد هذه المرة مقتصرة على البصرة، اخر المدن المنتفضة، هنالك امثلة تتردد اليوم مثل أصداء، في الجزائر والسودان، وقبلها حتى في فرنسا "القمصان الصفراء"، الامر بالأحرى يذهب وهو متجه بعيدا منذ بدايات القرن الحالي، مع اختفاء الدولة المفبركة العراقية بعد 82 عاما من عمرها، بعد سحقها على يد الغزو الأمريكي الثاني، وبعد تاريخ 2003 بقرابة ثمان سنوات، بدات عمليات ذاتية غرضها اللاواعي نزع الدولة، حيث لابدائل يمكن اعتمادها، وحيث ماكان سمي بالربيع العربي ينبيء بطورثقيل من "اللاحل" والمراوحة.
الاشكال المتوهمة من تحركات المطالبة ب "الدولة المدنية"، و "الإصلاح" تجري هنا في العراق بظل انتفاء الحاجة للدولة، واستنفادها اغراضها كتدبير مجتمعي بشري، باختلاف عما حدث في مصر، عندما لم تلبث البنية المصرية حبث الأحادية المرجحة لموقع الدولة بإزاء المجتمع، ان افرزت اشكالا من السلطات البديلة المتعاقبة والمتصارعة، ماوضع حركة النهوض غير المالوف في بنية مصر وتاريخها امام مازق، سببه الأول انها لاتعرف الأغراض والدوافع القابعة وراء كينونتها المفاجئة، والغريبة ضمن السياق المعتاد، ماجعل من استعادتها لوتيرتها المقطوعة امرا تكراريا اضعف، يزداد الشعور بانه غير مبرر، وقد يكون من دون جدوى.
كل هذه الاشكال من مظاهر وحالات النهوض الفريد تنتمي لعالم لم يولد بعد، او هو لم يجد الرؤية التي تعين ملامحه، وفي فرنسا لم يكن ماقد حدث على اوليته غريبا في مجتمع له جذور من حضور اللادولة المسماة نظريا "الفوضوية"، او نزوع الاشتراكية، الركن الثالث من اركان الماركسية الى جانب الاقتصاد الإنكليزي، والفلسفة الألمانية. ولايهم هنا غير النوازع البنيوية التاريخية المضادة للكيان المعروف بالدولة، كما الحال تحديدا في العراق بلاد مجتمع اللادولة والعيش على حافة الفناء. وفي كل الأحوال يجب ان لاننسى وطاة وثقل الماضي والمعتاد على العقل، مثال ماقاله لي احد المخضرمين في العمل السياسي النزيه، ابان الانتفاضة الأخيرة في البصرة، مذكرا اياي بكومونة باريس وموقف ماركس منها، بينما لم يكن بمستطاعي لحظتها الرد عليه بالقول بان ماركس لم يعد له وجود راهن على الاطلاق، وان العالم الحالي تخطى زمن الانتاجوية المصنعية حيث كان ماركس وكومونة باريس ينتميان.
الظواهر المتاخرة لم تدخل حيز الحضور سوى منذ قرابة اقل من عقدين، مع ان منتصف القرن الماضي كله كان قد انقضى على العالم وهو يهم متجها للانتقال من "المنتجية المصنعية" الى التكنولوجية المعرفية اللامجتمعية، بعد ان تمخض الفصل الأول من الثورة الآلية البرجوازية عن منطويات الفصل الثاني، حين تصير الدولة وقتها اكبر العوائق المعطلة والمتعارضة مع طبيعة الانتقالة الكبرى اللامجتمعية.
ولن يكون من المستغرب ان تظل الدولة حاضرة بصفتها كائنا شبه مطلق الحضور بعد الاف السنن من تكرار وانتظام وجودها، واقترانها بالمجتمعية ونشاتها، مع انها لم تكن أولى الظواهر المجتمعية كما ظل معتقدا، فالمجتمعية أصبحت مكتمله وناضجة مع ظهور "اللادولة"، وهو ماحدث بداية في سومر في مابين النهرين، ضمن سياق تحولي لامجتمعي، لم يفلح العقل في ادراك منطوياته التحولية في حينه والى اليوم، تبعا لمستوى مامتاح ومتوفر من طاقة على الاستيعاب العقلي والادراك البشري، وهو مايمكن اعتباره من قبيل القاعدة، يتأخر العقل الانسايواني بموجبها عن مجاراة الظاهرة المجتمعية والتعرف على مضمراتها، فلم يتهيأ لهذا ان يقارب الظاهرة المذكورة ويلحق بها، او باطرافها، الا عند منتصف القرن التاسع عشر، أي بعد الاف السنين على بدء اكتمال الظاهرة المجتمعية، ظل هو خلالها في حالة نضج وتشكل.
وكما ان الفصل الأول من الثورة الغربية المصنعية الحديثة قد فتحت الباب امام تحول الظاهرة المجتمعية الى معطى خاضع للدرس والتحليل، فان فصلها الثاني الحالي سيتيح الفرصة للعقل لان يتعرف على زمن نهاية الظاهرة مدار البحث، الامر الذي قد لاتفلح اوربا هي نفسها في اماطة اللثام عنه كما حدث في فصل ثورتها الحديثة الأول، لقصور تكويني احادي، بينما قد تنهض مواضع أخرى خارجها، وبالذات في منطقة شرق المتوسط المقابلة لها، وفي بؤرة فعاليتها الأعلى، ارض الرافدينن بالمهمة المنوه عنها، بفعل دواع بنيوية تاسيسية، مظهرها الأكثر جلاء، خاصية الازدواج، او الانشطار المجتمعي العمودي، الأعلى مقارنة بمقابله الانشطار الطبقي على ضفة المتوسط الأخرى.
ويتوقف مثل هذا التطور في ميدان علم المجتمعية، على تعديل المنظور الشائع على مستويين، المستوى الطبقي المراحلي، والمستوى الارتقائي النشوئي الداروني، واللذان يقفان معا ويحجمان عن الذهاب الى ماوراء الانسايوان الارضي، او الكائن البشري بما هو حيوان حامل للعقل ( جسد/ عقل)، فيكرسان أولا ابدية الكائن المقصود، ومن ثم ابدية المجتمعية بحسب ماركس الذي يتوقف تصورة عند حدود الشيوع داخل المجتمع نفسه، والحالتان تصبحان غير جديرتين بالتوقف عندهما اذا وضع افتراض التحول، ونظر للكائن الحي باعتباره كائنا وجد أصلا على الكرة الأرضية لكي يغادرها، لا ليبقى فوقها الى الابد، الامر الذي يتفق مع مساره النشوئي التحولي عبر الحلقات الحيوانية وصولا للبونات، ومن ثم لانبثاق العقل، ومن ثم التحول الأكبر بانفصال العقل عن الجسد ومغادرته الأرض الى الاكون العليا والى "الكون غير المرئي".
بهذا لن يكون من معنى لنظرية ماركس وشيوعيته المصممة وفق مفاعيل الانقلاب البرجوازي المصنعي، والاعتقاد بانه نهائي واحادي، مثله مثل ماسبق من مراحل أحادية الفصول كما الانتقال من العبودية للاقطاع، وماقبله. ماقد نتج عنه تصور لمخطط مجتمعي مفعم بالثقة بان الإنتاج البرجوازي الراسمالي مغلق النهايات، وبلا افق يتعداه ومن ثم دوامه لحين الانقلاب المراحلي التالي الشيوعي، من دون الاخذ بالاعتبار احتمال ان تكون المنتجية هي نفسها مغلقة، ولها نهاية يصير معها الوجود على الأرض والعيش في كنفها من قبيل المستحيلات، وان هذا التوقيت وبتدبير من الصيرورة التدبيرية الكونية العظمى، مكتوب له ان يتزواج ويتواقت في شطرمنه، ومع اقتراب امد سيادة حالة العيش على حافة الفناء على عموم الكوكب الأرضي، مع بزوغ وسيلة الإنتاج الثالثة مابعد اليدوية والالية، اللامجتمعية، والمصممة لتلائم عملية انتاج "الانسان"، لا انتاج الحاجات والضرورات الحياتية المتصلة بالديمومة الجسدية.
ثمة عملة متشابكة مستجدة تطرا اليوم، شاملة العالم، وجهتها برغم انها ستضع العالم على حافة الفناء، بدء انتاج الانسان بناء على منطويات وطاقات التكنولوجيا والمعرفة، والوسيلة التنظيمية المجتمعية الملائمة والمطابقة والتي هي "مجتمعية اللادولة"، ونموذجها التاريخي الاعرق مجتمع مابين النهرين، وليس مايجري التنويه به هنا من نوع، او من قبيل المهمات او المسائل المطروحة على الكائن الحي كخيار قابل للاخذ به او تركه، فالحياة متجهه من هنا فصاعدا اما الى الانتهاء وانقراض الحياة، بسبب عدم صلاحية الكوكب المطردة لاستمرارية العيش بالصيغ الحالية والموروثة، او الشروع بالمهمة الملائمة التي لامهرب منها على الاطلاق.
وأول عتبات مانتحدث عنه ونلفت الانتباه له، تهاوي تدبير الدولة كشرط أساس لاطلاق الطاقات البشرية الضرورية،قبل توطين التكنولوجيا والمعرفة، ان أولئك الذي ينتفضون ويخرجون للشوارع ولايعتبرون انفسهم هم بحالتهم الانتفاضية تلك "مجتمعا مكتملا"، يكرسون بالأحرى حالة منتهية بسبب ثقل العادة، وهيمنة أفكار الماضي، لاضرورة لها، ان لم تكن قد غدت من متبقيات الماضي الميت والمعيق للحياة ولاستمرارها: المنتفضون هم الدولة/ اللادولة بحسب الضرورة الراهنة، والساحات التي تضم الانتفاضات، لن تصبح بنت زمنها اذا لم تعلن انتهاء الحاجة للدولة، ليس الزمن زمن اصلاح، او دول مدنية، وكل هذه المطالب هي متبقيات زمن صار وراءنا.
في العراق اليوم وفي هذا المكان بالذات، تجري التحركات والانتفاضات بعد ان سحقت الدولة وغابت عن الوجود، وبعد ان صارت قوى ماقبل الدولة هي المتسيدة، مايكرس حكما وبنيويا استحالة الدولة، أي ان الوضع هنا بخلاف غيره من الحالات، تنتفي عنده الدولة على المستويين، من اسفل حيث البنية المجتمعية مناقضة لظاهرة الدولة تاريخيا، ومن اعلى حيث القوى التي تدير نوعا من بدائيا من أنواع وراثة الدولة التي سحقت على يد الغزو الأمريكي، بما يكرس استمرار غيابها واستحالته..
في وضع من هذا القبيل، الانتفاضات معنية بان تبني "اللادولة"، وان تجعل الريع النفطي، والبنية التاريخية، والتكنولوجيا، ركائز تحولية تاريخية وطليعية متقدمة ونموذجية على مستوى المعمورة، الامر الذي سيحتاج قرانا و "قراءة رابعة"، بعد القراءات الانتظارية الابراهيمية الثلاث: الموسوية، والعيسوية، والمحمدية الخاتمة المنهية لزمن النبوة الالهامية التي توقف زمنها قبل مايقرب من الف عام.
ـ يتبع حلقة اخيرة ـ
ـ قران العراق والقراءة الرابعة !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• اتوقف قاطعا سلسلة مقالاتي المنشورة تباعا عن الشيوعيتين البنيوية والطبقية، لضرورات الانتفاض العراقي الأخير، على ان اعاود السلسلة المذكورة بعد انتهاء هذه المتابعة الملحة.